شروط تأسيس فلسفة نقدية حول خطاب “حقوق الإنسان”

كتبها محمد أندلسي ، في 5 سبتمبر 2009 الساعة: 12:12 م



 

شروط تأسيس خطاب فلسفي نقدي حول "حقوق الإنسان"*

 

يبدو أنه من الضروري في اللحظات التاريخية الحاسمة التي يجتازها العالم بصفة عامة، والعالم العربي الإسلامي بصفة خاصة، أن نقف لحظة تساؤل حول ما يسمى بحركة حقوق الإنسان، لأنه إذا ما جعلناها مجرد شعار، فإننا سنعرّض هذه الحركة الحقوقية رغم جاذبيتها السياسية، إلى السقوط في حبال الإيديولوجيا، مما يعرّضها للسقوط والأفول.

من هذا الاعتبار يبدو لنا أن التساؤل الفلسفي حول الإحالة إلى الحق وعودة حقوق الإنسان بصفة عامة، ليس فقط تساؤلا مشروعا على المستوى الفلسفي، من حيث أنّ فعل التفلسف يتحدّد بما هو تفكير في الكائن وأنطولوجيا للحاضر؛ ولكنه ضروري أيضا على المستوى السياسي إذا سلّمنا أن التاريخ المعاصر قد كان في معظم الأحيان مسرحا لكثير من المشاريع التحرّرية التي انقلبت إلى أضدادها، لأنها لم تتخذ الحذر اللازم ولم تأخذ الوقت الكافي للتفكير.

لنحلّل في البداية وباقتضاب هذه الإحالة إلى الحق كممارسة عادت من جديد إلى الواجهة بعد ما كانت موضوعا للشبهة والرفض، لنبرز ما يمكن أن يشكّل داخلها موضوعا للسؤال والتفكير الفلسفيين. فهذه الممارسة أصبحت تشكّل اليوم بالنسبة لليسار السياسي أساسا صلبا لمواجهة الاضطهاد، وشمولية الأنظمة السياسية على أرضية الحق، أو للاعتراض على القوة باسم الحق.

فعلى مستوى العلاقات الدولية، على سبيل المثال، نجد أنّ إدانة التدخل الإمبريالي الأمريكي اليوم في أفغانستان والعراق تتم باسم حق الشعوب في تقرير مصيرها، هذا في الوقت الذي كان فيه نقد الإمبريالية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي لا يتم بالإحالة إلى مبادئ حقوقية، بقدر ما كان يصدر عن رؤية تستشرف المستقبل من خلال منظور غائي يبشّر بقدوم الاشتراكية.

إنّ الاحتجاج على القوة باسم الحق حاضر كذلك على مستوى العلاقات بين الأفراد أو بين المجتمع والدولة، وذلك من خلال نشاط الجمعيات الحقوقية المختلفة.

إنّ أهمية هذا التحوّل الذي طرأ على المشهد السياسي المعاصر، يمكن قياسه بسهولة بالمقارنة مع ما كان يهيمن في العقود السابقة على صعيد الممارسة التحررية والحركة المطلبية. لقد كانت الإحالة هنا تتم باسم موقف ماركسي ينتقد الحق باعتباره مجرّد وهم موجّه لتكريس واقع الاستغلال والتستر عليه.

إنّ التغيير الذي طرأ على المشهد الثقافي والسياسي المعاصرين، بالانتقال من السعي لتجاوز القانون وإقامة مجتمع لا طبقي، إلى إعادة الاعتبار للقانون وإلى الحق كقيمة عليا، هو إذن تغيير نوعي هام. ويمكن الإقرار بهذا التحوّل إذا ما أمعنا النظر في فكرة الحق، وفي التمثّل الذي تكوّنه حوله وتحمله معها هذه الدعوات إلى القيم الحقوقية. إذ لا يتعلّق الأمر هنا بالدعوة إلى مجرد تطبيق الحقوق التي يتضمّنها الدستور، حتى وإن كان هذا المطلب يشكّل الخطوة الأولى في إطار نقد داخلي لقوانين الدولة، وإنّما هو في عمقه واستراتيجيته دعوة لمشروع تحرّري يتم باسم حقوق الإنسان.

إذا كانت هذه الدعوات تأخذ شكل دعوة إلى حقوق الإنسان، فمن المؤكّد أن ذلك مفهوم لأنّ الشمولية أو التوتالتارية التي صارت بمثابة الظاهرة السياسية الخاصة بالقرن العشرين، تتحدّد من حيث هي نفي كلّي لحقوق الإنسان. غير أنه مع ذلك تنطوي هذه الدعوة على تناقض، بحيث لا يمكن لمن يفكّر اليوم في موضوع حقوق الإنسان أن يتخلّى عن كلّ ما تضمّنه النقد الماركسي للحق، وخاصة تشديده على ضرورة التسلّح بموقف الحذر إزاء الحق القائم، أي الحق الذي تحدّده القوانين الوضعية، والذي تبقى علاقته المتواطئة مع جهاز الدولة واضحة، تمنع من اتخاذه وبصفة دائمة قيمة مرجعية للدفاع عن الفرد أو المجتمع أو الشعب ضدّ هذه الدولة. فحتى يتسنى للحق أن يشتغل فعليا كقيمة مشتركة بين مختلف تنظيمات المجتمع المدني، أو بين مختلف المجتمعات، ولكي يكون بمثابة مرجع مشترك للحوار والنقاش وللتواصل، يجب أن يظهر في بعده الشمولي وكشكل من أشكال الكونية، فيما وراء المصالح السياسية والإيديولوجية الخاصة بهذا التنظيم أو ذاك، بهذا المجتمع أو ذاك. بمعنى يجب على الحق أن يظهر كمعيار مرجعي شمولي.

وحينما نتأمّل الحق القائم، أي الحقوق المعترف بها قانونيا نلاحظ أنه وعلى المستوى العملي لا يمكن أن يدّعي هذه الكونية، لأنّه على الأقل يتعارض مع حق الأقلّيات المضطهدة، والتي تضطر إلى إدانته للاعتراف بها. لكن يجب أن نشير إلى أن نقد هذه القوانين الظالمة يتم دوما وبصفة ضمنية باسم مبادئ أخرى للحق، والذي يعبّر عن نفسه في تقليد الحق الطبيعي ، الذي عثر على تتويجه التاريخي في إعلانات حقوق الإنسان، أي الحقوق الطبيعية للإنسان بما هو إنسان.

يجب أن نسجّل أوّلا، أنّ تلك الحقوق صادرة عن إعلانات وليس مؤسسات. وهي ليست مبتكرة من قبل دولة من الدول، بل هي في الأصل تصورات فلسفية تمّ تكريسها والمصادقة عليها لاحقا من قبل الدولة في مرسوم تنحصر مهمّته في إظهار حقوق معترف بها كحقوق كانت موجودة على الدوام. فهذه الحقوق إذن تستمدّ قيمتها في كونها تظهر مسبقا كحقوق خارج الدولة ومفروضة عليها من فوق. لهذا الاعتبار التاريخي الذي يوجد في أصل نشأة حقوق الإنسان، تفهم اليوم العودة إلى الحق وتفعيل المطالب الحقوقية باعتبارها دفاع عن الفرد والمجتمع المدني ضدّ الدولة وأجهزتها ومؤسساتها.

غير أنّ هذه الحركة التي تعمل على تنشيط الإحالة إلى حقوق الإنسان هي حركة متناقضة، وذلك من جهة، لأنّ حقوق الإنسان كانت قد اختزلت من قبل التحليل الماركسي مند صدور كتاب المسألة اليهودية إلى حقوق الإنسان الأناني المعزول عن الجماعة، وإلى حقوق تعبّر عن المصالح الخاصة بالمجتمع البورجوازي، ممّا يجعلها بحكم طابعها التاريخي–الطبقي ليست لا كونية ولا شمولية. ومن جهة أخرى، فإنّ تنصيب الإنسان كقيمة عليا وكمصدر للتقويم ولكلّ القيم من شأنه أن يكرّس تصوّرا ميتافيزيقيا للإنسان يجعل منه كائنا ذو ماهية وذو طبيعة ثابتة. وهذا يجعل الإحالة إلى حقوق الإنسان تنتمي بطريقة مباشرة إلى النزعة الإنسانية وهي أحد مخلّفات ميتافيزيقا الذاتية، بل هي مظهر إيديولوجي أساسي للمركزية الغربية، إذ باسمها تم تبرير استعمار الشعوب، وفرض الهيمنة على مقدراتها الاقتصادية، وباسمها اليوم، يتم تبرير التدخل في شؤون بعض الدول.

إنّ الإشكال الذي يطرح ذاته- ونحن بصدد تحديد الشروط النظرية لإمكان التفكير الفلسفي في موضوع حقوق الإنسان، ومن خلال ذلك تبيان في أي شروط يمكن للعمل الحقوقي أن يكون ذا مصداقية وفاعلية- هو كيف يمكن لخطاب حقوق الإنسان أن يتحرّر من التصور الماهوي للإنسان الذي يوجد في أصل إعلان حقوق الإنسان سنة 1792؛ ومن التصوّر التاريخاني للحقوق الذي يوجد في أساس فلسفات التاريخ الهيجلية والماركسية على حدّ سواء؛ وفي الوقت نفسه كيف يستطيع هذا الخطاب، أن يحافظ على البعد الكوني للحق، وعلى موقف الحذر من الحق الوضعي الذي يوجد في أساس النقد الماركسي للحق؟

إنّ توضيح هذه المفارقة يتطلّب منّا من جهة، أن نحرص على تحقيق نوع من التلاؤم بين خطاب حقوق الإنسان، وبين أبرز مكوّنات وخصائص الفكر المعاصر، والمتمثّلة أساسا في مناهضة النزعتين التاريخانية والإنسانوية.

إنّ التأصيل النظري الفلسفي لخطاب حقوق الإنسان يقتضي اليوم وضع موضع تساؤل ونقد جذريين، كلاّ من النزعة التاريخانية، والنزعة الإنسانوية، وذلك لل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مفارقات مفهوم الحق وشروط إمكان تفكير فلسفي في مسألة “حقوق الإنسان”

كتبها محمد أندلسي ، في 7 فبراير 2009 الساعة: 21:41 م


مفارقات مفهوم الحق وشروط إمكان تفكير فلسفي في مسألة "حقوق الإنسان"

1- مفارقة مفهوم الحق:

إنّ الكينونة التاريخية للإنسان الحديث تتحدد بالتوتر بين مطلبين:مطلب الوجود الاستعجالي لدولة قوية تنتشل المجتمع من هشاشة حالة الطبيعة؛ ومطلب البحث عن الحرية عن طريق الإقرار بنظام حقوق الإنسان. ونظرا لكون الدولة الحديثة اتخذت من الحق أساسا للعلاقات الاجتماعية، ومعيارا لتقعيد تلك العلاقات وضبطها، فلقد صار الحق هو رهانا للتوتر، ومركزا للصراع داخل المجتمع الحديث. ويكشف المسار الممتد من بداية الحداثة إلى الآن، عن المفارقة التالية: فمن جهة تمّت تقوية الدولة إلى أن بلغت هذه الدولة أوجها في التجربة السياسية للأنظمة التوتالتارية؛ وهناك من جهة أخرى التنامي المتزايد للمطالب الحقوقية، والحاجة إلى إعادة تثمين خطاب حقوق الإنسان كواجهة مستقلّة لمواجهة اضطهاد الدولة وتعسّفاتها وخروقاتها. ويعكس هذان التوجّهان التوتر المحايث لبنية النظام الاجتماعي الحديث، إذ تتشكّل هذه البنية من ثنائي المجتمع المدني والدولة: حيث الفضاء الأول يغطّي مجال الإنتاج والتبادل بمختلف أشكاله الاقتصادي والاجتماعي والرمزي، إنّه نسيج معقّد من علاقات الشغل والحياة العائلية والاجتماعية والثقافية. بينما يجسّد الفضاء الثاني الذي هو فضاء الدولة، لحظة التجسيد لشرعية معترف بها ومتعاقد عليها، مهمّتها الأساسية التعبير عن "الإرادة العامة" وتدبير المصالح الخاصة وحماية المصلحة العامة المشتركة والحفاظ عليها، وتشريع القوانين وإعلانها.

ويعتبر التمايز والاختلاف بين المجتمع المدني والدولة تمايزا واختلافا أساسيا في التنظبم المجتمعي الحديث، بل إنّ العلاقة بينهما ظلت دائما علاقة إشكالية، خاصة فيما يتعلق بحدود كل منهما، وبطبيعة النتائج التي يمكن أن تترتّب عن طمس تلك الحدود والخلط بين المجتمع المدني والدولة.

فهذا "هوبز"- وهو أحد مؤسسي نظرية الدولة الحديثة- يقيم تعارضا بين ما يسمّيه "الجمهور" la foule وهو كثرة بلا كيف ولا تنظيم، مثير للحروب الأهلية؛ وبين "الشعب" le peuple بما هو مجموع منظّم وقار لا تقوم له قائمة إلا بالدولة. كما أنّ العكس صحيح حيث الدولة لا توجد إلا بواسطة المجتمع، وإذا حاولت أن تتماهى مع المجتمع أو تحلّ محلّه، فستتحوّل إلى نظام شمولي مبتلع للروابط الاجتماعية ومهدّم للعلاقات بين الأفراد.

هذا التوتر الموجود بين الدولة والمجتمع المدني هو الذي جعلهما يتعرّضان منذ القرن 19 لنقد جذري، يؤاخذ "الدولة" بكونها تمثّل جهازا قمعيا وأخطبوطيا، ويؤاخذ "الحقوق" التي يطالب بها المجتمع المدني بكونها حقوق مجرّدة ووهمية ومنحازة.

هذا التوتر سيعثر على انعكاسه في الطابع الملتبس لمفهوم الحق والذي سيشكّل موضوع سجال فلسفي وسياسي بين نظريتين هما: نظرية السيادة ونظرية الحق الطبيعي، وهما مصدران مؤسّسان للحداثة السياسية.

نظرية السيادة la théorie de la souveraineté التي يمثّلها كل من "ماكيافيل"، و"هوبز"، و"روسو"، تشدّد على أنّ الحقوق هي تلك التي تجسّدها قوانين الدولة، فتطالب باحترام تلك القوانين بالخضوع لها.

نظرية الحق الطبيعي la théorie du droit naturel التي يمثّلها كل من "مونتسكيو" و"جون لوك" تطالب بحقوق طبيعية لا تتوقف على الدولة ولا تختزل في القوانين. إنّ هذا التوتر ينطوي في ثناياه على صراع بين مشروعيتين، أو بالأحرى بين نموذجين من المجتمع: النموذج الأوّل هو سياسي- قانوني في شكله، حربي في عمقه؛ والنموذج الثاني هو اجتماعي- اقتصادي، ليبرالي في توجّهه. إنّ الاختلاف بين النظريتين يجد تعبيره في الطابع الإشكالي للدولة الحديثة. بالنسبة لماكيافيل وهوبز وروسو فإنّ ماهية الدولة متضمّنة في مفهوم السيادة الذي يتصف بطابع مطلق، إذ الدولة في نظرهم يجب أن تتوفر على سلطة مطلقة متجسّدة في حق التشريع وإعلان القوانين. فالحق المشرّع، الحق المتجسّد في القوانين هو التعبير الملموس عن هذه السلطة. فبفضل هيمنة هذه القوانين تمكّن الدولة المواطن من العيش في أمن وأمان. أمّا بالنسبة لمونتسكيو ولوك فهما ينفران من استعمال مفهوم السيادة، لما ينطوي عليه من إكراه وتجريد ومفارقة، ويدعوان إلى الفصل بين السلطات بهدف تحقيق نوع من التوازن بين الدولة والمجتمع المدني، بين القوانين والحقوق السابقة عليها.

إنّ هذا الاختلاف بين النظريتين يطال أيضا تصوّرهما للحق، فمكانة الحق لدى مونتسكيو ولوك غير قابلة للاختزال في صورته القانونية، حيث يتم التفكير فيه بكيفية تجعله مرتبطا بالتصور الأنتروبولوجي للإنسان أكثر من ارتباطه بالتصور القانوني للدولة أو للمواطن. فالإنسان يتحدد لدى لوك باعتباره الكائن الذي يتمتّع بحقوق من حيث هو كائن اجتماعي بطبعه، وبحكم ذلك فهي حقوق سابقة على الدولة والقانون. في حين نجد أنّ هوبز ومعه ماكيافيل يشدّدان على "الطبيعة اللاجتماعية" للإنسان، وعلى أنّ "اجتماعيته" ليست معطاة وإنّما يتم تنشئته عليها، بتعويده الخضوع لمؤسسات الدولة والامتثال لقوانينها.

إنّ الاختلاف بين النموذجين، "النموذج الحربي" و"النموذج الاقتصادي" يكتسي في موضوعنا هذا أهمية قصوى لفهم، ليس فحسب الانتقادات الجذرية التي تعرّضت لها صورة الدولة بل ومفهومها من قبل ماركس وهايدغر وفوكو..إلخ، بل وأيضا من أجل فهم السجال الفكري الساخن في الفكر المعاصر حول مفهوم الحق وحقوق الإنسان.

قلت إنّ معرفة الاختلاف الموجود بين التصوّرين المؤسّسين للدولة الحديثة هام جدّا، لأنه في الحالة الأولى، وعلى ضوء التصوّر الأوّل لنظرية السيادة، يبدو الحق كامتداد للفعل المؤسّس للحاكم في سلطته، أي يبدو كحق صادر عن من يمتلك السلطة العليا في إصدار القانون وفي تنفيذه. يقول ماكيافيل في كتابه "الأمير" Le prince :"هناك طريقتان في المقاومة، الواحدة تتم بواسطة القوانين، والأخرى تتم بواسطة القوة(…)لكن بما أنّ الأولى لا تكفي للمقاومة يجب اللجوء إلى استعمال الثانية. من هنا يبدو أنّه من الضروري للأمير أن يحسن ممارسة الإثنين معا". إنّ الحق هنا يتسم بطابع قانوني صرف، إنّه يتجسّد في الحق الوضعي القائم. أمّا في التصوّر الثاني للحق الطبيعي، فإنّ الحق يبدو كخاصية محدّدة لوضعية الكائن الإنساني، وهو امتياز فردي وحق طبيعي يوجد في استقلال عن انتماء الفرد للجسد السياسي.

إنّ هذا التوتر الملاحظ بين الدلالتين المختلفتين بل المتعارضتين للفظ الحق، نلمس حضوره وبشكل جلي في ديباجة إعلان حقوق الإنسان سنة 1789 إبّان الثورة الفرنسية. فعنوان الإعلان يتحدّث عن "حقوق الإنسان والمواطن"، أي يتحدّث عن حقوق لا هي بالقانونية الصرفة، ولا هي بالطبيعة الخالصة، فهي إذن تنطوي على الصعوبة المتمثّلة في إدراك الحق، من جهة باعتباره مرتبطا بالإنسان بما هو كائن طبيعي موجود بشكل سابق على أي تنظيم سياسي وأي نظام قانوني؛ ومن جهة أخرى باعتباره حقا صادرا عن هيئة قانونية مهمّتها تقعيد وتنظيم العلاقات بين الناس.

هكذا فالتقليد الماكيافيلي المتمحور حول نظرية السيادة- والذي تستلهمه فرنسا وأوروبا باستثناء بريطانيا- يمكّننا من إجلاء جينيالوجيا الدولة الحديثة في صورتها القانونية خلال القرن 19، كما يمكّننا من فهم طبيعة الانتقادات التي و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

النموذج الارتكاسي وآفة الحوار الثقافي في الإسلام

كتبها محمد أندلسي ، في 11 مارس 2004 الساعة: 10:34 ص

1-  دور الثقافة في تكوين النماذج البشرية:
 
يمكن تعريف الثقافة باعتبارها نشاطا يروم "ترويض" الكائن الإنساني وإخضاعه لعملية "اصطفاء". كعملية "ترويض" تسعى الثقافة إلى تمكين الإنسان من السيطرة على "قواه الارتكاسية" عبر تفعيل ردود فعلها. أمّا في جانبها "الاصطفائي" فهي تسعى إلى تكوين الإنسان القوي والفاعل والحرّ ، أي تكوين الإنسان القادر على الوعد والوفاء بالوعد.
لترويض الإنسان واصطفائه توظف الثقافة عدة وسائل وإجراءات، نذكر من أهمّها:
أ‌-                 تقوية وعي الكائن وشعوره عن طريق مدّه بالطاقة الضرورية لاشتغاله وتجدّده، وكذا للحفاظ على سيولة الوعي ويقظته وطراوته، ويتم استمداد تلك الطاقة من اللاشعور. بالإضافة إلى ذلك، تلتجئ الثقافة لتقوية وعي أفرادها إلى تزويدهم بملكتين ضروريتين هما: ملكة النسيان التي هي بمثابة جهاز تلطيف يسهر على سلامة الصحة النفسية للكائن الإنساني. ثم ملكة الذاكرة، بما هي "ذاكرة واعدة بالمستقبل" وليست "ذاكرة للانتقام لجروح الماضي". إنّها ذاكرة تمدّ الإنسان بالخبرات والتجارب الضرورية لاستشراف المستقبل. إنها بكلمة واحدة، "ذاكرة الإرادة والوعد".
ب‌-            الإجراء الثاني والأساسي الذي توظفه الثقافة بهدف تكوين "الإنسان الحر القادر على الوعد"، هو العدالة. آلية الثقافة لتحقيق العدالة هي "العقاب" Le châtiment. ويعني العقاب هنا – في سياق هذا المفهوم التكويني والتنشيئي للثقافة –  توظيف الألم واستعماله "كعملة للتبادل والمقايضة"، بحيث يمكن صياغة "معادلة العقاب" هذه على النحو التالي: « Dommage causé=Douleur subie ». فالإخلال بوعد مقطوع، أو إحداث ضرر ما للجماعة، يقتضي تسديده بواسطة الألم. وهذا يعني أنّ "مبدأ الدّين"  principe de la dette يوجد في أساس العلاقة الاجتماعية، إذ تتحدّد العلاقات بين الناس داخل المجتمع باعتبارها "علاقة الدائن بالمدين" Rapport d’un créancier et d’un débiteur. إذن فعلاقة الدائن بالمدين تعبّر عن نشاط الثقافة في عملها الترويضي والاصطفائي، وهي صورة للعلاقة الأوّلية والابتدائية والتي توجد في أساس كلّ تنظيم اجتماعي. وتعني هذه العلاقة بأنّ الإنسان يدفع ويسدّد بألمه ثمن الضرر أو الخسارة التي قد يلحقها بالجماعة أو المجتمع، وذلك لأنّه مادام "كائنا حرّا"، فهو مسؤول عن قواه الارتكاسية. الثقافة إذن كعدالة، تسعى إلى تكوين الإنسان المسؤول عن "دينه"sa dette اتجاه الآخرين.
وكخلاصة للقول، فإنّ الدور المبدئي للثقافة – بما هي نشاط نوعي تكويني للإنسان- هو عبارة عن عملية ترويض واططفاء. إنّ الوسيلة التي تشغّلها الثقافة لتحقيق ذلك هي "العدالة" بما هي "معادلة العقاب"، و "علاقة الدّين"، و"الإنسان المسؤول". إنّ الهدف الأساسي والأسمى الذي يسعى إليه النشاط الثقافي هو تكوين الإنسان: الفاعل، الحر، المستقل، القوي، القادر على الوعد والوفاء بالوعد.
الثقافة إذن كنشاط نوعي تكويني للإنسان تحقّق العدالة عن طريق ترويض القوى الارتكاسية داخل الإنسان بجعله مسؤولا عنها. الثقافة بهذا المعنى لا تولّد الضغينة أو الانتقام، ولا تنتج الوعي الشقي. وهو الذي يعني أنّ الدور المبدئي للثقافة – التي تلتجئ إلى العقاب كوسيلة لتحقيق العدالة – يتمثّل أساسا في تحرير الإنسان من الحقد والضغينة Le ressentiment ، وتحريره من الوعي الشقي، أو من الإحساس بالذنب La conscience malheureuse. ليس الهدف إذن من "العقاب" – الذي تستعمله الثقافة لتحقيق العدالة – هو أن توقظ لدى الجاني أو المدين "الإحساس بالغلط أو الذنب". كما أنّ هذا العقاب لا يولّد لدى الجاني"الحقد" أو "روح الانتقام". بل إنّ وظيفة هذا العقاب –منظورا إليه من خلال وعبر القرون الطويلة التي استغرقها تكوّن الكائن كإنسان- هو الذي أخّر عملية تكوّن الإحساس بالذنب والشعور بالمهانة والرغبة في الانتقام. أي إنه هو الذي كبح جماح القوى الارتكاسية وأخّر عملية سيطرتها على الإنسان، وبالتالي ظهور ما سنسمّيه ب "النموذج الارتكاسي". هكذا فالثقافة كعدالة تعمل على تكوين الإنسان الفاعل، الحرّ، القوي، بينما الثقافة كتنميط وكضغينة ووعي شقي، فهي تعمل على فرز الكائن الانفعالي، أي النموذج الارتكاسي.
إنّ الثقافة خلال التاريخ، وبعد أن خضعت لتأثير مؤسسات الدولة والكنيسة والمذاهب والإيديولوجيات، تمّ تحريفها عن دورها المبدئي التحريري، فأصبحت في خدمة القوى الارتكاسية بعد أن مكّنتها من الهيمنة على الإنسان.
وعلى العموم يمكن التمييز بين ثقافتين:  ثقافة الانغلاق وثقافة الانفتاح. بحيث إن نظرة الأنا إلى الآخر تختلف باختلاف طبيعة تلك الثقافة وطريقة التعامل معه. إلا أنه بصفة عامة يمكن القول بأن المنظورات تتراوح في هذا الصدد بين موقفين هما على طرفي نقيض وتعارض: فإما انغلاق تام وإما انفتاح أقصى. فالمنغلق ينظر إلى غيره من خلال هويته الدينية، أو القومية، أو الثقافية، أو الإثنية …وهو يحكم عليه أو بالأحرى يحاكمه على هذا الأساس. فهو يعترف به ويتماهى معه كلما كانت هويته أقرب إلى هويته، وإلا فهو ينبذه إلى "خارج" باعتباره يمثّل "المغايرة الجذرية" أو "الاختلاف الوحشي". إذن فالمنغلق على ذاته ومعتقده ينفي الآخر ولا يعترف له بحق في أن يكون مختلفا عنه، إذ الاختلاف في نظره هو ضد الهوية ونقيضها، لأنه هو ما يتهددها ويعمل على استتباعها أو نفيها. أما المنفتح فإنه ينظر إلى غيره أو آخره من ذوي الهويات الأخرى نظرة مغايرة، فيتقبله ويرى فيه مكمّلا أو مماثلا له.بل قد يتماهى معه أو يتوحد به؛ وذلك بصرف النظر عن فوارق اللغة، أو العرق، أو الدين، أو الثقافة، أو أي انتماء آخر. ذلك لأن مفهوم الأنا أو الآخر من زاوية هذا المنظور المنفتح، لا تستنفده هوية معينة، ولا تستهلك كينونته صفة خاصة، ولا ينطق بحقيقته اسم واحد أو رمز واحد، بل هو يملك هوية مركبة، لها وجوه مختلفة وأبعاد متعددة.
ولا يخلو أي مجتمع أو ثقافة من نموذج من هذين النموذجين، على أن النموذج المنغلق والذي سننعته بالنموذج الارتكاسي le modèle réactif ، هو النموذج المهيمن والغالب؛ بينما  المنفتح والذي سنلقّبه بالنموذج الفاعلle modèle actif يشكّل ندرة أو أقلية، ومثالا يندرج ضمن ما ينبغي أن يكون عليه واقع الإنسان مستقبلا أكثر ممّا يشير إلى الوضع السائد.
 يقوم المسعى التيبولوجي-الجنيالوجي بعملية تشخيص أعراض النصوص والخطابات والمواقف، بإرجاعها إلى القوى التي تصدر عنها وتستعملها وتستثمرها، وذلك انطلاقا من التمييز بين القوى الفاعلة والقوى الارتكاسية، حيث يتم ترتيب تلك القوى وتنظيمها في نماذج تمثيلية، والصعود بتلك النماذج إلى أصولها الجنيالوجية أي إلى شروط ظهورها وطبيعة إرادة القوة التي صدرت عنها. فيتم التمييز بين نمطين من إرادة القوة أو نظرتين إلى الذات والآخر والحقيقة: فإما انغلاق على الأنا واستبعاد لوجود الآخر، وإما انفتاح على الغير واعتراف له بحق وقسط من الوجود. إما الاكتفاء الذاتي واعتبار الذات مصدر كل معرفة وعلم وحقيقة، وإما التفاعل الإيجابي مع الغير بالاقتباس عنه والإفادة منه تجربة وفكرا ومعرفة.
وتوخيا للإيضاح سنبدأ أولا بالتعرف على النموذج الارتكاسي من حيث شروط نشأته وتكوّنه، وطبيعة بنيته وتركيبه، وكذا سماته السيكلوجية والأخلاقية والجمالية، لكي ننتهي إلى المنطق المتحكّم في فكره واستدلالاته والفلسفة التي يصدر عنها في تصوره للأنا والآخر والحياة. ولا نخفي على أننا في هذا التحليل نستلهم الفلسفة النيتشوية وخاصة في جانبها المتعلق ب "سيكلوجيا الأعماق" ومنهجها الجنيالوجي الذي بلوره نيتشه في مؤلفه"جنيالوجيا الأخلاق" la généalogie de la morale. وفي الحقيقة فإن استلهام "مفكري  الاختلاف" أمثال نيتشه وهيدغر ودولوز وبلونشو وفوكو ودريدا وغيرهم ، يقتضي كما يرى الخطيبي ليس الانفتاح على أساليب تفكيرهم فحسب، بل يجب أيضا توظيف استراتيجياتهم وآلتهم الحربية ووضعها في خدمة الصراع الفكري الذي نخوضه [1].
2- تحليل النموذج الارتكاسي:
 إن ما يميز الإنسان في نظر نيتشه عن غيره من الكائنات الحية الأخرى، هو أنه الكائن الوحيد الذي قد تنقلب فيه الحياة ضد نفسها. فهو الوحيد الذي له قابلية واستعداد لكي يصير ارتكاسيا، فيقاوم الحياة ويعلن الحرب على شروطها ويعمل على استئصال شأفة الرغبة فيها. هذا النزوع الارتكاسي يتمثل إذن في تبخيس الحياة. وهذه النزعة تبقى استعدادا لدى الإنسان لأنه كائن رغبة وإرادة، رغبته عوز أبدي وإرادته لا محدودة ولا نهائية مما يجعله يبتعد باستمرار عن ذاته. وفي هذا الابتعاد عن الذات توجد إمكانية الانحراف أو الانحلال la dégéneressence  والتي في مداها الأقصى قد تتخذ شكل "إرادة الإرادة"، أي شكل إرادة عدمية ورغبة في الموت [2].فلنقل إذن بأن هذه القابلية الارتكاسية تفيد بأن الإنسان تحذوه قوى ارتكاسية des forces réactives قد تجد مصدرها في اللغة أو في الاجتماع أو الوعي أو الذاكرة…فالذاكرة مثلا هي قوة فاعلة حينما تكون ذاكرة للمستقبل، وحينما تكون مستودعا احتياطيا يمدّنا بالطاقة الضرورية للخلق والابتكار والتجديد. لكنها قد تصير قوة ارتكاسية حينما تغدو نكوصية مشدودة إلى الماضي حيث تغلق نوافذها التي تطل بها على الحاضر والمستقبل. الوعي أيضا يمكن أن يصير ارتكاسيا حينما يصبح وعيا شقيا فيكون مصدرا للألم وللكراهية والحقد [3]. كما أنه في أصل الحياة داخل المجتمع توجد إرادة ارتكاسية une volonté réactive تتمثل في "هستيريا الخوف من الآخر" La xénophobie التي تسري داخل كل فرد من أفراد المجتمع. وهذا الخوف هو الذي يدفع بالأفراد باتجاه التشكّل في قطيع l a  grégaritè كحصانة ضد الطارئ، والمفاجئ، والمختلف، والغريب . ويحاول المجتمع تصعيد ذلك الخوف عبر تقوية الإحساس بالأمن والاستقرار والوحدة،  وعبر تكوين حسّ مشترك وقيم مشتركة توحي بالهوية الواحدة المتجانسة. وهذا ما تقوم به اللغة بتواطؤ مع النحو والمنطق والأخلاق - نيتشه يتحدث عن "المرض النشوئي للغة" la maladie native du langage من حيث أنها تحمل في أعماق سننها الخوف والعجز والضغينة. ويتحدث عن "النحو""كميتافيزيقا للشعب" [4]. كما يتحدث عن "المفهوم "كمقبرة للحدوس الحسّية" le  sépulcre des intuitions.
وإذا كان الإنسان له قابلية لأن يصير ارتكاسيا، ففي ظل أية شروط وظروف يصير بالفعل ارتكاسيا ؟ كيف تنشأ إمكانية ضياع الذات والانفصال عن الحياة ؟ أو بعبارة أخرى كيف تنتصر القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة فتشكّل نموذجا ارتكاسيا متحكّما في السلوك ومحدّدا للفكر، بل ومحرّكا للتاريخ الحديث والمعاصر؟[5].
في التيبولوجية النيتشوية يتم التمييز بين نمطين من إرادة القوة: الإرادة الإنكارية والإرادة التوكيدية. الأولى تقوم على تبخيس الحياة ونفيها والثانية تقوم على تثمين الحياة وتوكيدها. الأولى صادرة عن حياة مريضة أصابها الوهن والضعف والعياء فلم تعد بقادرة على توكيد الحياة لأنها مليئة بالمفارقات والتناقضات، ومصدرا للشر والألم، ولهذا أصبحت خالية من القيمة ولم تعد تستحق أن تعاش. أما الإرادة الثانية فهي صادرة عن حياة قوية وسليمة وتتمتع بصحة جيدة، ولهذا فهي منفتحة على الحياة وتسعى إلى توكيدها بكل اختلافاتها وتناقضاتها، وبكل آلامها وأفراحها دون نقص وبدون أدنى شعور بالدونية والخطيئة. الإرادة الأولى هي إرادة الضعيف والإرادة الثانية هي إرادة القوي، على ألا يفهم هنا الضعف والقوة بالمعنى الاجتماعي أو السياسي أو البيولوجي، بل بمعناهما النيتشوي والذي يتحدد بنوع العلاقة التي يقيمها الكائن مع الحياة والوجود، حيث نفي الوجود وإنكار الحياة هو ضعف، وتوكيد هما والانفتاح عليهما يعدّ قوة. أو بالمعنى الهيدغري المتمثّل في مدى قدرة الكائن على تحقيق توافق أو مصالحة بين ماهية الكائن وقدر الوجود [6]. فمن يحقق ذلك التوافق فهو قوي وبالتالي كائن فاعل، ومن لا يستطيع ذلك فهو كائن ارتكاسي منغلق على الوجود ومضاد للحياة [7].
تصير إرادة الانسان ارتكاسية حينما يهيمن على نشاطها عمل السلب والنفي والإنكار[8]. ويهيمن السلب على نشاط الكائن حينما تصاب حياته بالوهن فيعجز عن توكيد ذاته في الوجود، فيكون في حاجة إلى التعلق بأوهام تقدّم ذاتها في صورة قيم ومثل عليا مفارقة، يتخذها كأقنعة وكمبررات يعلن باسمها "الجهاد" ضد الحياة، والحرب ضد الوجود [9]. إن الذي ينكر الحياة ويبخسها هو من تكون حياته منحلّة ومنحطة، ومن ثم فهاجسه هو الحفاظ على نموذجه بجعل القوى الارتكاسية تنتصر فيه على القوى الفاعلة. وتعثر القوى الارتكاسية على حليفها لتحقيق ذلك الانتصار فيما يسميه نيتشه "بالمثل الأعلى الزهدي" idéal ascétique  l’ أو "إرادة العدم" . وليست هذه الأخيرة سوى القوة المنتجة والمنشّطة لجميع القيم والمثل العليا. سلاحها في ذلك هو جعل الحياة تخضع لهيمنة القوى الارتكاسية وذلك عبر توظيف آلية "فصل القوى الحيوية الفاعلة عما تستطيعه" [10]. كل قوة فاعلة يتم فصلها عما تستطيعه، تحرم من شروط ممارستها لنشاطها الحر، فتصير قوة ارتكاسية. بتعبير آخر، كل قوة يتم حرمانها من الشروط التي تمكنها من إشباع حاجاتها ورغباتها، تصير تحت ضغط الحرمان وأيضا تحت تأثير الاستيهام والتضليل الإيديولوجي، قوة منقلبة ضد ذاتها وموجّهة ضد الحياة. وتتبلور هذه القوة في ثلاثة مظاهر أساسية متداخلة ومتكاملة هي على التوالي: الذحل أو الضغينة le ressentiment،والوعي الشقي la conscience malheureuse،والمثل الأعلى الزهدي. وهذه المظاهر الثلاثة تشكّل في مجموعها النموذج الارتكاسي[11]. فليس النموذج الارتكاسي سوى عملية تأويل وتقويم الحياة والوجود من زاوية الضغينة أو الوعي الشقي أو المثل الأعلى الزهدي. ومن داخل هذا المنظار السيكلوجي- الأخلاقي في جوهره وعمقه تبدو الحياة ظالمة وآثمة، ومصدرا لا ينتهي للألم والمعاناة. وهذا الطابع السلبي للحياة هو ما يجعلها في حاجة إلى أقنعة وتبريرات وأوهام لكي يتحملها الكائ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أفول المتعالي وأزمة الحداثة الغربية: العدمية وتجاوز الميتافيزيقا

كتبها محمد أندلسي ، في 13 أغسطس 2002 الساعة: 13:28 م

2- العدمية وتجاوز الميتافيزيقا:
ليست مسألة العدمية مشكلة تاريخية. أي ليست واقعة تاريخية عادية على غرار الوقائع التاريخية الأخرى في تاريخ الإنسان، بل هي صارت اليوم مسألة مصيرية. وإذا كانت العدمية لازالت شغالة وفاعلة وراهنية، فإن هذا يمنع كل محاولة تريد تقديم الحصيلة النهائية والحصاد الكامل. لكن تبقى مسألة البحث والمساءلة والسعي لفهم إلى أي مدى وصلت العدمية ؟ وما هي الاختيارات التي تقودنا نحوها ؟ وما هي الحلول التي تدفعنا باتجاهها ؟ تبقى مسائل وتساؤلات مشروعة وواجبة. ويمكن أن نحدد موقفنا من العدمية، انطلاقا من الموقف الذي بلوره نيتشه في فلسفته والذي يطلق عليه عبارة "العدمية المكتملة" le nihilisme accompli[1]. وتمثّل هذه الشكل الرابع للعدمية في فلسفة نيتشه[2]. وهو شكل العدمية الذي يعتبره نيتشه إيجابيا وفاعلا، ولا يتردد الإعلان عن انتمائه إليه. فهو يقول عن نفسه بأنه بمثابة أكبر عدمي في أوروبا، إنه "الذي جرّب العدمية وعاشها، وذاق مرارتها، وأحسها واستشعرها في داخله، ومن حوله، ومن تحته، ومن فوقه"[3]. تحت مظهرها الإيجابي تؤكد هذه العدمية ليس ما هو معطى وسائدا، وليس مثالا أو نموذجا مفارقا (المثل الأعلى الزهدي )؛ ولكن مبدأ حيويا لتقدير القيم. أي إرادة قوة بما هي معيار جديد للتقويم والتأويل، وبما هي تيبولوجيا وسيميولوجيا تتعامل مع الخطابات والنصوص والظواهر كشبكات من الاستعارة والمجاز، أو كنسيج من العلامات والأعراض، أو كألاعيب من القوة والرغبة، أو كأفخاخ من الخدع والفجوات. ويرى نيتشه بأن العدمية حينما تدرك على هذا النحو، فإنها تكون قد عثرت على ماهيتها التوكيدية، فيصبح لها مفعولا تطهيريا يمكّنها من تصعيد كل المظاهر التي تجعلها غير مكتملة. وهي ثلاثة مظاهر أساسية: الذّحلle ressentiment والوعي الشقي la conscience malheureuse والمثل الأعلى الزهدي l’idéal ascétique[4]. بل إنّ العدمية حينما تصل إلى هذا المستوى من التحول والتصعيد يمكن أن تشكّل فضاءا جديدا للتفكير[5]، وإمكانا جديدا للحياة والوجود [6].
إن العدمية بهذا المعنى الإيجابي الجديد، تعتبر آخر فرصة تتاح للإنسان، لكنها لا تخلو من مجازفة. فهي تشير إلى الوضعية التي "يتدحرج فيها الإنسان خارج المركز"[7]. وهذا التعريف الجديد الذي يقدّمه نيتشه للعدمية، يجعلها تلتقي مع تعريف هيدغر لها، بما هي العملية التي من خلالها وفي نهايتها "لا يصير هناك شيء" بالنسبة للوجود[8]. لا يتعلق الأمر هنا بمسألة نسيان الوجود من قبل الإنسان –وهي المسألة المحددة للميتافيزيقا عند هيدغر-، إذ العدمية ليست مجرد تيه، وليست أحد مخلفات التيه، ليست مجرد كذبة أو وهم معرفي. فالمسألة تتجاوز الإنسان وليست محصورة في الجانب السيكولوجي أو السوسيولوجي. فإذا كان الإنسان يتيه خارج المركز في اتجاه اللامكان، فلأنه لم يعد هناك وجود أو مأوى للإنسان. وفي هذه الحالة تصبح العدمية حالة عامة للوجود ومحمولة عليه، وليست محصورة في الإنسان وحده. هكذا وفيما وراء الأسس النظرية المختلفة يلتقي نيتشه وهيدغر في تصورهما لمضمون العدمية وأنماط تجلياتها. للوهلة الأولى يبدوان مختلفان بل متباينان: فالعدمية لدى نيتشه يمكن أن تلخّص في "أفول المتعالي" أوفي "تبخيس القيم العليا"، بينما بالنسبة لهيدغر فالكائن ينعدم بتحوّله إلى قيمة[9]. في التصور الهيدغري يوجد ما وراء ممكن للعدمية وهو مرغوب فيه، بينما في التصور النيتشوي لا مناص من تحقيق العدمية واكتمالها، إذ السير بها إلى حدودها القصوى هو كل ما يمكن انتظاره وتوسّله. إن التموقع داخل المنظور النيتشوي، يقتضي إدراج تصور هيدغر- بما هو محطة أساسية- في إطار تاريخ حدث تحقق العدمية المكتملة. ولن تكون العدمية في هذه الحالة غير الفكر مافوق الميتافيزيقي la pensée ultra-métaphysique الذي يعمل هيدغر  بدورهعلى تحقيقه. فما هي إذن الدلالة العميقة لهذا التقارب بين الدلالتين: أفول المتعالي واختزال الوجود إلى القيمة ؟. من وجهة نظر هيدغر تبدو العدمية بمثابة الادعاء غير المشروع بأن الكينونة فقدت ماهيتها كأساس، وصارت خاضعة لسلطة الذات بما هي المانحة للقيمة. فيصبح للوجود بموجب ذلك قيمة تبادلية. وهذا الفهم للعدمية يجعلها قريبة من معنى أفول المتعالي النيتشوي. فهذا المعنى الأخير يؤكد على أن الأفول موضوعه الأساسي هي القيم العليا المقدّسة وحدها، ولا يطال ذلك الأفول كل القيم. بمعنى أن الموجودات والكائنات لا تفتقد معانيها بصفة نهائية، وإنما بالأحرى تصبح معانيها متحرّرة من هيمنة القيم العليا بما هي المحددة، فتتحرّر طبيعة القيمة. ينجم عن هذا أن العدمية ليست سوى عملية صيرورة القيمة الاستعمالية قيمة تبادلية، وإحلال الثانية محل الأولى. ليست العدمية هي وقوع الوجود تحت سلطة الذات، ولكنها انحلال الوجود والموجودات في سيلان وجريان القيمة[10].  وهو السيلان الذي جعل الأشياء تفتقد قيمتها الأصلية، ومعانيها الكنهية، لتصير خالية من المعنى ومفتقرة إلى القيمة.
إذا حاولنا الآن-وبعد تحديدنا لموقف كل من نيتشه وهيدغر من العدمية وضرورة تجذيرها كأفق وحيد للخروج منها- أن نتساءل عن طبيعة الموقف الذي اتخذته الفلسفة المعاصرة من هذا الحدث ؟ وكيف واجهته ؟ فسنجد أن المشهد الفلسفي المعاصر يبدو ملتبسا: فالماركسية بمختلف تلويناتها النظرية، قد حلمت بإمكانية استرجاع القيمة الاستعمالية المستلبة، وذلك عبر خيار الممارسة السياسية. فالمجتمع الاشتراكي تتحدد هويته باعتباره المجتمع الذي يتحرر فيه الشغل من خصائصه المستلبة التي يجسّدها السوق الرأسمالي بقيمه التبادلية. بيد أن تحرير الشغل من الاستيلاب يمرّ –داخل الموقف الماركسي- عبر وسائط سياسية معقّدة تجعل من ذلك التحرر إشكالا لا يستطيع أن يتخلّص من الصورة المثالية للإنتاج الفني. وفي الحقيقة لقد ظلت نظرة الماركسية للممارسة الإنتاجية خاضعة لغواية وتوجيه النموذج الفني للممارسة. ويمكن للقارئ الوقوف على هذا بالرجوع إلى كتاب"الرأسمال".
هناك أيضا الموقف الذي يدافع عما يسمّى بالعلوم الروحية ضد العلوم الطبيعية. حيث تسعى الأولى إلى الدفاع عن كل ما له قيمة استعمالية، ضد التيار الجارف للعلوم الطبيعية المتمثّل في تحويل القيم الإنسانية إلى قيم تبادلية.
ثم هناك الهيرمنوطيقا المنحدرة من هيدغر والتي تمتد إلى غادامير، تحاول أن تبلور تصوّرات تكاد تجعل من العدمية الفرصة الوحيدة المتاحة أمام الفكر المعاصر للخروج من العدمية بما هي أزمة أسس [11].
وفي الفينومنولوجيا لا زالت تهيمن الحاجة إلى تجاوز القيمة التبادلية باتجاه القيمة الاستعمالية. ينطبق هذا على هوسرل كما ينطبق على هيدغر خاصة في مؤلفه "الوجود والزمن". وبصفة عامة فالمشهد الفكري المعاصر مضطرب، إذ توجد به عناصر ثقافية كثيرة تعمل بلغة نيتشه على مقاومة اكتمال وتحقق العدمية. غير أنه إلى جانب ذلك وربما ضده، توجد محاولات تسير في الاتجاه الذي يعمل على تسريع تفكك العدمية التي وصلت في بعض قطاعات الثقافة إلى أوجها واكتمالها. وهذا الحدث هو ما يتطلب من الفكر الانتباه إلى الآفاق الممكنة التي تفتتحها "العدمية المكتملة". فمن زاوية هذه العدمية، تبدو ثقافة القرن الحالي تشهد بداية انهيار المشاريع التي تروم التأصيل أو استعادة الأصولla réappropriation[12]. وهكذا فالمنظور القائم على ادعاء إعادة التملك والتأسيس-سواء اتخذ شكل الدفاع عن قطاع محرّر من القيمة التبادلية، أو شكل طموح إلى إعادة تأسيس الوجود الإنساني على أساس القيمة الاستعمالية-لم ينهار فحسب على مستوى الممارسة العملية(أفول التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي سابقا)، بل إن ذلك المنظور قد بدأ يفقد بشكل تدريجي دلالته المعيارية المثالية، تماما كما حدث للمتعالي مع نيتشه. لقد أفل ذلك المتعالي لأن المعرفة لم تعد في حاجة لكي تصعد إلى المبادئ الأولى والعلل النهائية. كما لم يعد الإنسان في حاجة إلى الاعتقاد في الخلود والخلاص. بل حتى لو افترضنا بأن المتعالي قد أفل باسم الحقيقة ذاتها التي سبق له أن رسخها كحقيقة نهائية ومطلقة، فمع أفول المتعالي فإن الحاجة إلى الحقيقة ذاتها لم يعد لها من معنى. وما ذلك إلا لأن شروط الحياة –في ظل التطور العلمي والتقني-أصبحت أقل اعتباطا وبالتالي أقل مرضا. ففي هذا التأكيد على سطحية القيم النهائية وتبخّر المعاني المؤسسة تتجذّر وتترسّخ "العدمية المكتملة"[13]. إذ انهيار المحكيات الكبرى les métarécits[14]وخسوف القيم المقدّسة ليس دعوة لإقامة ألواح قيم جديدة، إذ لا يتعلق الأمر بإعادة التملّك والتأسيس. لأن ما صار سطحيا ولا غيا هو فكرة الأساس ذاته."فوراء كل كهف يوجد كهف آخر يثوي خلفه أعمق من سابقه، وتحت كل سطح يوجد عالم خفي أرحب وأغنى وأغرب، وتحت كل الأعماق هناك ما هو أعمق"[15]. التجربة التي تنفتح أمام "العدمي المكتمل"، ليست تجربة الاكتمال، أو الامتلاء، أو الانتصار، تلك التي تستلهم القيم التي أبخستها الميتافيزيقا، فتعتبرها قيما عليا. والحقيقة أن ردّ الفعل كان يتخذ باستمرار هذه الصورة. ف"أفول المتعالي" و"خسوف القيم العليا" كان يدفع إلى المطالبة بقيم "أكثر عدلا وصدقا"، مثل قيم الثقافات المهمّشة، أو الثقافات الشعبية، أو الفنون..وليست هذه القيم بمنجى عن المرض والميتافيزيقا. إن "العالم الذي صارت فيه الحقيقة خرافة"[16] يجب أن يكون فضاء لتجربة ليست أكثر مصداقية أو أصالة من تلك التي أقامتها الميتافيزيقا، وذلك لأن الأصالة أو المعاصرة وإعادة التملك تسقط بدورها مع سقوط المتعالي. وهكذا فأفول المتعالي وخسوف الدلالات الكبرى الأخلاقية والسياسية والدينية لا تشكّل لحظات كارثية وانحطاطية فحسب، بل يجب الالتفات إلى تحدياتها، والإصغاء إلى نداءاتها بما هي مؤشرات على إمكان تجربة إنسانية جديدة. ونحن نزعم بأن فلسفة كل من نيتشه وهيدغر تشكّل أوراشا لإنماء مثل هذه التجربة، وبلورة "سياسة جديدة للفلسفة" تتخذ عند الأول صورة "فلسفة الصباح"أو "فلسفة المستقبل"، وتتخذ عند الثاني صورة "فلسفة الامتنان" أو "البدو الجديد"[17].
إن أول فيلسوف أثار قضية "تجاوز" الميتافيزيقا بما هي تجسّد فكر الحداثة بامتياز، باتجاه فكر ينقلنا إلى "ما بعد الحداثة" uberwindung هو نيتشه وليس هيدغر. هذا بالرغم من أن نيتشه لم يستخدم مفهوم ما بعد الحداثة، إلا أن مضمونه نشأ في أحضان فلسفته، وبالضبط في المسافة الفاصلة بين "اعتبارات في غير أوانها"، و"إنسان مسرف في إنسانيته" وباقي المؤلفات اللاحقة. ونحن نعتقد بأن هذه المسافة تسجّل بداية انعطاف جذري في مسيرة نيتشه الفلسفية. ففي "الاعتبارات الثانية" المتعلقة بالتاريخ، حاول نيتشه ولأول مرة أن يبلور إشكالية الفكر الحديث المرهق بداء تخمة الوعي بالتاريخ في القرن 19، والذي كان يعيق تجديد شروط الفعل التاريخي، ويقف حائلا دون القدرة على إبداع أسلوب أصيل خاص بعصر الحداثة، ومتحرر من العودة الحنينية إلى الماضي. ولقد كان نيتشه في هذه الحقبة من التفكير يعتقد بأن الغرب يستطيع الخروج من ذلك المرض عبر الاستنجاد بقوى "ما فوق تاريخية"، واستلهام الروح الدينية الديونيزية والفنية خاصة الموسيقى الفاغنيرية. و"إنسان مسرف في إنسانيته" سيسجّل انعطافا جديدا في فكر نيتشه بما هو بداية تصفية الحساب مع فاغنير، والتخلي عن تطلّعاته التنويرية وعن الاعتقاد في القوة الإصلاحية للفن. هذا المؤلف إذن هو الذي سيغيّر بعمق موقف نيتشه من "المرض التاريخي للعصر" بما هو أهمّ مؤشّر على مأزق الحداثة الغربية. وإذا كان هذا التغير لن يعثر على صورته الواضحة والناضجة إلا في آخر حياته، في شذرات متأخرة، وفي رسالته المشهورة إلى صديقه "بوركارد" التي يعلن في أحد مقاطعها بأنه صار في عمقه "متماهيا مع كل أسماء التاريخ"[18]. إلا أنه ابتداء من"إنسان مسرف في إنسانيته" سيطرأ تغير على نظرة نيتشه إلى مرض العصر بما هو انحطاط للحداثة، حيث لن يستنجد بالقوى المفارقة للتاريخ، بل سيعمل على تفكيك الحداثة عبر تعميق وتجذير الميولات العدمية التي تخترقها. فإذا كانت الحداثة تتحدد كعصر التجاوز والتجديد، أي كعصر لا يتوقف عن التجديد، حيث كل شيء جديد ما أن يحلّ إلا ويشيخ ويجد نفسه متجاوزا من قبل جديد آخر، وذلك وفقا لحركة تتكرر بشكل غير قابل للاستنفاذ. حركة لا تني عن بعث اليأس في جدوى الفعل التاريخي الخلاق، لأنها تحيله إلى ضرورة وتفرضه كصيغة أحادية للحياة[19]. إذا كان هذا هو حدّ الحداثة، فإن هذا سيجعل من المستحيل الخروج من مأزق الحداثة عبر حركة التجاوز والتصحيح، وهو المسار الذي سار فيه فلاسفة التنوير واليسار الهيجلي[20]. جدّة موقف نيتشه تتمثّل في البحث عن مسلك آخر متميّز غير التجاوز الجدلي، وذلك عبر تعميق التحلل والدفع بشروخات الحداثة إلى حدودها القصوى. وهذه العملية التفكيكية اتخذت في "إنسان مسرف في إنسانيته" صورة "التحليل الكيماوي" للقيم العليا للحضارة الغربية وذلك بتفتيتها إلى عناصرها الأولية بعيدا عن أي محاولة تروم التصعيد أو التجاوز. إن متابعة إنجاز برنامج التحليل الكيماوي يؤدي إلى اكتشاف أن الحقيقة التي تمنح المشروعية لذلك التحليل تصبح بدورها قيمة منحلّة ومفكّكة. فالاعتقاد في تفوّق الحقيقة على اللاحقيقة فرض نفسه في ظل ظروف وشروط حيوية معينة- مثل الشعور بانعدام الأمن- لم تعد الآن موجودة. كما أنها تتأسس على الاقتناع بأن الإنسان يمكن له أن يعرف "الأشياء في ذاتها". لكن التحليل الكيماوي لعملية المعرفة سيكشف بأن المعرفة ليست سوى سلسلة من الاستعارات، أي ليست سوى عملية استعارية تجعل ادعاء تملّك الحقيقة مجرّد ادعاء زائف وباطل. ذلك لأن الاستعارة بطبيعتها تنتقل من الشيء إلى الصورة الذهنية، ومن هذه إلى الكلمة التي تعبّر عن الحالة النفسية للفرد، ومنها إلى الكلمة المفروضة كصدق عبر الاصطلاحات الاجتماعية. وعبر هذا التحليل الكيماوي تتفكك الحقيقة بما هي مثل أعلى. ومع تفكك الحقيقة يلوح في الأفق إمكان الخروج من "مأزق الحداثة". ذلك لأن عدم الاعتقاد في الحقيقة، يؤدي بالضرورة إلى تقويض فكرة الأساس والتأسيس. أي سيجعل من المستحيل الخروج من مأزق الحداثة عبر التجاوز النقدي، أي عبر نقد الأسس القديمة وبناء أسس جديدة. وهذه هي لحظة نشأة "ما بعد الحداثة" في فلسفة نيتشه. وهو حدث مثله مثل حدث "أفول المتعالي" لا زلنا لم ننته بعد من تقدير كل دلالاته وأبعاده. وأحد نتائجه الأولى ظهرت معالمه الأولى في "العلم المرح"، وتمثّل ذلك في فكرة "العود الأبدي للمثل"[21]. وهي فكرة تدلّ من بين ما تدلّ عليه، على نهاية عصر النفي الجدلي والتجاوز، أي نهاية عهد الوجود المفكّر فيه بمصطلح الجدّة والتجديد. بل إن تيتشه في شذرات متأخرة، يعتبر فكرة العود الأبدي هي ما به يتم تعميق العدمية والخروج منها في الوقت ذاته[22].إنه ليس بفكر عادي وإنما هو بمثابة "فكر الأفكار". إنه الفكر الأكثر ثقلا ووزنا وقيمة، لهذا وجدناه يأتي في نهاية العدمية بما هو الشكل المسرف للعدمية المكتملة[23]. إنه بمثابة المعيار الجديد للتقويم، ليس للأشياء فحسب وإنما بالأحرى للإنسان. فقيمة الإنسان يتم اختبارها بمقدار القوة والحرية والحقيقة والسعادة التي يستطيعها[24]. تكتسي فكرة العود الأبدي لدى نيتشه ثلاثة أبعاد: البعد الأول أنطولوجي، إذ هي موجّهة ضد الغائية. فهي تضع موضع تساؤل التصور الميتافيزيقي للعالم حيث تسعى إلى تعريته من طابعه اللاهوتي والإنسي، وتأكيد طابعه الكاووسي كضرورة، وذلك عبر هجر فكرة القانون والاستقرار والدوام[25]. إنها تعني دمغ العالم بمسحة د

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

«نيشته وسياسة الفلسفة» إصدار جديد

كتبها محمد أندلسي ، في 24 ديسمبر 2007 الساعة: 23:17 م

 

الصعوبة الأساسية التي يواجهها قارئ النص الجنيالوجي للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844-1900)، تتمثل في كونه خطابا يريد قول الجسد بينما الجسد لا يقال إلا في نص بلّوري تمثّل فجواته وبياضاته التعبير الصامت عن متعه ومعاناته. إنه بكلمة واحدة يشكّل خطاب البين-بين، وتلك هي مفارقته. لهذا يجب مقاربته باعتباره عبورا، وباعتبار العبور مقاما.

النصوص النيتشوية ليست من النوع الذي يخرج منه القارئ بسهولة، لأن ما تحدثت عنه فلسفته لم يحن بعد. سواء تعلق الأمر بأزمة الديمقراطية وغيرها من المثل العليا كالمساواة والاشتراكية والوحدة، أو تعلق الأمر بمختلف أشكال ردود الفعل على العدمية، أو بعودة المكبوت الديني وصمود ومقاومة القيم التقليدية. وفي هذه العلاقة الاستبا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إشكاليات فلسفية: نماذج من تصورات الفلسفة للمجال السياسي

كتبها محمد أندلسي ، في 4 سبتمبر 2007 الساعة: 14:45 م

          

 أ-الفلسفة القديمة:

  أ-1-التصور السفسطائي:

 لقد نشأت السفسطة داخل مجتمع يسوده النظام الديمقراطي ابتداء من القرن6.ق.م. وتعتبر نظرية بروتاغوراس السياسية أهم مساهمة في بناء النظرية الفلسفية في السياسة. لكن هذا الموقف لا تعرّف عليه إلا من خلال محاورة "بروتاغوراس" لأفلاطون.

السجال الذي يدور بين بروتاغوراس وسقراط - الناطق بلسان أفلاطون - في هذه المحاورة، يندرج ضمن السجال السياسي الإغريقي. مما يعني أن الفلسفة السفسطائية اكتشفت بشكل مبكّر التجربة السياسية كإشكال فكري تجلّى في تعدّد أشكال ممارسة السلطة. لقد أدركت هذه الفلسفة أن الفضاء السياسي هو فضاء الصراع من أجل السلطة، وذلك بحكم نزوع كل فرد داخل المدينة إلى إشباع رغباته المتنوعة والمتجدّدة. وهذا ما يجعل تلك الرغبات  هي رهان الصراع السياسي: إذ كل فرد يرغب في ذات الإمتيازات التي يرغب فيها الآخرون مثل:الثروة، الحظوة، المكانة…وهذه مصدر الصراعات المختلفة داخل المدينة.

الإشكال الفلسفي السياسي الذي كان مدار السجال بين بروتاغوراس وسقراط يمكن صياغته على النحو التالي: هل الولوج إلى السلطة السياسية يجب أن يكون حقا مشاعا بين مختلف أعضاء المدينة وبدون استثناء، أم أن هذا الحق هو خاص، وأن السلطة يجب أن تكون من اختصاص النخبة التي لها دراية بالمجال السياسي؟

لقد كان موقف بروتاغوراس يقوم على التأكيد على ضرورة المساواة بين المواطنين في الحقوق السياسية، بحيث يكون من حق كل فرد مواطن أن يشارك في اتخاذ القرار السياسي داخل المدينة. لهذا وجدناه يعارض موقف سقراط الذي يحصر السلطة في النخبة. وهذا الموقف هو الذي سيدافع عليه أفلاطون في الجمهورية. وهو موقف يقوم على تقريظ الفيلسوف باعتباره المؤهّل الشرعي لحكم المدينة، لأنه يجسّد في نظره، الأساس العقلاني الذي تقوم عليه المدينة. رهان السجال السياسي إذن، يتعلق بمدى كفاءة المواطنين السياسية. مما يعني أن السجال يضع موضع تساؤل الأساس الذي تتأسس عليه الديمقراطية الأثينية: هل من حق جميع المواطنين أن يتلقوا تربية وتنشئة تمكّنهم من المشاركة في تدبير الشأن العام للمدينة، أم أن هذا الحق أرستقراطي يجب أن يظل محصورا في ذوي الكفاءة؟ بتعبير آخر: ما هو النموذج الفكري والمعياري الذي يجب استلهامه في تدبير الشأن السياسي: هل هو النموذج التقني، الذي يقوم فيه التدبير والفكري في إيجاد الحلول لمشكل المدينة بالاحتكام إلى آراء ذوي الاختصاص والخبرة، أم أنه يجب أن نعتبر بأن كل فرد عاقل مسؤول وبالتالي فمسألة التدبير هي مسؤولية الجميع؟

في الجزء الثاني من المحاورة، يقدّم لنا بروتاغوراس موقفه النهائي من هذه المسألة. فكل المواطنين-في نظره- يجب أن يساهموا بطريقة كفأة ومسؤولة في تدبير شؤون المدينة، لأن الشأن العام مسألة تهم الجميع، إذ فيها يتم تقرير مصير الإنسان. ولأنه بدون مشاركة الجميع لن تكون هناك "المدينة" بما هي الفضاء الذي تسوده الروح المشتركة. فالمدينة في منظور بروتاغوراس السفسطائي، ليست مثالا لا يمكن بلوغه، وإنما هي نموذج في متناول الجميع، يمكن تعليمه وتلقينه وتنشئة الناس عليه. فالفضيلة السياسية ليست فطرية تولد لدى البعض دون الآخرين، إذ الإنسان لا يولد وهو حيوان سياسي، بل هو يكتسب الفضيلة السياسية وبالتالي فن التدبير المشترك للحياة العامة.

ب- 2-التصور السقراطي:

يعارض سقراط هذا التصور السفسطائي بالسؤال التالي: ما هي الغاية من الفعل السياسي؟ وهل السياسة يجب أن تتأسس على الرغبة؟ وإذا افترضنا بأن ذلك ممكنا، فهل تستطيع السياسة أن تؤدي إلى إشباع الرغبة الإنسانية؟

حسب سقراط فإن الموقف السفسطائي ينتهي إلى إقامة تماهي بين الإنسان والحيوان، وذلك حين يجعل من الرغبة غاية الفعل السياسي. فمن المعروف أن الحيوان يتحدد باعتباره الكائن الذي تحرّكه الرغبة. ثم إن السلطة السياسية كيف ما كان نوعها لا تستطيع أن تشبع الرغبة الإنسانية لأنها متناقضة من حيث طبيعتها، وبا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إشكاليات فلسفية: إشكالية العلاقة بين الفلسفة والديموقراطية

كتبها محمد أندلسي ، في 4 سبتمبر 2007 الساعة: 14:34 م

 

 -  مفارقات الديمقراطية: محنة سقراط

إن تلك المفارقات الملازمة للديموقراطية هي التي تجعل العلاقة بينها وبين الفلسفة علاقة إشكالية. ويمكن صياغة ذلك الإشكال على النحو التالي: إذا كانت الديموقراطية هي الموطن الأصلي للفلسفة - على النحو الذي سنراه فيما بعد-، وهي الفضاء الوحيد الذي يصلح لإقامة الفلسفة، فهل العلاقة التي أقامتها الفلسفة بالديموقراطية هي علاقة تلاؤم وانسجام، أم أنها علاقة لا تخلو من توتر وتناقض وصراع؟

إن تاريخ العلاقة بين الفلسفة والديموقراطية تبين لنا بالملموس بأنها لم تكن علاقة تعايش وتوافق، بل كانت علاقة نقد وتوتر وصراع، تصل أحيانا إلى مستوى من العنف الحاد. وهذه العلاقة المتوترة والعنيفة، هي ما تشهد عليه تجربة الفيلسوف سقراط داخل المدينة الإغريقية التي كانت تمثّل آنذاك أول فضاء لاستنبات تجربة التدبير الديموقراطي للشأن السياسي. فهل استطاعت هذه المدينة الديموقراطية أن تحتضن الفيلسوف داخلها؟ وهل استطاع سقراط أن يستشعر بنوع من الرضى، وأن يحس بنوع من الحرية داخل الديموقراطية الإغريقية؟

إن مشكل سقراط، وشخصيته الفلسفية تطرح في الحقيقة على الفلسفة تحديا كبيرا، ومشكلا غريبا مليئا بالدلالات. فالسقراطية تهيمن على تاريخ الفلسفة إلى درجة التحكم فيه، ولكنها في الوقت ذاته تنفلت من ذلك التاريخ. بتعبير آخر، هناك لحظة تاريخية لسقراط، ولكن لا وجود لتاريخ لسقراط. إن تاريخ الفلسفة بكامله محكوم باسم سقراط، لأن ذلك التاريخ يتحدد انطلاقا من سقراط، فهو يشطره إلى شطرين: ما قبل سقراط وما بعد سقراط. وهذه الأهمية التي يحتلها سقراط راجعة لكونه محرّك ذلك التاريخ ومحوره، إذ مع سقراط سينتهي عصر وسيبتدئ عصر آخر جديد، سواء أخذنا هذه الطفرة أو هذا الانعطاف بمعناه الإيجابي لدىميرلبونتي أم أخذناه بمعناها  السلبي النيتشوي.

لكن ما هي طبيعة فكر سقراط؟ حينما نطرح هذا السؤال فنحن لا نستطيع العثور على جواب عنه. وما ذلك إلا لأن سقراط هو- كما يقول جاك دريدا- "الفيلسوف الذي لا يكتب". إذ كل ما نعرفه عنه قد وصل إلينا بطريقة غير مباشرة عبر تلامذته ومعاصريه. والمشكل الذي يواجه الباحث في فكر سقراط، يتمثل في كون أن الشهادات المتعلقة به، إما أنها تبالغ في رسم صورة سقراط، أو أنها متحاملة تحطّ من شأنه، وتقلّص من باعه. إن هذه الصعوبة المتعلقة بالإحاطة بماهية فلسفة سقراط ومواقفه، هي التي جعلتنا نؤكد على المفارقة الملازمة للظاهرة السقراطية: فسقراط "واقع تاريخي يفلت من التاريخ"، وتأثيره في تاريخ الفلسفة قد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إشكاليات فلسفية:الإشكال السياسي

كتبها محمد أندلسي ، في 4 سبتمبر 2007 الساعة: 13:54 م

 
إذا كان المجال السياسي هو المجال المتعلق بالشأن الإنساني، فيجب أن نشير إلى أن تدبير هذا الشأن ليس بمسألة بديهية أو بسيطة، وإنما هي حالة تؤثر بقوة وبشكل مباشر على الإنسان لأنها ترهن مصيره وتحدد حياته بأسرها. من هنا الطابع الإشكالي المحايث لهذا المجال. فكيف ظهر الحقل السياسي ومعه الإشكال السياسي؟ وما هي القضايا والمسائل التي يثيرها؟
يمكن أن نعتبر الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة، هو المنعطف الذي أدى إلى ظهور المسألة السياسية ومعها الإشكال السياسي. فمن المعروف أن حالة الطبيعة هي تلك الحالة التي تسود فيها قوانين الطبيعة، وهذه صيغة للتعبير عما يسميه علماء البيولوجيا بقانون "بقاء الأقوى" أو سيادة "قانون الغاب". إنها الحالة التي تتحكّم فيها الضرورة الطبيعية في حياة الإنسان، وتنعدم فيها حرية الحركة والاختيار. فالإنسان في هذا الطور يكون خاضعا لإكراه الطبيعة، حيث يكون مضطرا للبحث عن الوسائل التي تمكّنه من الحفاظ على وجوده وانتزاع شروط بقائه. فنظرا لأن حالة الطبيعة هي حالة صراع الكل ضد الكل، فإنها ستفرض على الإنسان البحث عن صيغة جديدة للحياة، بحكم كونه أصبح مهددا بالإنقراض إن لم يدخل في حرب ضروس مع الجميع.
ولقد لعبت اللغة والعقل دورا أساسيا في تسريع عملية انتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة. فبواسطة ملكة العقل، وبمؤازرة اللغة كأداة للتواصل والتضامن والوحدة، استطاع الإنسان أن يبتكر "الحيلة" التي مكّنته من تحويل ضعفه وعزلته، إلى قوة منظمة يفرض بها وجوده وفق إرادته واختياره. هذه الحيلة هي السياسة. حيلة الإنسان إذن في مواجهة ضعفه والتغلب على عجزه وعزلته، هي جعل أفعاله منظمة وخاضعة لتخطيط وتوجيه، ولقد عثر هذا على صيغته في نشأة الحقل السياسي. لهذا يمكن تعريف السياسة باعتبارها شكل من أشكال الوجود الأرقى للإنسان، بل إنه الشكل الذي يميزه عن الحيوان ويفصله عنه. من هنا نفهم أهمية التعريف الأرسطي لل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إشكاليات فلسفية:إشكالية الجسد بين المادة والروح

كتبها محمد أندلسي ، في 23 أغسطس 2007 الساعة: 13:29 م

 
إذا ما تتبعنا سلسلة الاستعارات وسيل الإيحاءات التي يوحي بها لفظ "الجسد"، سنلاحظ أنها وبشكل متزامن تحيلنا إلى الحياة والموت، وإلى المادة والروح. فالجسد يمكن أن يشير إلى الجثة الهامدة le corps inerte، كما يمكن أن يشير إلى "الحياة" من حيث ما تمثّله من "مبدأ تنظيم"، وما تبديه من "مقاومة" للعناصر المعادية ولقوى التشتّت والتحلّل. والتنظيم والمقاومة من بين الآليات التي تمكّن الجسد من الحفاظ على شكله ووحدته وعافيته، أي بكلمة واحدة على حياته. بهذا المعنى نقول بأنّ الجسد يشكّل "قوة للإدماج" تعمل على انتقاء وتجميع العناصر في "كلّية منظمة" تقيه من التفكك والتحلل. وهذا يعني أنّ الجسد يوحي لنا بفكرة "عضوية مفكّر فيها تبعا للنموذج الحي"[i]. 
 إنّ هذه المسألة يمكن الوقوف عليها من خلال الاستعارات التي يسمح بها الجسد: فنحن نتحدّث عن الجسد العسكري، أو الجسد الاجتماعي، أو الجسد السياسي، للإشارة دوما إلى مجموعة من العناصرالتي تتعالق فيما بينها بشكل بنيوي لا يخلو من تلاحم داخلي. كما أنّ الجسد بالطبع، وبشكل مباشر يحيلنا إلى "جسد الإنسان" من حيث أنه يدلّ وينطوي على فكرة " إدماج ديناميكي أعلى"[ii].
  إنّ الجسد، منظورا إليه من زاوية هذه الاستعارة الأخيرة، يشير إلى "سلطة الصورة" أو "الشكل" الذي يعمل على "تشكيل المادة" وتنظيمها.
نستنتج مما سبق أن "التقابل بين المادة والروح" بات تقابلا كلاسيكيا لا ينطبق إلاّ على "المادة الجامدة" أو "الروح الخالصة"، وهو يصير أكثر التباسا وغموضا حينما نسعى إلى جعله ينطبق بصفة خاصة على الجسد الإنساني، حيث تفتقد حدود التقابل الآنف الذكر دقّتها.
تقتضي إذن مقاربة الجسد مقاربة فلسفية تعليق "الثنائيات" الميتافيزيقية مثل ثنائية "المادة والروح"، أو ثنائية "النفس والجسد"، لأنّ الجسد يقاوم الاندراج تحت مقولة "المادة" وما يرتبط بها من خصائص مثل المحسوسية، والجاذبية، والامتداد، والتخارج المكاني، والتشتت والتشظّي. كما لا يتقوّم بمقوّمات "الروح" أو النفس مثل اللامحسوسية، والتجريد، والطهارة، والوجود الخالص. إنّ هذه التقابلات أضحت كلاسيكية غير قادرة على تأطير الجسد وإجلائه، لأنّها تعمل على اختزاله في بعد من أبعاده فتنتهي إلى إفقاره وتبسيط تعدّده، حينما تحيله إلى مجرّد "موضوع" من موضوعات المعرفة فتنتهي إلى "تشييئه".
 إنّ "مقولة المادة" إن كانت تنطبق على المادة الجامدة اللاعضوية، فهي تصبح أكثر التباسا حين تريد الانطباق على الجسد الحي، الجسد العضوي. ذات الشيء يقال عن "مقولة الروح" الميتافيزيقية التي لا تستقيم إلا بإفراغ الجسد الحي من كل مقوّماته الذاتية بما في ذلك حركته الذاتية.
 لنقل إذن بأنّه أمام الجسد، تفقد الثنائيات "الميتافيزيقية" دقّتها وقدرتها على التحديد والتسمية. وهذا الذي يفسّر لنا طبيعة الحكم "القاسي" الذي أصدره صاحب "جينيالوجيا الأخلاق" على "تاريخ الفلسفة"، حينما اعتبره بمثابة تاريخ "سوء فهم للجسد"[iii].
لكن إذا كان "الجسد" هو الوجه الآخر المقابل ل"العقل الميتافيزيقي"، إذا كانت سلطة "العقل" داخل الفلسفة قد شيّدت على أنقاض "الجسد" ومن خلال كبت وحجب رغباته، فما ذلك إلا لأنّ الجسد يشكّل فضيحة للميتافيزيقا ولكلّ ادّعاءاتها ومزاعمها المتعلّقة باليقين والتطابق والعقلنة والتحكّم  والخلود…إلخ. لهذا تقتضي مقاربة الجسد مقاربة فلسفية "جينيالوجية"، وكشرط أوّلي، تفكيك ثنائية "المادة والروح"، و"النفس والجسم". ذلك لأنّ الجسد هو قبل كلّ شيء "وحدة" المادة والروح، أو "وحدة" النفس والجسم. إنّ هذه المسألة تبيّن الطبيعة التكوينية والمحايثة للجسد، كما تجلي طبيعته "الديناميكية" حيث تجعل من تنظيمه وحركته وسيرورته مبدأ ذاتيا محايثا للجسد وليس مبدأ مفا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نحو سياسة جديدة للكتابة في الفلسفة:الجينيالوجيا والكتابة

كتبها محمد أندلسي ، في 19 أغسطس 2007 الساعة: 23:18 م

 
2- الجينيالوجيا والكتابة:
إن تقويض الميتافيزيقا وتجاوزها، يقتضي إعادة الاعتبار للكتابة وبلورة سياسة جديدة لها. إنه يقتضي انعتاق الكتابة وتحرير الدال من تبعيته للمدلول؛ وهي المسألة التي ستحققها الجنيالوجيا ولأوّل مرة في تاريخ الفلسفة. يقول دريدا: "لقد كتب نيتشه ما كتبه، كتب بأن الكتابة–وكتابته على الخصوص-ليست خاضعة للوغوس والحقيقة. وبأن هذا الإخضاع قد تم في مرحلة محدّدة " [i].وهكذا فمع نيتشه سينبثق تصور جديد للكتابة، من حيث أنه يمثّل حسب دريدا أول فيلسوف قام بتحرير الدال من تبعيته للمدلول، ومن اشتقاقه من اللوغوس[ii] . يتعلق الأمر هنا بكتابة/قراءة جديدة لا تميّز بين النص وكاتبه، قراءة فعالة تنتج النص اللامكتوب والذي لا يكون مجال الكتابة إلا علامة عليه وعرضا من أعراضه. إنها كتابة/قراءة تحاول أن تنتج العملية الفعلية للكتابة الميتافيزيقية ذاتها، والتي ليست هي عملية إظهار وتملّك المعنى الوحيد كما تريد الميتافيزيقا، وإنما عملية لتوليد الاستعارات procés de métaphorisation . ولا شك أن الكتابة الملائمة للمشروع الجنيالوجي–بما هو مشروع يروم تقويض الميتافيزيقا وسنّ سياسة جديدة للفلسفة تساؤلا وتفكيرا وتأويلا وتقويما وكتابة[iii]- هي الكتابة الشذرية  aphoristiqueأو المقطعية التي تنبذ الاستمرار والوصل . كتابة تقحم داخل النص زمان العود الأبدي [iv] بدلا من الزمن الخطي الميتافيزيقي، وهو زمن ينخر الحضور ذاته ويجعل الهوية مفعولا لاختلاف، والوحدة نتيجة لتعدد، والعمق فعلا لسطح[v]. كتابة تحاول أن تقضي على الوهم الأفلاطوني لمعرفة/ذاكرة، لتنظر إلى النسيان في قوته الفعالة. ولهذا فهي كتابة بدون ذات، لكنها غنية من حيث أنها لا تعطينا نفسها إلا فيما تحجبه عنا "وبالضبط فيما تحمله في طياتها من رخاوة، خلف مظهر أقوى الحقائق بداهة، في الصمت الذي يتخلل خطابها، والنقص الذي يعوز مفاهيمها ، والبياض الذي يتسلل إلى سواد كتابتها الدقيقة" [vi].
وفي الحقيقة فإن هذا الشكل الشذري المفكك هو ما يجعل النص الحنيالوجي يدشّن أسلوبا جديدا في الكتابة، لا يني نيتشه يلقّبه بالسياسة الكبرى في الفلسفة la grande politique [vii]. وينعته بنعوت مختلفة، كالمحاولة أو التجريب أو الاختبار. ويعني هذا أن أسلوبه يركّز على الملاحظة والحدس والتساؤل أكثر مما يسعى إلى بناء نسق مغلق. ولقد لاحظ هيدغر بأن "المحاولة" versuch هي بمثابة العودة إلى المعطى العيني والملموس والذي تم إهماله وإقصاؤه من مجال الفلسفة بدعوى أنه ليس بفلسفي[viii].إنه رمز لفكر متاهي يشتغل بهدوء وصبر، ويواجه العالم باعتباره لغزا، ويستغني عن المطلق كضامن للحقائق الأبدية. ولهذا فهو مجازفة بل ومخاطرة تتطلب من صاحبهاالكثير من الجرأة للسير في الطرق التائهة غير المسلوكة التي لم يطأها أي تفكير بعد ولم يتم استكشاف أراضيها البكر. يقول نيتشه: "إلى حد الآن فإن كل ما يمنح لونا للوجود ليس له تاريخ، لأنه أين سنعثر عن تاريخ للحب، للجشع، للرغبة، للضمير الأخلاقي، للرحمة للقساوة ؟ (…) فهل نعرف المفاعيل الأخلاقية للأغذية ؟ وهل هناك من فلسفة للتغذية ؟(…)فهذه القضايا تحتاج إلى محاولة واختبار، حيث جميع المغامرات والبطولات ممكنة"[ix].
وفي الحقيقة فإن نيتشه يستعمل الشذرة بمعنى يناقض أصلها الاشتقاقي، إذ هي لا تتوخى التحديد المنطقي لما تتحدّث عنه، بقدر ما تسعى إلى اتخاذ المسافة الضرورية من المعاني والقيم التي تم تكريسها كحقائق، وإذا اقتضى الأمر فهي تخضعها إلى فحص نقدي جديد. فالشذرة تروم تحريك الفكر، وخلخلة يقينياته وعاداته، وتكسير المجرى العادي للأشياء. ولها قرابة مع التراجيديا إذ تشترك معها في هتك حرمة الخطاب[x]. كما تتسم الشذرة بطابع الذاتية والفردية لأنها موجهة أساسا ضد الإجماع القائم. ولأنها من جهة أخرى تحمل بصمات تجربة صاحبها، وتروي سيرته، وتعبّر عن معاناته في الوجود ومع الحقيقة. والشذرة تستمدّ فعاليتها من البلاغة والشعر أكثر مما هو منطقي وبرهاني. وهي تراكم الأسئلة وتثير الإشكاليات أكثر مما تقدّم الأجوبة وتبحث عن الحلول. وظيفتها الأساسية لا تتمثّل في إقامة التعالقات والتعميمات، بل في العمل على كشف وعزل مظاهر فريدة ومتميزة من شأنها أن تلقي بضوء جديد على تساؤلات أخرى أكثر عمقا وأهمية[xi]. وأخيرا وليس آخرا فالشذرة تحقق القطيعة مع الماضي ومع النسق، وموجّهة ضد السفالة والتفاهة، وتستمد قوّتها من تعدد المنظورات التي تسمح بها، وكذا من طبيعتها الترحالية والمتنقّلة. إنها كما يقول "دولوز" بمثابة آلة حربية وقوة رحالة يتعذّر تفكيك سننها من قبل القانون والعقد والمؤسسة[xii].
وفي الحقيقة فإن هذا الطابع البلّوري للكتابة النيتشوية والذي يسم النص الجنيالوجي بالتعدد يكتسي أكثر من دلالة: فهو من جهة يبيّن المقاومة التي يبديها الفكر النيتشوي لكل تقنين وتقعيد يسعى إلى ضبط ماهيته، أو تثبيت هويته، أو اعتقال حيويته. ومن جهة أخرى يشير إلى المناعة والحصانة الذاتية التي يتمتع بها ذلك الفكر نظرا لطبيعته الترحالية، ونظرا لكونه استطاع ابتكار أسلوب جديد في التفكير والكتابة يجعله غير قابل للتقنين، لأن سننه مستعصية على التفكيك. وهذا ما يجعلها تتحول إلى آلة حربية قادرة على اختراق آليات الضبط والمراقبة والمنع التي تمارسها سلطة الحقيقة على التفكير والكتابة، وذلك عن طريق التشويس على أجهزة الرقابة النظامية، والعمل على تمرير وتسريب عبر كتابة شذرية، مفاهيم ورموز واستعارات ملغّمة، وحدها القوى الجديدة هي القادرة على تفجيرها. ألم يصرّح نيتشه في أحد رسائله الأخيرة بأن حياته الفكرية كلها بمثابة ديناميت[xiii].
وبالإضافة إلى السمات الآنفة الذكر التي تميز الكتابة الشذرية لدى نيتشه، يضيف "موريس بلونشو" الخصائص التالية:
أولا، للشذرة النيتشوية علاقة مفتوحة بالفضاء الخارجي[xiv]. على عكس الأسلوب الفلسفي الميتافيزيقي الذي تكون علاقته بالخارج متوسطة من قبل الداخل، حيث يتم الإدراك من دواخل الوعي والروح. فالحركة الآتية من الخارج مختلفة عن الحركة الخيالية للتمثلات، أو الحركة المجردة للمفاهيم[xv]. إذ لا يكفي الكلام أو الحديث عن الأشياء التي توجد في الخارج، كالهواء الطلق والحياة والسياسة..لجعل التفكير مشدودا إلى الخارج ومخترقا بحركته. وقد تكون هذه الخاصية هي المقصودة حين يؤكد دولوز على أنه من حق النص الجنيالوجي المطالبة بمعنى مختلف بل ومضاد [xvi]. وليس هذا المعنى المختلف سوى دعوة لمعالجة الشذرة باعتبارها إمكانا ينتظر مجيء قوى جديدة لتوظيف معانيه أو لتفجيرها[xvii]. ذلك لأن النص - في نظر صاحب "هكذا تكلم زرادشت"- هو لعبة قوى متخارجة. ونيتشه يقولها بصريح العبارة: "إذا أردتم معرفة ما أقوله، فاعثروا على القوة التي تعطي المعنى، وعند الحاجة تعطي معنى جديدا لما أقوله"[xviii]. إن هذا الانفتاح على الخارج، والذي هو شبيه بعملية "الانشيال من الأرضنة"[xix]، هو ما يجعل منها كتابة ليست ب"كتاب"، أي ليس لها مدخل ومخرج، ومقدمة وخاتمة. وهذا ما يجعلها أشبه بالمتاهة (وهو مفهوم يتكرر بكثرة في نصوص نيتشه). لأنها كتابة بدون معالم، أو بدون ذات متعالية-على النمط الكانطي- تحيل إليها كمصدر أو كأساس. ولهذا فهي كالعنقاء تقبل موتها وفناءها وتهيئ الأرض لانبعاثها من جديد في هويات مختلفة وأسماء جديدة[xx].
وثانيا، فالشذرة لها علاقة بالتدفقات والإحساسات. ويعني هذا أن نصوص نيتشه بماهي حالات وجود وتجارب معاشة، فهي غير قابلة أن تترجم إلى مفاهيم وتمثلات. فهي بمثابة علامات تندرج في إطار هيئات متعددة المعاني والدلالات. وفي هذا الصدد يقول "أدورنو": " إن الفيلسوف اليوم يوجد في مواجهة لغة مفككة، ومواده هي بقايا الألفاظ التي يربطه التاريخ بها، ولا يمتلك من الحرية غير ما تمنحه له هيئاتها الخاضعة للحقيقة داخلها، وليس مسموحا له أن يفكّر بأن لفظا ما معطى له بكامله، أو أنه يستطيع أن يخلقه من جديد"[xxi].
وثالثا، تقيم الشذرة أيضا علاقة خاصة مع الضحك والسخرية والتهكم. فمن يقرأ نصوص نيتشه بدون أن يضحك، بل وبدون أن يضحك كثيرا فكأنه لم يقرأ نيتشه. وفي الحقيقة فإن خاصية المرح هذه تنسحب على كل كتّاب الثقافة المضادة ومفكّري ما بعد الحداثة. فهناك فرح غير قابل للوصف ينبثق من النصوص الكبرى حتى حينما تتحدّث عن أشياء تافهة وتبعث على الاشمئزاز والقرف. لأنه يستحيل ألا يضحك المرء حينما تتعرّض السنن والشفرات للعبة التشويش.
وخلاصة القول، فالكتابة الشذرية هي ما به يعثر النص الجنيالوجي على امتداده في الخارج، أو ما به يتمتع النص بحريته وكينونته في استقلال عن المؤلف، ليغدو واقعة خطابية لها حقيقتها ونمطها من الوجود. ويرى "بلونشو" بأن نيتشه من أكثر الفلاسفة الذين يكون "خوفهم من الخوف" أقل، ويجعلون من خوفهم مستقرّهم، ويعرّضون ذواتهم للخارج بشكل أقوى. وهذا ما يجعل كتابته وتفكيره عبارة عن توتر دائم ومستمر بين التشكّل والتشظّي، بين البناء والهدم، بين الواحد والكثير، بين الهوية والاختلاف[xxii].
لهذا يستحيل أن يكون سؤال الأسلوب والكتابة في فلسفة نيتشه مجرد سؤال جمالي خالص. لأن الجنيالوجيا لا تكترث بإقامة تلاحم منطقي، أوانسجام مفاهيمي على غرار البناء المعماري للخطاب الميتافيزيقي المحكوم بمنطق الهوية الذي يقصي التعددية الملازمة لحدوده، فيقيم تطابقا أحادي الدلالة بين الدال والمدلول، وتسلسلا صارما بين المفاهيم في إطار نسق برهاني مغلق. فجل المفاهيم التي تستعملها الجنيالوجيا تحيل إلى أنظمة استعارية متعددة المصادر. وإلى كنايات مستمدة من مجالات ثقافية مختلفة دينية وفلسفية وفنية: كديونيزوس، وأريان، والمتاهة، والعود الأبدي، وزرادشت…إلخ. وهذا ما يجعل مفاهيم فلسفة نيتشه تقاوم كل محاولة تروم أن تؤسس عليها خطابا عقلانيا نسقيا[xxiii]. بل هذا أيضا ما يجعل نصه ذا بنية مطاطية تقوم على الانزياح والاستبدال، حيث العقل والرغبة والمتعة والذوق والقوة والمعرفة مفاهيم متداخلة ومتعالقة فيما بينها في إطار منظور يمزج بين الفلسفة والشعر، بين الحقيقة والخطأ، بين الجدّ واللعب، بين الواقع والوهم. ويسعى إلى التفكير في الجنيالوجيا والجسد. إن هذا التداخل الدلائلي المميز للنص الجنيالوجي – بما هو استعمال لأنظمة استعارية متعددة، وبما هو مزج بين أشكال كتابية وأساليب تعبيرية مختلفة ومتنوعة (الشذرة، القصيدة، الرسالة، المحاورة، القصة، المسرح، السيرة، الرقص، الموسيقى..) يولّد القدرة على الانتقال بين الإشارات والرموز والصور، والقدرة على الترحال بين الفضاءات والأزمنة[xxiv]. فالكتابة في لحظة انكتابها تولّد نسيانا مضاعفا: نسيانا للدلالات الأصلية للألفاظ المستعملة، ونسيانا للنظام النحوي والمنطقي الذي تقوم عليه. وهذا ما يجعل النص الجنيالوجي جسدا حيا، ويجعل مفاهيمه وألفاظه مخترقة بدينامية حيوية تمنحها قدرة على التناسل، وعلى قول الحياة والصيرورة. لأن اللغة الجنيالوجية حينما تتكلم عن الأشياء والكائنات فهي لا تقول ماهيتها وإنما تتحدث عن تدفقاتها وإيقاعها، وعن مجاز لا عن حقيقة، وعن غائب لا عن حاضر[xxv]. وهذا يعني أن الكتابة الجنيالوجية تعتمد على استراتيجيات اللغة ونظمها الاستعارية في تحويل مضامينها إلى كائنات كلامية: فالشمس والقمر والكواكب والنجوم ليست أشياء فلكية في السماء، ولكنها الدفء والأنس والرفيق، والاقتصاد ليس علم سياسة المال والتجارة، ولكنه الغنى والفقر، والصحة والمرض، والسعادة والشقاء…إلخ. ويترتب عن هذا الفهم الجديد للكتابة تصور في غاية الأهمية والخطورة يجعل الغياب في اللغة هو الأصل وليس الحضور. وهذا هو معنى الطابع المخاتل للغة، وخبث الدليل. منطلق نيتشه في الكتابة الفلسفية يتمثل في الإقرار بالواقع التالي: عجز الفلسفة على قول الجسد والحياة وتأويلهما. وهذا ما جعل تاريخ الفلسفة- يبدو لنيتشه- كتاريخ سوء فهم للجسد. بل إن الخطاب الميتافيزيقي لا يتشكّل إلا كإنكار للجسد والدال وكبت لهما[xxvi]. وليست الكتابة الاستعارية سوى آلية للتحايل على اللغة وقول ما لا يقوله القول، ولإظهار ما لا يظهره المفهوم. من هنا يجب التمييز في الجنيالوجيا بين كتابتين أو لغتين: "لغة حول الجسد"، وهي لغة المفهوم والتمثل وتندرج ضمن ما يسمّيه نيتشه بالتمثيل المسرحي[xxvii] الذي يعمل على إنتاج نمط من الجسد قد تم إخضاعه وتحويله إلى موضوع، فيولّد الوهم بأن هذا الجسد-الموض

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي