الاسم: محمد أندلسي
البلد: المغرب
التصنيفات : خاصة,سياسة وأخبار,ثقافة وفن,أدب وكتب,ديانات,ألحان وأنغام,عام
أظهر كافة المعلومات
| ► | يناير 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||

Das Institut für Philosophie
der Philosophisch-Historischen Fakultät lädt ein
zum Gastvortrag
Wie viel Kritik verträgt der Islam?
von Prof. Dr. Mohamed Andaloussi
Professor für Philosophie, Universität Moulay Ismaïl, Marokko
Zeit: Dienstag, 12. April 2011, 18 Uhr s.t.
Ort: Universität Innsbruck
Hauptgebäude, Innrain 52, 3. Stock
Archäologisches Museum
© BfÖ 2011
Zur Person:
Dr. Mohamed Andaloussi ist Professor für moderne und zeitgenössische Philosophie an der
Universität Moulay Ismaïl in Meknès/Marokko und dort Vorstand des Instituts für Philosophie.
Seine Forschungsschwerpunkte umfassen: Metaphysik, Religion, Nihilismus und Postmoderne.
Zu seinen Publikationen zählen: „La philosophie de la logique de l’esprit à la logique du corps“,
éditions Okad à Rabat 2003; „Nietzsche et la politique de la philosophie“, éditions Dar Toubkal
2006.
Abstract:
Die heutige „Konfrontation“ zwischen dem Islam und dem Westen hat ihre Wurzeln in der
westlichen Moderne, die – im Namen der Säkularisierung, Rationalität, Demokratie, usw. –
die letzte metaphysische Festung der islamischen
———————————————
فيماوراء الديمقراطية كمثل أعلى
فيماوراء الديمقراطية كمثل أعلى
إنّ أي تفكير اليوم بطريقة فلسفية في الديمقراطية، إلا ويقتضي أن نفكّر فيها انطلاقا من طبيعة التمفصل الذي يوجد بين “مفهوم” الديمقراطية وبين “التجربة” الديمقراطية. وهذا يعني أن أي حديث عن الديمقراطية إلا ويتطلّب أن ننظر إليها “فيماوراء الخير والشر”، أي فيما وراء الديمقراطية كمثل أعلى. ومثل هذا النظر يصبح ممكنا شريطة أن نعيد “توجيه الفكر” من جديد، نحو “قبلة” الفلسفة الإغريقية القديمة، ونحو فضاء التجربة الديمقراطية في اليونان. فالإغريق يشكّلون بداية تأسيسية للفلسفة وللتجربة الديمقراطية في الوقت ذاته. ولا شك أن هذا التعالق التزامني-المكاني بين نشأة الفلسفة ونشأة الديمقراطية، له ما يبرره سواء على صعيد الفلسفة أو على صعيد الديمقراطية. العلامة الأولى لذلك التعالق تتمثّل في كون أن “المواطن” يشكّل أحد المواضيع الأساسية في الفلسفة، و ذلك لأنّ أحد شروط ظهور الفلسفة، هو ظهور “المواطن”، أي ظهور الفرد الواعي بذاته ككائن عاقل، ومستقل، وحر. “إنّ اليونان هي بمثابة الفضاء الحضاري-التاريخي الذي هو “موطن” الإقامة بالنسبة للفلسفة وللديمقراطية، وهو بحكم ذلك يمثّل مصدرنا الأصلي الكوني”[1]. ومع ذلك فإن تسليط الضوء على فضاء نشأتهما التاريخية المتجسد في المدينة اليونانية، وأثينا بصفة خاصة، لا يخلو من طابع إشكالي. فمن المعروف أن انبثاق الفلسفة والمدينة الديمقراطية - بما هو يجسّد جماعة الناس المتساوين والأحرار(أي جماعة من المواطنين) - قد جاءت بعد الخلخلة الكبيرة التي تعرّضت لها التقاليد، والأساطير، والسلط الدينية، والسياسية، وأشكال الحياة التقليدية المرتبطة بها. لكن هذه النشأة المتزامنة ألقت أيضا بظلالها على العلاقة بين الفلسفة والمدينة. ولقد جسّد سقراط كل الصراع الدائر بينهما[2]، وهو يختزل أيضا التناقض الغير قابل للتصعيد بين الفلسفة والديمقراطية.
حينما نعود إلى هذا الفضاء - والذي يشكّل في نظري البذرة الأولى ليس فحسب للفلسفة والفكر الغربي على نحو ما ذهب إلى ذلك هايدغر، وقبله أستاذه هوسرل ومعهم كل من وقعوا في أسر التماهي مع الذات ومع النزعة المركزية الغربية ، وإنما أيضا بالنسبة للفكر الفلسفي الإنساني الكوني - ونسائل فلاسفة اليونان عن الكيفية التي تصوّروا بها العلاقة بين الديمقراطية كمفهوم، والديمقراطية كتجربة وكواقع، سنجد أنهم قد أدركوها كعلاقة غير منسجمة بل ومتناقضة، وعلى أن هذا الطابع الإشكالي ملازم لمفهوم الديمقراطية وللتجربة الديمقراطية في الوقت نفسه[3]، وهو الذي يعني أنه يشكّل “قدر” الديمقراطية، وعلى أنّ هذا “القدر” يضعها “فيماوراء” الخير والشر.
هذا الوعي الفلسفي النقدي المبكّر بالطبيعة الملتبسة والمتناقضة للعلاقة بين مفهوم الديمقراطية وواقع الديمقراطية، هو ما تشهد عليه فلسفة كل من أفلاطون وأرسطو. ففي كتاب “الجمهورية” يتحدث أفلاطون عن الديمقراطية- من حيث هي واقع وتجربة معيشية أكثر مما هي نموذج نظام سياسي- باعتبارها “خليطا من الدساتير” التي تفتقر إلى الانسجام والوحدة. إنها في نظره أشبه بسوق “للأثاث الرديئة”(الخردة). لهذا فهي تتعارض بشكل كلّي مع مقوّمات “المفهوم”Le concept وخصائص “الفكرة” L’idée لديه، والتي من أهمّها خاصيتي: الوحدة والكلّية. فالتباس التجربة الديمقراطية، والانقسام الذي يطبع واقع الديمقراطية، يتعارض بشكل جذري مع وحدة “المفهوم”، وكلية “الفكرة” وانسجامها. فالديمقراطية عند أفلاطون تعني التناقض غير القابل للتصعيد والتجاوز، الموجود بين الهجانة والانسجام، أو بين الانقسام(الاختلاف) والوحدة، أو بين التعدد والكلّية. إنها تعني العجز عن إقامة أي تواصل أو تلاؤم ولو بسيط بين مستويي الديمقراطية أو قطبيها. إن أي مقاربة للديمقراطية كلفظ وكمفهوم، والديمقراطية كتجربة وكواقع، تشهد وبشكل مباشر على وجود صراع أو نزاع غير قابل للتجاوز والتدليل بين المستويين. وهذا ما يجليه المعنى الاشتقاقي الأوّلي الذي يوجد في أصل لفظ الديمقراطية من حيث هي “حكم العموم” أو “حكم الشعب للشعب”. هذا ما يجليه إذن لفظ “الشعب” الذي يوجد في أصل الديمقراطية: فتحديد هذا اللفظ يشي بنفس الالتباس والخلط الذي وجدناه ملازما للديمقراطية كتجربة وكواقع. فمن هو يا ترى “الشعب”؟ ألا يعني تارة “الأمة” وطورا آخر “الجماعة”؟ بلى، فمن جهة يتم إقامة تماهي مطلق ما بين “الشعب” وكل “الأمة”، ومن جهة أخرى يتم تماهيه مع جزء من الأمة أي مع “جماعة” نكرة لا خصائص لها. يتم الحديث عن “الدّهماء”، أو “الجمهور”[4]، أو “السكان غير المميزين”، أو “عامة الناس”. من هنا الطابع الملتبس للفظ “الشعب”، ومن هنا أيضا المشروعية التي يكتسيها هذا الإلحاح الفلسفي لمعاودة طرح السؤال: هل مفهوم “الشعب” يمثّل “كل” أعضاء المجتمع، أم أنه يمثّل “جزء” من جماعة تفتقر إلى أي خاصية تميزها؟
هذا اللبس والتناقض الذي يكتنف “الديمقراطية” كمفهوم وكتجربة والذي يبيّنه تحليل أفلاطون، نعثر عليه أيضا حاضرا لدى أرسطو وخاصة في كتابه “السياسي”، حيث يتحدث أرسطو عن أصلين أو مصدرين للتجربة السياسية. ففي كتابه الأول نجد بأن “الجماعة السياسية” تتحدد باعتبارها تلك الجماعة التي تتكون على أساس “القسمة العقلية”. فالناس يعيشون داخل “الجماعة”، أو يشكّلون “جماعة”، لأنهم يقتسمون “اللوغوس” أو “العقل” بما هو معيار وحكم. أي يقتسمون “القدرة على المناظرة” مع الشركاء والنظراء حول العادل وغير العادل، حول الخير والشر. بينما نجد بأنّ الكائنات “الحيوانية” تفتقر إلى هذا “اللوغوس”، لأنها خاضعة للغريزة، أي لمبدأ يختزل كل
دعوة عامة للمشاركة موجهة لكل المهتمين بالشأن الفلسفي بالمغرب:
ينظم مسلك الفلسفة بكلية الآداب/جامعة مولاي إسماعيل بمكناس بتاريخ 20 و21 و22 ماي2010 ندوة تكريمية للأستاذ محمد سبيلا، تحت عنوان: محمد سبيلا: مسار مفكر وأستاذ جيل.
البرنامج/ محاور الندوة:
1- الأستاذ محمد سبيلا ومفكرو عصره:
أ- محمد سبيلا محاورا لمفكري عصره من الغربيين ومقربا لأفكارهم:
· سبيلا وكارل ماركس
· سبيلا وسيغموند فرويد
· سبيلا وإريك فروم
· سبيلا وجان بودريار
· سبيلا وداريوش شايغان
ب- محمد سبيلا محاورا لمفكري المغرب:
· سبيلا وعبد الله العروي
·
———————————————
الأمّية الفلسفية
الأمّية الفلسفية
( تعقيب على "الافتراء" المنسوب لأحمد الفوحي- أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب بمكناس- بشأن "الانتحال والتدليس")
والمنشور في بعض المواقع بالشبكة
"يمتدح القريب النزاهة لأنه يحصل منها على مغنمه."( ف.نيتشه).
"إن الفلسفة لم تنج بعد من روح الانتقام ومن النزعات المحافظة التي تؤرق العصر.".(فرانسوا ليوتار).
إن هاتين القولتين اللتين نستهل بهما هذا التعقيب تعكسان بشكل ملموس المقال المنشور في بعض المواقع المعنون ب"في التدليس والانتحال والسرقة الموصوفة" المنسوب لأحمد الفوحي. أقول المنسوب لأحمد الفوحي لأني مع الأسف الشديد أعرف الرجل الذي تنحصر "مواهبه العلمية" في "قل" و "لا تقل"، فهو بالكاد يعرف لماذا رفع الفاعل ونصب المفعول ويعلّم ذلك للطلبة, ولا تربطه بالفلسفة أية رابطة. ومن هنا هذه الملاحظة الأولية: كيف يسمح شخص مهما تكن مكانته العلمية أن يعير اسمه في عملية إقحام واضحة همها الوحيد البوح بالضغائن وتصريف الاختلاف بطريقة عارية عن الأخلاق العلمية التي ينبغي أن يتسم بها كل باحث؟
إن المقال المذكور يتضمن مصادرات مسكوتا عنها سأقوم بتحليلها، وإماطة اللثام عن أقنعتها، وفضح ما تنطوي عليه من تغليط وضحالة فكرية.
- إن الافتراءات التي يتضمنها المقال ليست صادرة عن أستاذ/ باحث يتمتع بكفاءة علمية في التحليل والنقد، وإنما تبدو وكأنها صادرة عن "شرطة الآداب".
- إن الحقد الدفين الذي يفصح عنه المقال ليس موجّها ضد مقالي "مشهد الفلسفة المعاصرة بين انزياح الصورة وصيرورة المفهوم" بل هو يستهدف أساسا مسلك الفلسفة وشعبة علم الاجتماع.
- ليست "إرادة الخير أو الورع أو التقية" هي الهاجس وراء كتابة المقال، بل أكاد أجزم بأن وراءها "إرادات ارتكاسية" آثرت أن تداعب "ضفاف الشر".
ولكي نضع قراء ومتتبّعي الشأن الفلسفي والفكري بصفة عامة، أمام المشهد الكامل لهذا الرد، سنقوم بتأطيره في السياق الذي صدر عنه المقال، الذي أريد له أن يخادع ويستهين، بإرادة "سرقته الموصوفة"، والتي ليست إلا تجسيدا لذات مريضة وأخلاق سوقية. ذلك أن حصيلة ما نسب للرجل كانت مخيّبة لانتظارات القارئ العادي، ومبعثا على الشفقة بالنسبة للمهتم والمتخصص في الشأن الفلسفي والعلمي، كما سنبيّن ذلك بالتحليل والتفكيك. "فالافتراء" ظاهره عبارة عن عملية "تشهير أخلاقي" كلّها شتم وسب واتهام وإدانة- يشهد على ذلك المعجم الذي وظف في المقال، وسنكتفي في هذه المحطة بذكر بعضها، أما عمق "الافتراءات" الواردة في المقال، فيقطر سمّا، وتحرّكه أشدّ الأهواء حقدا وضغينة ضد مفكري الحرية والاختلاف. ويزداد "المكتوب" بؤسا وتعاسة، إذا استحضر القارئ كونه يدّعي ظاهريا الإحاطة بإشكاليات الحقل الفلسفي ويروم تصحيح أخطاء الفلاسفة، بينما هو في حقيقته يشي بضحالة فكرية، وبتخلف معرفي ساطع وصادم ليس في مجال الفكر الفلسفي فحسب، وإنما على صعيد التكوين العلمي أيضا. وهذا ما يجعلنا لا نتردّد بالقول: إذا كانت الفلسفة بالأمس ووجهت من قبل عدو خارجي تجسّده القوى الظلامية الممالئة لسدنة سنوات الجمر التي عرفها المغرب في مرحلة ما، فإن الفلسفة - هنا والآن وتأسيسا على هذا "الافتراء"- تجد نفسها في مواجهة قوى ارتكاسية "جديدة" تستعير قناع "الأخلاق"، و"الإيمان الديني"، وادعاء "العودة إلى الأصول"، لنسف الفلسفة من الداخل بعد أن باءت بالفشل حملات التحامل عليها من الخارج.
لنتصور أن أستاذا جامعيا، وليكن أحمد الفوحي أو غيره، يعتبر بأن إقراري على أن ديكارت هو مؤسس "مبدأ الذاتية" في الفلسفة ينم عن جهل بالفلسفة وعمى البصيرة ويناقض ما يذهب إليه كبار الفلاسفة مثل ألان باديو. إليكم بشكل حرفي ما أورده بهذا الصدد في افترائه الذي نقوم بتفكيكه:" وأحيانا أخرى، نجد أندلسي يتقول ويضيف ما لا سبيل إلى إضافته؛ إما بسبب جهله وإما بسبب عمى البصيرة… ومن أين جاء أندلسي بفكرة كون ديكارت مؤسس الذاتية في الفلسفة ؟! فهل رأى ما لم يره آخر كبار الفلاسفة الفرنسيين ألان باديو؟! " .
إذا كان المهتمّون بالشأن الفلسفي يجمعون على أن الاختلاف يشكّل السمة الأساسية المميزة للفكر الفلسفي، إلا أنه يمكن القول بالمقابل بأن الاستثناء الوحيد عن هذه القاعدة الذي أجمع عليه الفلاسفة، هو اعتبار ديكارت بمثابة "الأب الروحي" للحداثة، والمؤسس "لمبدأ الذاتية" في الفلسفة. وهذا الإقرار ثابت مند كانط، وهيجل، وصولا إلى ألان باديو، مرورا بنيتشه، وهوسرل، وهايدغر، وفوكو، ودولوز، وليوتار، وهابرماس..إلخ. وهكذا فما أصبح بمثابة بداهة ليس في تاريخ الفلسفة فحسب، بل وأيضا لدى التلميذ المبتدئ بتعلم الفلسفة في القسم الأول من الباكالوريا، يعتبر عند كاتب المقال، شناعة في الفلسفة وعند كبار الفلاسفة. ومما يثير الشفقة، إثباته بأن ديكارت هو صاحب "الكوجيطو" وفي نفس الوقت ينفي كونه مؤسس "مبدأ الذاتية" في الفلسفة. وهذا "عرض" كبير يشي بمدى عمق جهل صاحبنا بالمصطلح الفلسفي ولا يدري بأن كلامه هذا متهافت وينسف نفسه بنفسه. فالكوجيطو كما يعلم الجميع المتخصص وغير المتخصص، ليس سوى صيغة مركّزة لمبدأ الذاتية لدى ديكارت، "فأنا أفكر، إذن أنا موجود" يبيّن لمن يتمتع بحد أدنى من البصيرة والمعرفة، أن شرط الوجود هو التفكير، وأن الكائن الإنساني لا يرقى إلى مرتبة الإنسان إلا حينما يفكر ويحسن استعمال تفكيره وعقله، أي حينما يصبح ذاتا مفكرة واعية حرة، إذ بواسطة التفكير وحسن قيادة عقله يصبح الإنسان سيدا على نفسه وعلى الطبيعة. وظهور "مبدأ الذاتية"(الذي يفيد بمعناه الواسع: النزعة العقلانية والنزعة الفردية والحرية) هو ظهور للحداثة الفكرية في أوروبا. وهذا ما أسسه "الكوجيطو" الديكارتي، لذلك أعتبر بمثابة "الأب الروحي" للحداثة الغربية.
لا يكتفي "المقال" بالدفاع عن كلام شاذ متهافت كما بينا ذلك، بل إنه يهرب "إلى الأمام" حيث يسعى إلى تأسيس جهله بالافتراء على "ألان باديو"- الذي يوهم القارئ أنه يدافع عنه، بينما هو ينسب إليه تصورا هو على النقيض مما يقوله وتذهب إليه فلسفته. بل أكثر من ذلك، إن "المقال" يستشهد بقولة للفيلسوف تنسف ما نسبه إليه. تقول قولة باديو كما أوردها الفوحي حرفيا :
Car Descartes est l’inventeur philosophique de la catégorie de sujet et le destin de la philosophie française, sa division même, est une division de l’héritage cartésien. واضح أنّ باديو هنا يعتبر ديكارت- على عكس ما فهمه صاحبنا- بأنه مؤسس مقولة الذات داخل الفلسفة، وهي صيغة فلسفية مركزة لمبدأ الذاتية. وهذا يدفعني إلى وضع موضع تساؤل مستوى صاحب المقال في اللغة الفرنسية. هكذا "ينقلب السحر ضد الساحر"، ويبقى السؤال قائما ويستدعي البحث والتحري عن كيفية وصول أمثال هؤلاء إلى التعليم العالي الجامعي؟ أوليس هذا عيّنة دالة لمن يريد أن يفهم لماذا "نحن نتأخر بينما غيرنا يتقدّم"؟
فليقل لنا أحمد الفوحي أو غيره ممن أسهم في كتابة المقال، أين قرأوا مثل هذا القول المشين لألان باديو وفي أي مؤلف من مؤلفاته؟ خاصة وأن المقال يريد من خلال ما استعرضه من نتف مختزلة ومعلومات عامة عن سيرة باديو، أن يوهم القارئ أنه ملمّ بفكره، مع العلم أن ما استعرضه لا ينم عن معرفة واطلاع، وإنما مجرد سرد مختزل لسيرة الفيلسوف الحياتية والفكرية يعثر عليه القارئ في أي معجم فلسفي أو موقع إلكتروني يهتم بسيرة الفلاسفة والمفكرين.
نشير هنا إلى أنّ أحمد الفوحي ومن يكتب له، كانوا في مقدمة من حاولوا بكل ما أوتوا من قوة- أن يشنوا حملة منظمة أساسها الحقد والضغينة، ضد الفلسفة والعلوم الإنسانية، وذلك عبر الضغط على رئاسة الجامعة وعميد الكلية، للحيلولة دون قيام شعبة علم الاجتماع ومسلك الفلسفة من بعد. وهم يستمدون قوتهم من إرث الحضر وطوله الذي تعرّضت له الفلسفة وعلم الاجتماع، ومن الفراغ القاتل والسنوات العجاف التي مرّت بها كلية الآداب بمكناس كنتيجة لهيمنة الرأي الواحد المستبد بكل القرارات المتعلقة بالكلية، وغياب ثقافة الاختلاف والتسامح ونسبية الحقائق.
يتعلّق الأمر بمحاولة احتواء الحسّ النقدي عبر تمييعه بزرع "روح الانتقام" والحقد فيه، وتحويل الجامعة من كونها فضاء للتربية على الحوار العقلي، والاستقلال الفكري، والاختلاف في الرأي، إلى فضاء يدين الاختلاف، ويحتمي بالأصول، ويقوم على الولاء، ويكرّس التبعية والوصاية. فسيرة هذه العصابة التكفيرية معروفة عند الجميع، فهم لا يمارسون البحث العلمي، وإنما مهمتهم "اصطياد أخطاء" الآخرين، و"حراسة الأفكار" التي تؤبد التخلف، وتثبيت حق "الملكية الخاصة" في مجال الفكر والمعرفة أسوة بالملكية الخاصة الرأسمالية. لهذا لا يستغرب القارئ إذا لاحظ بأن "رد الفعل" الذي يكشف عنه المقال لم يكن سوى ذريعة لتحريك ما يتأجج في دواخله من مشاعر الفشل والكراهية والبغضاء ضدّ "أعداء وهميين". لهذا فما ورد في المقال يفتقر إلى الحدّ الأدنى من النضج والبصيرة، إذ كلّه تشهير وإدانة واتهام، ليس اتجاهي أنا فحسب كأستاذ وباحث في الفلسفة، بل وكما تشهد عليه الوقائع الملموسة بالكلية، تعبّر عن "نية مبيتة" للنيل من سمعة الأساتذة والكلية التي بدأت تستعيد في السنين الأخيرة شيئا من إشعاعها وحيويتها، ونعتقد بأن فتح شعبة علم الاجتماع ومسلك الفلسفة بالكلية قد لعب دورا أساسيا في هذه الحركة المباركة، وذلك بما جلبه هذا المولود الواعد لكلية وجامعة مكناس من مكاسب، تكاد تكون استثنائية في تاريخ الجامعة المغربية. نذكر على سبيل المثال لا الحصر: اقتناء شعبة علم الاجتماع لحافلة من الحجم الكبير من فرنسا ووضعها رهن إشارة كل طلبة الكلّية والجامعة بدون تمييز. تزويد الكلية بحواسب وخزانة من الكتب ذات الجودة الرفيعة في مجال السوسيولوجيا والفلسفة. عقد شراكات مع عدة جامعات وكليات ومؤسسات بالعالم العربي وأوروبا. تمويل عدة مشاريع تتعلق بالبحث، والتدريس، والتكوين، والتأطير..إلخ. ناهيك عن المكاسب المعنوية التي بدأت تلوح في الأفق والتي يمكن تلخيصها في تأصيل "مبدأ الاختلاف" في الرأي داخل الكلية.
لكلّ الاعتبارات الآنفة الذكر، لا يتمتّع مقال صاحبنا بأي قيمة معرفية أو أخلاقية، وإنما هو عبارة عن "بيان انتقام وتصفية حساب"، يستهدف أساسا ليس مقالي "مشهد الفلسفة المعاصرة"، وإنما اتخذ من المقال مطية وذريعة لتشويه صورة مسلك الفلسفة وأساتذته، وللتهجّم على شخصي باعتباري رئيسا لشعبة علم الاجتماع ومسلك الفلسفة، بأسلوب كلّه بغضاء واتهامات وشتائم، من قبيل: "التدليس، الانتحال، السرقة الموصوفة، السطو، النسخ، التضليل، التمويه، التحايل، الجهل، المجرم، الجريمة…".
لهذا وتأسيسا على هذا المستوى الأول من "بيان المقال"، أصادر بأنّ "البيان" هو إملاء
"نيتشه وسياسة الفلسفة" للباحث المغربي محمد أندلسي، هو آخر كتاب صدر عن نيتشه في العالم العربي، ولربما أفضلها أيضا. لم يجد نيتشه في الثقافة العربية صدى كبيرا، وتم النظر إليه دائما كفيلسوف فردي مغرق في فرديته وتطرفه، ولربما يرجع هذا بالأساس إلى طبيعة هذه الثقافة التي تميل إلى معاقبة كل من يخرج على هويته ويسخر منها، نتيجة لقربها في دوغمائيتها ومحافظتها من التقاليد البروسية. وقد يعود ذلك أيضا إلى سخرية نيتشه من الأديان ومن نفاق رجال الدين، والسبب الخامس قد يكون خمول هذه الثقافة ورفضها لكل جديد، واستسلامها لاجتهاد السلف. أسباب كثيرة، لربما هذه بعضها فقط ولربما أيضا هي أقل تلك الأسباب أهمية. لكن هذا لم يمنع بعض الباحثين العرب من الإقبال على دراسة نيتشه، وإن لم يكن بذلك التفصيل والإخلاص الذي نقف عليه في كتاب محمد أندلسي.
التفكير عن طريق الجسد: "ضد ديكتاتورية العقل"
Bildunterschrift: Großansicht des Bildes mit der Bildunterschrift: كتاب محمد أندلسي، الصادر مؤخرا عن دار توبقال
لا أبالغ إذا أشرت بأني استمتعت بكتاب الباحث المغربي وبجرأته وأسلوب طرحه ومعالجته للمتون النيتشوية، مقارنة بآخر ما صدر عن نيتشه في ألمانيا، وهو كتاب "الإنجيل الخامس لنيتشه" لأستاذ الفلسفة بيتر سلوتردايك، والذي يدافع عن فكرة تتناقض ورأي الباحث المغربي، ويرى بأن نيتشه أسس حقيقة جديدة وإنجيل جديد. سلوتردايك، لا يفعل في كتابه سوى نقل رأي مارتين هايدغر، الذي وجد في نيتشه آخر رموز الميتافيزيقا وهو ما يرفضه الباحث محمد أندلسي، وقبله رفضته القراءة الفرنسية لنيتشه.
لكن مع ذلك تتمثل أهمية كتاب سلوتردايك في نقده للتحريف النازي لنيتشه، مؤكدا بأن النازيين صنعوا نيتشه على مقاسهم، فصاحب زرادشت ظل دائما معاديا للقومية النازية، ولألمانيا إلى حد كبير في تفكيره وحياته وطريقة كتابته. كما أنه "معاد أكثر من اللزوم لمعاداة السامية"، ولكل الإيديولوجيات التي تحتقر الفرد وتحد من عفويته وانطلاقه، وترسم له حدودا أخلاقية صارمة، لا يسمح له بتجاوزها، بل ويتم الإيحاء إليه على أنه هو من رسمها لنفسه، وتلك أعلى درجات الإرتكاسية والكسل الفكري حسب نيتشه. لهذا رفض نيتشه، كما كتب محمد أندلسي "الدور الذي لعبه العقل في الفلسفة، حيث تحول إلى مستبد يمارس الإقصاء والإبعاد على اللاعقل، في حين أن استعماله المشروع يقتضي أن يستعمل بمعية الغرائز، جنبا إلى جنب، لكي يؤديا دورهما في تناغم". ولهذا اتهم نيتشه فلسفات عصره، وعلى رأسها المثالية الألمانية "بإنكار الحياة"، ودعا إلى تأسيس فلسفة جديدة تقبل على الحياة، فلسفة لا تتحقق
شروط تأسيس خطاب فلسفي نقدي حول "حقوق الإنسان"*
يبدو أنه من الضروري في اللحظات التاريخية الحاسمة التي يجتازها العالم بصفة عامة، والعالم العربي الإسلامي بصفة خاصة، أن نقف لحظة تساؤل حول ما يسمى بحركة حقوق الإنسان، لأنه إذا ما جعلناها مجرد شعار، فإننا سنعرّض هذه الحركة الحقوقية رغم جاذبيتها السياسية، إلى السقوط في حبال الإيديولوجيا، مما يعرّضها للسقوط والأفول.
من هذا الاعتبار يبدو لنا أن التساؤل الفلسفي حول الإحالة إلى الحق وعودة حقوق الإنسان بصفة عامة، ليس فقط تساؤلا مشروعا على المستوى الفلسفي، من حيث أنّ فعل التفلسف يتحدّد بما هو تفكير في الكائن وأنطولوجيا للحاضر؛ ولكنه ضروري أيضا على المستوى السياسي إذا سلّمنا أن التاريخ المعاصر قد كان في معظم الأحيان مسرحا لكثير من المشاريع التحرّرية التي انقلبت إلى أضدادها، لأنها لم تتخذ الحذر اللازم ولم تأخذ الوقت الكافي للتفكير.
لنحلّل في البداية وباقتضاب هذه الإحالة إلى الحق كممارسة عادت من جديد إلى الواجهة بعد ما كانت موضوعا للشبهة والرفض، لنبرز ما يمكن أن يشكّل داخلها موضوعا للسؤال والتفكير الفلسفيين. فهذه الممارسة أصبحت تشكّل اليوم بالنسبة لليسار السياسي أساسا صلبا لمواجهة الاضطهاد، وشمولية الأنظمة السياسية على أرضية الحق، أو للاعتراض على القوة باسم الحق.
فعلى مستوى العلاقات الدولية، على سبيل المثال، نجد أنّ إدانة التدخل الإمبريالي الأمريكي اليوم في أفغانستان والعراق تتم باسم حق الشعوب في تقرير مصيرها، هذا في الوقت الذي كان فيه نقد الإمبريالية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي لا يتم بالإحالة إلى مبادئ حقوقية، بقدر ما كان يصدر عن رؤية تستشرف المستقبل من خلال منظور غائي يبشّر بقدوم الاشتراكية.
إنّ الاحتجاج على القوة باسم الحق حاضر كذلك على مستوى العلاقات بين الأفراد أو بين المجتمع والدولة، وذلك من خلال نشاط الجمعيات الحقوقية المختلفة.
إنّ أهمية هذا التحوّل الذي طرأ على المشهد السياسي المعاصر، يمكن قياسه بسهولة بالمقارنة مع ما كان يهيمن في العقود السابقة على صعيد الممارسة التحررية والحركة المطلبية. لقد كانت الإحالة هنا تتم باسم موقف ماركسي ينتقد الحق باعتباره مجرّد وهم موجّه لتكريس واقع الاستغلال والتستر عليه.
إنّ التغيير الذي طرأ على المشهد الثقافي والسياسي المعاصرين، بالانتقال من السعي لتجاوز القانون وإقامة مجتمع لا طبقي، إلى إعادة الاعتبار للقانون وإلى الحق كقيمة عليا، هو إذن تغيير نوعي هام. ويمكن الإقرار بهذا التحوّل إذا ما أمعنا النظر في فكرة الحق، وفي التمثّل الذي تكوّنه حوله وتحمله معها هذه الدعوات إلى القيم الحقوقية. إذ لا يتعلّق الأمر هنا بالدعوة إلى مجرد تطبيق الحقوق التي يتضمّنها الدستور، حتى وإن كان هذا المطلب يشكّل الخطوة الأولى في إطار نقد داخلي لقوانين الدولة، وإنّما هو في عمقه واستراتيجيته دعوة لمشروع تحرّري يتم باسم حقوق الإنسان.
إذا كانت هذه الدعوات تأخذ شكل دعوة إلى حقوق الإنسان، فمن المؤكّد أن ذلك مفهوم لأنّ الشمولية أو التوتالتارية التي صارت بمثابة الظاهرة السياسية الخاصة بالقرن العشرين، تتحدّد من حيث هي نفي كلّي لحقوق الإنسان. غير أنه مع ذلك تنطوي هذه الدعوة على تناقض، بحيث لا يمكن لمن يفكّر اليوم في موضوع حقوق الإنسان أن يتخلّى عن كلّ ما تضمّنه النقد الماركسي للحق، وخاصة تشديده على ضرورة التسلّح بموقف الحذر إزاء الحق القائم، أي الحق الذي تحدّده القوانين الوضعية، والذي تبقى علاقته المتواطئة مع جهاز الدولة واضحة، تمنع من اتخاذه وبصفة دائمة قيمة مرجعية للدفاع عن الفرد أو المجتمع أو الشعب ضدّ هذه الدولة. فحتى يتسنى للحق أن يشتغل فعليا كقيمة مشتركة بين مختلف تنظيمات المجتمع المدني، أو بين مختلف المجتمعات، ولكي يكون بمثابة مرجع مشترك للحوار والنقاش وللتواصل، يجب أن يظهر في بعده الشمولي وكشكل من أشكال الكونية، فيما وراء المصالح السياسية والإيديولوجية الخاصة بهذا التنظيم أو ذاك، بهذا المجتمع أو ذاك. بمعنى يجب على الحق أن يظهر كمعيار مرجعي شمولي.
وحينما نتأمّل الحق القائم، أي الحقوق المعترف بها قانونيا نلاحظ أنه وعلى المستوى العملي لا يمكن أن يدّعي هذه الكونية، لأنّه على الأقل يتعارض مع حق الأقلّيات المضطهدة، والتي تضطر إلى إدانته للاعتراف بها. لكن يجب أن نشير إلى أن نقد هذه القوانين الظالمة يتم دوما وبصفة ضمنية باسم مبادئ أخرى للحق، والذي يعبّر عن نفسه في تقليد الحق الطبيعي ، الذي عثر على تتويجه التاريخي في إعلانات حقوق الإنسان، أي الحقوق الطبيعية للإنسان بما هو إنسان.
يجب أن نسجّل أوّلا، أنّ تلك الحقوق صادرة عن إعلانات وليس مؤسسات. وهي ليست مبتكرة من قبل دولة من الدول، بل هي في الأصل تصورات فلسفية تمّ تكريسها والمصادقة عليها لاحقا من قبل الدولة في مرسوم تنحصر مهمّته في إظهار حقوق معترف بها كحقوق كانت موجودة على الدوام. فهذه الحقوق إذن تستمدّ قيمتها في كونها تظهر مسبقا كحقوق خارج الدولة ومفروضة عليها من فوق. لهذا الاعتبار التاريخي الذي يوجد في أصل نشأة حقوق الإنسان، تفهم اليوم العودة إلى الحق وتفعيل المطالب الحقوقية باعتبارها دفاع عن الفرد والمجتمع المدني ضدّ الدولة وأجهزتها ومؤسساتها.
غير أنّ هذه الحركة التي تعمل على تنشيط الإحالة إلى حقوق الإنسان هي حركة متناقضة، وذلك من جهة، لأنّ حقوق الإنسان كانت قد اختزلت من قبل التحليل الماركسي مند صدور كتاب المسألة اليهودية إلى حقوق الإنسان الأناني المعزول عن الجماعة، وإلى حقوق تعبّر عن المصالح الخاصة بالمجتمع البورجوازي، ممّا يجعلها بحكم طابعها التاريخي–الطبقي ليست لا كونية ولا شمولية. ومن جهة أخرى، فإنّ تنصيب الإنسان كقيمة عليا وكمصدر للتقويم ولكلّ القيم من شأنه أن يكرّس تصوّرا ميتافيزيقيا للإنسان يجعل منه كائنا ذو ماهية وذو طبيعة ثابتة. وهذا يجعل الإحالة إلى حقوق الإنسان تنتمي بطريقة مباشرة إلى النزعة الإنسانية وهي أحد مخلّفات ميتافيزيقا الذاتية، بل هي مظهر إيديولوجي أساسي للمركزية الغربية، إذ باسمها تم تبرير استعمار الشعوب، وفرض الهيمنة على مقدراتها الاقتصادية، وباسمها اليوم، يتم تبرير التدخل في شؤون بعض الدول.
إنّ الإشكال الذي يطرح ذاته- ونحن بصدد تحديد الشروط النظرية لإمكان التفكير الفلسفي في موضوع حقوق الإنسان، ومن خلال ذلك تبيان في أي شروط يمكن للعمل الحقوقي أن يكون ذا مصداقية وفاعلية- هو كيف يمكن لخطاب حقوق الإنسان أن يتحرّر من التصور الماهوي للإنسان الذي يوجد في أصل إعلان حقوق الإنسان سنة 1792؛ ومن التصوّر التاريخاني للحقوق الذي يوجد في أساس فلسفات التاريخ الهيجلية والماركسية على حدّ سواء؛ وفي الوقت نفسه كيف يستطيع هذا الخطاب، أن يحافظ على البعد الكوني للحق، وعلى موقف الحذر من الحق الوضعي الذي يوجد في أساس النقد الماركسي للحق؟
إنّ توضيح هذه المفارقة يتطلّب منّا من جهة، أن نحرص على تحقيق نوع من التلاؤم بين خطاب حقوق الإنسان، وبين أبرز مكوّنات وخصائص الفكر المعاصر، والمتمثّلة أساسا في مناهضة النزعتين التاريخانية والإنسانوية.
إنّ التأصيل النظري الفلسفي لخطاب حقوق الإنسان يقتضي اليوم وضع موضع تساؤل ونقد جذريين، كلاّ من النزعة التاريخانية، والنزعة الإنسانوية، وذلك لل
مفارقات مفهوم الحق وشروط إمكان تفكير فلسفي في مسألة "حقوق الإنسان"
1- مفارقة مفهوم الحق:
إنّ الكينونة التاريخية للإنسان الحديث تتحدد بالتوتر بين مطلبين:مطلب الوجود الاستعجالي لدولة قوية تنتشل المجتمع من هشاشة حالة الطبيعة؛ ومطلب البحث عن الحرية عن طريق الإقرار بنظام حقوق الإنسان. ونظرا لكون الدولة الحديثة اتخذت من الحق أساسا للعلاقات الاجتماعية، ومعيارا لتقعيد تلك العلاقات وضبطها، فلقد صار الحق هو رهانا للتوتر، ومركزا للصراع داخل المجتمع الحديث. ويكشف المسار الممتد من بداية الحداثة إلى الآن، عن المفارقة التالية: فمن جهة تمّت تقوية الدولة إلى أن بلغت هذه الدولة أوجها في التجربة السياسية للأنظمة التوتالتارية؛ وهناك من جهة أخرى التنامي المتزايد للمطالب الحقوقية، والحاجة إلى إعادة تثمين خطاب حقوق الإنسان كواجهة مستقلّة لمواجهة اضطهاد الدولة وتعسّفاتها وخروقاتها. ويعكس هذان التوجّهان التوتر المحايث لبنية النظام الاجتماعي الحديث، إذ تتشكّل هذه البنية من ثنائي المجتمع المدني والدولة: حيث الفضاء الأول يغطّي مجال الإنتاج والتبادل بمختلف أشكاله الاقتصادي والاجتماعي والرمزي، إنّه نسيج معقّد من علاقات الشغل والحياة العائلية والاجتماعية والثقافية. بينما يجسّد الفضاء الثاني الذي هو فضاء الدولة، لحظة التجسيد لشرعية معترف بها ومتعاقد عليها، مهمّتها الأساسية التعبير عن "الإرادة العامة" وتدبير المصالح الخاصة وحماية المصلحة العامة المشتركة والحفاظ عليها، وتشريع القوانين وإعلانها.
ويعتبر التمايز والاختلاف بين المجتمع المدني والدولة تمايزا واختلافا أساسيا في التنظبم المجتمعي الحديث، بل إنّ العلاقة بينهما ظلت دائما علاقة إشكالية، خاصة فيما يتعلق بحدود كل منهما، وبطبيعة النتائج التي يمكن أن تترتّب عن طمس تلك الحدود والخلط بين المجتمع المدني والدولة.
فهذا "هوبز"- وهو أحد مؤسسي نظرية الدولة الحديثة- يقيم تعارضا بين ما يسمّيه "الجمهور" la foule وهو كثرة بلا كيف ولا تنظيم، مثير للحروب الأهلية؛ وبين "الشعب" le peuple بما هو مجموع منظّم وقار لا تقوم له قائمة إلا بالدولة. كما أنّ العكس صحيح حيث الدولة لا توجد إلا بواسطة المجتمع، وإذا حاولت أن تتماهى مع المجتمع أو تحلّ محلّه، فستتحوّل إلى نظام شمولي مبتلع للروابط الاجتماعية ومهدّم للعلاقات بين الأفراد.
هذا التوتر الموجود بين الدولة والمجتمع المدني هو الذي جعلهما يتعرّضان منذ القرن 19 لنقد جذري، يؤاخذ "الدولة" بكونها تمثّل جهازا قمعيا وأخطبوطيا، ويؤاخذ "الحقوق" التي يطالب بها المجتمع المدني بكونها حقوق مجرّدة ووهمية ومنحازة.
هذا التوتر سيعثر على انعكاسه في الطابع الملتبس لمفهوم الحق والذي سيشكّل موضوع سجال فلسفي وسياسي بين نظريتين هما: نظرية السيادة ونظرية الحق الطبيعي، وهما مصدران مؤسّسان للحداثة السياسية.
نظرية السيادة la théorie de la souveraineté التي يمثّلها كل من "ماكيافيل"، و"هوبز"، و"روسو"، تشدّد على أنّ الحقوق هي تلك التي تجسّدها قوانين الدولة، فتطالب باحترام تلك القوانين بالخضوع لها.
نظرية الحق الطبيعي la théorie du droit naturel التي يمثّلها كل من "مونتسكيو" و"جون لوك" تطالب بحقوق طبيعية لا تتوقف على الدولة ولا تختزل في القوانين. إنّ هذا التوتر ينطوي في ثناياه على صراع بين مشروعيتين، أو بالأحرى بين نموذجين من المجتمع: النموذج الأوّل هو سياسي- قانوني في شكله، حربي في عمقه؛ والنموذج الثاني هو اجتماعي- اقتصادي، ليبرالي في توجّهه. إنّ الاختلاف بين النظريتين يجد تعبيره في الطابع الإشكالي للدولة الحديثة. بالنسبة لماكيافيل وهوبز وروسو فإنّ ماهية الدولة متضمّنة في مفهوم السيادة الذي يتصف بطابع مطلق، إذ الدولة في نظرهم يجب أن تتوفر على سلطة مطلقة متجسّدة في حق التشريع وإعلان القوانين. فالحق المشرّع، الحق المتجسّد في القوانين هو التعبير الملموس عن هذه السلطة. فبفضل هيمنة هذه القوانين تمكّن الدولة المواطن من العيش في أمن وأمان. أمّا بالنسبة لمونتسكيو ولوك فهما ينفران من استعمال مفهوم السيادة، لما ينطوي عليه من إكراه وتجريد ومفارقة، ويدعوان إلى الفصل بين السلطات بهدف تحقيق نوع من التوازن بين الدولة والمجتمع المدني، بين القوانين والحقوق السابقة عليها.
إنّ هذا الاختلاف بين النظريتين يطال أيضا تصوّرهما للحق، فمكانة الحق لدى مونتسكيو ولوك غير قابلة للاختزال في صورته القانونية، حيث يتم التفكير فيه بكيفية تجعله مرتبطا بالتصور الأنتروبولوجي للإنسان أكثر من ارتباطه بالتصور القانوني للدولة أو للمواطن. فالإنسان يتحدد لدى لوك باعتباره الكائن الذي يتمتّع بحقوق من حيث هو كائن اجتماعي بطبعه، وبحكم ذلك فهي حقوق سابقة على الدولة والقانون. في حين نجد أنّ هوبز ومعه ماكيافيل يشدّدان على "الطبيعة اللاجتماعية" للإنسان، وعلى أنّ "اجتماعيته" ليست معطاة وإنّما يتم تنشئته عليها، بتعويده الخضوع لمؤسسات الدولة والامتثال لقوانينها.
إنّ الاختلاف بين النموذجين، "النموذج الحربي" و"النموذج الاقتصادي" يكتسي في موضوعنا هذا أهمية قصوى لفهم، ليس فحسب الانتقادات الجذرية التي تعرّضت لها صورة الدولة بل ومفهومها من قبل ماركس وهايدغر وفوكو..إلخ، بل وأيضا من أجل فهم السجال الفكري الساخن في الفكر المعاصر حول مفهوم الحق وحقوق الإنسان.
قلت إنّ معرفة الاختلاف الموجود بين التصوّرين المؤسّسين للدولة الحديثة هام جدّا، لأنه في الحالة الأولى، وعلى ضوء التصوّر الأوّل لنظرية السيادة، يبدو الحق كامتداد للفعل المؤسّس للحاكم في سلطته، أي يبدو كحق صادر عن من يمتلك السلطة العليا في إصدار القانون وفي تنفيذه. يقول ماكيافيل في كتابه "الأمير" Le prince :"هناك طريقتان في المقاومة، الواحدة تتم بواسطة القوانين، والأخرى تتم بواسطة القوة(…)لكن بما أنّ الأولى لا تكفي للمقاومة يجب اللجوء إلى استعمال الثانية. من هنا يبدو أنّه من الضروري للأمير أن يحسن ممارسة الإثنين معا". إنّ الحق هنا يتسم بطابع قانوني صرف، إنّه يتجسّد في الحق الوضعي القائم. أمّا في التصوّر الثاني للحق الطبيعي، فإنّ الحق يبدو كخاصية محدّدة لوضعية الكائن الإنساني، وهو امتياز فردي وحق طبيعي يوجد في استقلال عن انتماء الفرد للجسد السياسي.
إنّ هذا التوتر الملاحظ بين الدلالتين المختلفتين بل المتعارضتين للفظ الحق، نلمس حضوره وبشكل جلي في ديباجة إعلان حقوق الإنسان سنة 1789 إبّان الثورة الفرنسية. فعنوان الإعلان يتحدّث عن "حقوق الإنسان والمواطن"، أي يتحدّث عن حقوق لا هي بالقانونية الصرفة، ولا هي بالطبيعة الخالصة، فهي إذن تنطوي على الصعوبة المتمثّلة في إدراك الحق، من جهة باعتباره مرتبطا بالإنسان بما هو كائن طبيعي موجود بشكل سابق على أي تنظيم سياسي وأي نظام قانوني؛ ومن جهة أخرى باعتباره حقا صادرا عن هيئة قانونية مهمّتها تقعيد وتنظيم العلاقات بين الناس.
هكذا فالتقليد الماكيافيلي المتمحور حول نظرية السيادة- والذي تستلهمه فرنسا وأوروبا باستثناء بريطانيا- يمكّننا من إجلاء جينيالوجيا الدولة الحديثة في صورتها القانونية خلال القرن 19، كما يمكّننا من فهم طبيعة الانتقادات التي و









