Yahoo!

راهنية الفكر الهايدغري

كتبها محمد أندلسي ، في 7 يناير 2012 الساعة: 21:25 م

 

تقديم لمحاضرة الفيلسوف النمساوي "هانس كوكلر" "راهنية الفكر الهايدغري"
 
 
في مؤلفه "الخطاب الفلسفي للحداثة" يقوم "يورغن هابرماس" بعقد مقارنة بين "نيتشه" و"هايدغر" وينتهي إلى الخلاصة التالية: إنّ إشكاليتهما واحدة هي إشكالية النقد الجذري للعقل، وأنّ الاختلاف بينهما يتعلق فحسب بالمنطلقات، منطلق "نيتشه" هو نقد "المثل الأعلى الزهدي" و"مفهوم الحقيقة" و"مفهوم العدمية"، بينما منطلق "هايدغر" هو نقد "النزعة الموضوعية" للعلم الحديث.
انطلاقا من هذا الاستنتاج، يمكن أن نؤكّد بدورنا بأنّ "النقد الجذري للعقل" اتخذ في فكر "هايدغر" شكل "تقويض للميتافيزيقا" بما هي "نسيان للاختلاف الأنطولوجي" بين الوجود والموجود، وإحلال "الموجود محلّ الوجود".
ولقد بلغت هذه الميتافيزيقا اكتمالها حينما بدأت بالتحقق نظريا على الأرض مند بداية العصر الحديث، وعمليا ستتجسّد في الهيمنة الكوكبية للتقنية ليس بما هي مجموعة من الأدوات والوسائل وإنّما من حيث هي "ميتافيزيقا" تقوم على دمغ "إرادة المعرفة" في "إرادة القوة"، وتحويلها إلى "إرادة الإرادة".
لقد شكّل العلم الحديث مع "غاليلي" و"ديكارت" و"كانط"، أوّل خطاب للعولمة بما هي مشروع الهيمنة على العالم؛ أوّلا على المستوى النظري ثمّ ثانيا وفيما بعد على المستوى العملي.
فعلى المستوى الأول أي النظري، تمّ تمثّل العالم ليس باعتباره "روحا" وإنّما من حيث هو "مستودع" للمواد الأوّلية والطاقة، قابل للعقلنة والحساب والهيمنة. وهذا ما يجليه مفهوم "الطبيعة" لدى "غاليلي" بما هي "كتاب مفتوح" مكتوب بلغة الهندسة، كما يجليه "مبدأ الثقالة" لدى "ديكارت"، و"مبدأ العلة الكافية" عند "ليبنتز".
وعلى المستوى الثاني، أي الهيمنة على المستوى العملي، حيث بواسطة العلوم وامتدادها التقني يصبح الإنسان كما قال "ديكارت" سيدا على الطبيعة ومالكا لها. نحن هنا مع "العلم الحديث" و"عصر الأنوار"، لم نصل بعد إلى الهيمنة الشاملة على العالم الطبيعي، والتاريخي، ومن بعدهما الاجتماعي والسياسي. وهذا ما ي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عما قريب سيتم نشر نص محاضرة الأستاذ محمد أندلسي بالنمسا موضوعها مقاربة فلسفية للدين:الإسلام كنموذج

كتبها محمد أندلسي ، في 31 مارس 2011 الساعة: 22:14 م

Das Institut für Philosophie
der Philosophisch-Historischen Fakultät lädt ein
zum Gastvortrag
Wie viel Kritik verträgt der Islam?
von Prof. Dr. Mohamed Andaloussi
Professor für Philosophie, Universität Moulay Ismaïl, Marokko
Zeit: Dienstag, 12. April 2011, 18 Uhr s.t.
Ort: Universität Innsbruck
Hauptgebäude, Innrain 52, 3. Stock
Archäologisches Museum
© BfÖ 2011
Zur Person:
Dr. Mohamed Andaloussi ist Professor für moderne und zeitgenössische Philosophie an der
Universität Moulay Ismaïl in Meknès/Marokko und dort Vorstand des Instituts für Philosophie.
Seine Forschungsschwerpunkte umfassen: Metaphysik, Religion, Nihilismus und Postmoderne.
Zu seinen Publikationen zählen: „La philosophie de la logique de l’esprit à la logique du corps“,
éditions Okad à Rabat 2003; „Nietzsche et la politique de la philosophie“, éditions Dar Toubkal
2006.
Abstract:
Die heutige „Konfrontation“ zwischen dem Islam und dem Westen hat ihre Wurzeln in der
westlichen Moderne, die – im Namen der Säkularisierung, Rationalität, Demokratie, usw. –
die letzte metaphysische Festung der islamischen

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فيماوراء الديمقراطية كمثل أعلى

كتبها محمد أندلسي ، في 17 يوليو 2010 الساعة: 23:00 م

———————————————
فيماوراء الديمقراطية كمثل أعلى
 

فيماوراء الديمقراطية كمثل أعلى

إنّ أي تفكير اليوم بطريقة فلسفية في الديمقراطية، إلا ويقتضي أن نفكّر فيها انطلاقا من طبيعة التمفصل الذي يوجد بين “مفهوم” الديمقراطية وبين “التجربة” الديمقراطية. وهذا يعني أن أي حديث عن الديمقراطية إلا ويتطلّب أن ننظر إليها “فيماوراء الخير والشر”، أي فيما وراء الديمقراطية كمثل أعلى. ومثل هذا النظر يصبح ممكنا شريطة أن نعيد “توجيه الفكر” من جديد، نحو “قبلة” الفلسفة الإغريقية القديمة، ونحو فضاء التجربة الديمقراطية في اليونان. فالإغريق يشكّلون بداية تأسيسية للفلسفة وللتجربة الديمقراطية في الوقت ذاته. ولا شك أن هذا التعالق التزامني-المكاني بين نشأة الفلسفة ونشأة الديمقراطية، له ما يبرره سواء على صعيد الفلسفة أو على صعيد الديمقراطية. العلامة الأولى لذلك التعالق تتمثّل في كون أن “المواطن” يشكّل أحد المواضيع الأساسية  في الفلسفة، و ذلك لأنّ أحد شروط ظهور الفلسفة، هو ظهور “المواطن”، أي ظهور الفرد الواعي بذاته ككائن عاقل، ومستقل، وحر. “إنّ اليونان هي بمثابة الفضاء الحضاري-التاريخي الذي هو “موطن” الإقامة بالنسبة للفلسفة وللديمقراطية، وهو بحكم ذلك يمثّل مصدرنا الأصلي الكوني”[1].  ومع ذلك فإن تسليط الضوء على فضاء نشأتهما التاريخية  المتجسد في المدينة اليونانية، وأثينا بصفة خاصة، لا يخلو من طابع إشكالي. فمن المعروف أن انبثاق الفلسفة والمدينة الديمقراطية - بما هو يجسّد جماعة الناس المتساوين والأحرار(أي جماعة من المواطنين) - قد جاءت بعد الخلخلة الكبيرة التي تعرّضت لها التقاليد، والأساطير، والسلط الدينية، والسياسية، وأشكال الحياة التقليدية المرتبطة بها. لكن هذه النشأة المتزامنة ألقت أيضا بظلالها على العلاقة بين الفلسفة والمدينة. ولقد جسّد سقراط كل الصراع الدائر بينهما[2]، وهو يختزل أيضا التناقض الغير قابل للتصعيد بين الفلسفة والديمقراطية.

 حينما نعود إلى هذا الفضاء - والذي يشكّل في نظري البذرة الأولى ليس فحسب للفلسفة والفكر الغربي على نحو ما ذهب إلى ذلك هايدغر، وقبله أستاذه هوسرل ومعهم كل من وقعوا في أسر التماهي مع الذات ومع النزعة المركزية الغربية ، وإنما أيضا بالنسبة للفكر الفلسفي الإنساني الكوني - ونسائل فلاسفة اليونان عن الكيفية التي تصوّروا بها العلاقة بين الديمقراطية كمفهوم، والديمقراطية كتجربة وكواقع، سنجد أنهم قد أدركوها كعلاقة غير منسجمة بل ومتناقضة، وعلى أن هذا الطابع الإشكالي ملازم لمفهوم الديمقراطية وللتجربة الديمقراطية في الوقت نفسه[3]، وهو الذي يعني أنه يشكّل “قدر” الديمقراطية، وعلى أنّ هذا “القدر” يضعها “فيماوراء” الخير والشر.

 هذا الوعي الفلسفي النقدي المبكّر بالطبيعة الملتبسة والمتناقضة للعلاقة بين مفهوم الديمقراطية وواقع الديمقراطية، هو ما تشهد عليه فلسفة كل من أفلاطون وأرسطو. ففي كتاب “الجمهورية” يتحدث أفلاطون عن الديمقراطية- من حيث هي واقع وتجربة معيشية أكثر مما هي نموذج نظام سياسي- باعتبارها “خليطا من الدساتير” التي تفتقر إلى الانسجام والوحدة. إنها في نظره أشبه بسوق “للأثاث الرديئة”(الخردة). لهذا فهي تتعارض بشكل كلّي مع مقوّمات “المفهوم”Le concept وخصائص “الفكرة” L’idée لديه، والتي من أهمّها خاصيتي: الوحدة والكلّية. فالتباس التجربة الديمقراطية، والانقسام الذي يطبع واقع الديمقراطية، يتعارض بشكل جذري مع وحدة “المفهوم”، وكلية “الفكرة” وانسجامها. فالديمقراطية عند أفلاطون تعني التناقض غير القابل للتصعيد والتجاوز، الموجود بين الهجانة  والانسجام، أو بين الانقسام(الاختلاف) والوحدة، أو بين التعدد والكلّية. إنها تعني العجز عن إقامة أي تواصل أو تلاؤم ولو بسيط بين مستويي الديمقراطية أو قطبيها. إن أي مقاربة للديمقراطية كلفظ وكمفهوم، والديمقراطية كتجربة وكواقع، تشهد وبشكل مباشر على وجود صراع أو نزاع غير قابل للتجاوز والتدليل بين المستويين. وهذا ما يجليه المعنى الاشتقاقي الأوّلي الذي يوجد في أصل لفظ الديمقراطية من حيث هي “حكم العموم” أو “حكم الشعب للشعب”. هذا ما يجليه إذن لفظ “الشعب” الذي يوجد في أصل الديمقراطية: فتحديد هذا اللفظ يشي بنفس الالتباس والخلط الذي وجدناه ملازما للديمقراطية كتجربة وكواقع. فمن هو يا ترى “الشعب”؟ ألا يعني تارة “الأمة” وطورا آخر “الجماعة”؟ بلى، فمن جهة يتم إقامة تماهي مطلق ما بين “الشعب” وكل “الأمة”، ومن جهة أخرى يتم تماهيه مع جزء من الأمة أي مع “جماعة” نكرة لا خصائص لها. يتم الحديث عن “الدّهماء”، أو “الجمهور”[4]، أو “السكان غير المميزين”، أو “عامة الناس”. من هنا الطابع الملتبس للفظ “الشعب”، ومن هنا أيضا المشروعية التي يكتسيها هذا الإلحاح الفلسفي لمعاودة طرح السؤال: هل مفهوم “الشعب” يمثّل “كل” أعضاء المجتمع، أم أنه يمثّل “جزء” من جماعة تفتقر إلى أي خاصية تميزها؟

هذا اللبس والتناقض الذي يكتنف “الديمقراطية” كمفهوم وكتجربة والذي يبيّنه تحليل أفلاطون، نعثر عليه أيضا حاضرا لدى أرسطو وخاصة في كتابه “السياسي”، حيث يتحدث أرسطو عن أصلين أو مصدرين للتجربة السياسية. ففي كتابه الأول نجد بأن “الجماعة السياسية” تتحدد باعتبارها تلك الجماعة التي تتكون على أساس “القسمة العقلية”. فالناس يعيشون داخل “الجماعة”، أو يشكّلون “جماعة”، لأنهم يقتسمون “اللوغوس” أو “العقل” بما هو معيار وحكم. أي يقتسمون “القدرة على المناظرة” مع الشركاء والنظراء حول العادل وغير العادل، حول الخير والشر. بينما نجد بأنّ الكائنات “الحيوانية” تفتقر إلى هذا “اللوغوس”، لأنها خاضعة للغريزة، أي لمبدأ يختزل كل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مسلك الفلسفة بكلية الآداب بمكناس ينظم ندوة تكريمية للأستاذ الجليل محمد سبيلا تحت عنوان: مسار مفكر وأستاذ جيل.

كتبها محمد أندلسي ، في 2 أبريل 2010 الساعة: 19:35 م

دعوة عامة للمشاركة موجهة لكل المهتمين بالشأن الفلسفي بالمغرب:

ينظم مسلك الفلسفة بكلية الآداب/جامعة مولاي إسماعيل بمكناس بتاريخ 20 و21 و22 ماي2010 ندوة تكريمية للأستاذ محمد سبيلا، تحت عنوان: محمد سبيلا: مسار مفكر وأستاذ جيل.

 

البرنامج/ محاور الندوة:

 

1- الأستاذ محمد سبيلا ومفكرو عصره:

 

أ‌-    محمد سبيلا محاورا لمفكري عصره من الغربيين ومقربا لأفكارهم:

·  سبيلا وكارل ماركس

·  سبيلا وسيغموند فرويد

·  سبيلا وإريك فروم

·  سبيلا وجان بودريار

·  سبيلا وداريوش شايغان

                              ب- محمد سبيلا محاورا لمفكري المغرب:

·  سبيلا وعبد الله العروي

· 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأمّية الفلسفية

كتبها محمد أندلسي ، في 6 مارس 2010 الساعة: 21:02 م

———————————————
الأمّية الفلسفية

الأمّية الفلسفية

( تعقيب على "الافتراء" المنسوب لأحمد الفوحي- أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب بمكناس- بشأن "الانتحال والتدليس")

والمنشور في بعض المواقع بالشبكة

 

 

 

"يمتدح القريب النزاهة لأنه يحصل منها على مغنمه."( ف.نيتشه). 

"إن الفلسفة لم تنج بعد من روح الانتقام ومن النزعات المحافظة التي تؤرق العصر.".(فرانسوا ليوتار).

 

إن هاتين القولتين اللتين نستهل بهما هذا التعقيب تعكسان بشكل ملموس المقال المنشور في بعض المواقع المعنون ب"في التدليس والانتحال والسرقة الموصوفة" المنسوب لأحمد الفوحي. أقول المنسوب لأحمد الفوحي لأني مع الأسف الشديد أعرف الرجل الذي تنحصر "مواهبه العلمية" في "قل" و "لا تقل"، فهو بالكاد يعرف لماذا رفع الفاعل ونصب المفعول ويعلّم ذلك للطلبة, ولا تربطه بالفلسفة أية رابطة. ومن هنا هذه الملاحظة الأولية: كيف يسمح شخص مهما تكن مكانته العلمية أن يعير اسمه في عملية إقحام واضحة همها الوحيد البوح بالضغائن وتصريف الاختلاف بطريقة عارية عن الأخلاق العلمية التي ينبغي أن يتسم بها كل باحث؟ 

 إن المقال المذكور يتضمن مصادرات مسكوتا عنها سأقوم بتحليلها، وإماطة اللثام عن أقنعتها، وفضح ما تنطوي عليه من تغليط وضحالة فكرية.

- إن الافتراءات التي يتضمنها المقال ليست صادرة عن أستاذ/ باحث يتمتع بكفاءة علمية في التحليل والنقد، وإنما تبدو وكأنها صادرة عن "شرطة الآداب".

- إن الحقد الدفين الذي يفصح عنه المقال ليس موجّها ضد مقالي "مشهد الفلسفة المعاصرة بين انزياح الصورة وصيرورة المفهوم" بل هو يستهدف أساسا مسلك الفلسفة وشعبة علم الاجتماع.

- ليست "إرادة الخير أو الورع أو التقية" هي الهاجس وراء كتابة المقال، بل أكاد أجزم بأن وراءها "إرادات ارتكاسية" آثرت أن تداعب "ضفاف الشر".

ولكي نضع قراء ومتتبّعي الشأن الفلسفي والفكري بصفة عامة، أمام المشهد الكامل لهذا الرد، سنقوم بتأطيره في السياق الذي صدر عنه المقال، الذي أريد له أن يخادع ويستهين، بإرادة "سرقته الموصوفة"، والتي ليست إلا تجسيدا لذات مريضة وأخلاق سوقية. ذلك أن حصيلة ما نسب للرجل كانت مخيّبة لانتظارات القارئ العادي، ومبعثا على الشفقة بالنسبة للمهتم والمتخصص في الشأن الفلسفي والعلمي، كما سنبيّن ذلك بالتحليل والتفكيك. "فالافتراء" ظاهره عبارة عن عملية "تشهير أخلاقي" كلّها شتم وسب واتهام وإدانة- يشهد على ذلك المعجم الذي وظف في المقال، وسنكتفي في هذه المحطة بذكر بعضها، أما عمق "الافتراءات" الواردة في المقال، فيقطر سمّا، وتحرّكه أشدّ الأهواء حقدا وضغينة ضد مفكري الحرية والاختلاف. ويزداد "المكتوب" بؤسا وتعاسة، إذا استحضر القارئ كونه يدّعي ظاهريا الإحاطة بإشكاليات الحقل الفلسفي ويروم تصحيح أخطاء الفلاسفة، بينما هو في حقيقته يشي بضحالة فكرية، وبتخلف معرفي ساطع وصادم ليس في مجال الفكر الفلسفي فحسب، وإنما على صعيد التكوين العلمي أيضا. وهذا ما يجعلنا لا نتردّد بالقول: إذا كانت الفلسفة بالأمس ووجهت من قبل عدو خارجي تجسّده القوى الظلامية الممالئة لسدنة سنوات الجمر التي عرفها المغرب في مرحلة ما، فإن الفلسفة - هنا والآن وتأسيسا على هذا "الافتراء"- تجد نفسها في مواجهة قوى ارتكاسية "جديدة" تستعير قناع  "الأخلاق"، و"الإيمان الديني"، وادعاء "العودة إلى الأصول"، لنسف الفلسفة من الداخل بعد أن باءت بالفشل حملات التحامل عليها من الخارج.

لنتصور أن أستاذا جامعيا، وليكن أحمد الفوحي أو غيره، يعتبر بأن  إقراري على أن ديكارت هو مؤسس "مبدأ الذاتية" في الفلسفة ينم عن جهل بالفلسفة وعمى البصيرة ويناقض ما يذهب إليه كبار الفلاسفة مثل ألان باديو. إليكم بشكل حرفي ما أورده بهذا الصدد في افترائه الذي نقوم بتفكيكه:" وأحيانا أخرى، نجد أندلسي يتقول ويضيف ما لا سبيل إلى إضافته؛ إما بسبب جهله وإما بسبب عمى البصيرة… ومن أين جاء أندلسي بفكرة كون ديكارت مؤسس الذاتية في الفلسفة ؟! فهل رأى ما لم يره آخر كبار الفلاسفة الفرنسيين ألان باديو؟!  " .

 إذا كان المهتمّون بالشأن الفلسفي يجمعون على أن الاختلاف يشكّل السمة الأساسية المميزة للفكر الفلسفي، إلا أنه يمكن القول بالمقابل بأن الاستثناء الوحيد عن هذه القاعدة الذي أجمع عليه الفلاسفة، هو اعتبار ديكارت بمثابة "الأب الروحي" للحداثة، والمؤسس "لمبدأ الذاتية" في الفلسفة. وهذا الإقرار ثابت مند كانط، وهيجل، وصولا إلى ألان باديو، مرورا بنيتشه، وهوسرل، وهايدغر، وفوكو، ودولوز، وليوتار، وهابرماس..إلخ. وهكذا فما أصبح بمثابة بداهة ليس في تاريخ الفلسفة فحسب، بل وأيضا لدى التلميذ المبتدئ بتعلم الفلسفة في القسم الأول من الباكالوريا، يعتبر عند كاتب المقال، شناعة في الفلسفة وعند كبار الفلاسفة. ومما يثير الشفقة، إثباته بأن ديكارت هو صاحب "الكوجيطو" وفي نفس الوقت ينفي كونه مؤسس "مبدأ الذاتية" في الفلسفة. وهذا "عرض" كبير يشي بمدى عمق جهل صاحبنا بالمصطلح الفلسفي ولا يدري بأن كلامه هذا متهافت وينسف نفسه بنفسه. فالكوجيطو كما يعلم الجميع المتخصص وغير المتخصص، ليس سوى صيغة مركّزة لمبدأ الذاتية لدى ديكارت، "فأنا أفكر، إذن أنا موجود" يبيّن لمن يتمتع بحد أدنى من البصيرة والمعرفة، أن شرط الوجود هو التفكير، وأن الكائن الإنساني لا يرقى إلى مرتبة الإنسان إلا حينما يفكر ويحسن استعمال تفكيره وعقله، أي حينما يصبح ذاتا مفكرة واعية حرة، إذ بواسطة التفكير وحسن قيادة عقله يصبح الإنسان سيدا على نفسه وعلى الطبيعة. وظهور "مبدأ الذاتية"(الذي يفيد بمعناه الواسع: النزعة العقلانية والنزعة الفردية والحرية) هو ظهور للحداثة الفكرية في أوروبا. وهذا ما أسسه "الكوجيطو" الديكارتي، لذلك أعتبر بمثابة "الأب الروحي" للحداثة الغربية.

لا يكتفي "المقال" بالدفاع عن كلام شاذ متهافت كما بينا ذلك، بل إنه يهرب "إلى الأمام" حيث يسعى إلى تأسيس جهله بالافتراء على "ألان باديو"- الذي  يوهم القارئ أنه يدافع عنه، بينما هو ينسب إليه تصورا هو على النقيض مما يقوله وتذهب إليه فلسفته. بل أكثر من ذلك، إن "المقال" يستشهد بقولة للفيلسوف تنسف ما نسبه إليه. تقول قولة باديو كما أوردها الفوحي حرفيا :

Car Descartes est l’inventeur philosophique de la catégorie de sujet et le  destin de la philosophie française, sa division même, est une division de l’héritage cartésien. واضح أنّ باديو هنا يعتبر ديكارت- على عكس ما فهمه صاحبنا- بأنه مؤسس مقولة الذات داخل الفلسفة، وهي صيغة فلسفية مركزة لمبدأ الذاتية. وهذا يدفعني إلى وضع موضع تساؤل مستوى صاحب المقال في اللغة الفرنسية. هكذا "ينقلب السحر ضد الساحر"، ويبقى السؤال قائما ويستدعي البحث والتحري عن كيفية وصول أمثال هؤلاء إلى التعليم العالي الجامعي؟ أوليس هذا عيّنة دالة لمن يريد أن يفهم لماذا "نحن نتأخر بينما غيرنا  يتقدّم"؟

فليقل لنا أحمد الفوحي أو غيره ممن أسهم في كتابة المقال، أين قرأوا مثل هذا القول المشين لألان باديو وفي أي مؤلف من مؤلفاته؟ خاصة وأن المقال يريد من خلال ما استعرضه من نتف مختزلة ومعلومات عامة عن سيرة باديو، أن يوهم القارئ أنه ملمّ  بفكره، مع العلم أن ما استعرضه لا ينم عن معرفة واطلاع، وإنما مجرد سرد مختزل لسيرة الفيلسوف الحياتية والفكرية يعثر عليه القارئ في أي معجم فلسفي أو موقع إلكتروني يهتم بسيرة الفلاسفة والمفكرين.

 نشير هنا إلى أنّ أحمد الفوحي ومن يكتب له، كانوا في مقدمة من حاولوا بكل ما أوتوا من قوة- أن يشنوا حملة منظمة أساسها الحقد والضغينة، ضد الفلسفة والعلوم الإنسانية، وذلك عبر الضغط على رئاسة الجامعة وعميد الكلية، للحيلولة دون قيام شعبة علم الاجتماع ومسلك الفلسفة من بعد. وهم يستمدون قوتهم من إرث الحضر وطوله الذي تعرّضت له الفلسفة وعلم الاجتماع، ومن الفراغ القاتل والسنوات العجاف التي مرّت بها كلية الآداب بمكناس كنتيجة لهيمنة الرأي الواحد المستبد بكل القرارات المتعلقة بالكلية، وغياب ثقافة الاختلاف والتسامح ونسبية الحقائق.

 يتعلّق الأمر بمحاولة احتواء الحسّ النقدي عبر تمييعه بزرع "روح الانتقام" والحقد فيه، وتحويل الجامعة من كونها فضاء للتربية على الحوار العقلي، والاستقلال الفكري، والاختلاف في الرأي، إلى فضاء يدين الاختلاف، ويحتمي بالأصول، ويقوم على الولاء، ويكرّس التبعية والوصاية. فسيرة هذه العصابة التكفيرية معروفة عند الجميع، فهم لا يمارسون البحث العلمي، وإنما مهمتهم "اصطياد أخطاء" الآخرين، و"حراسة الأفكار" التي تؤبد التخلف، وتثبيت حق "الملكية الخاصة" في مجال الفكر والمعرفة أسوة بالملكية الخاصة الرأسمالية. لهذا لا يستغرب القارئ إذا لاحظ بأن "رد الفعل" الذي يكشف عنه المقال  لم يكن سوى ذريعة لتحريك ما يتأجج في دواخله من مشاعر الفشل والكراهية والبغضاء ضدّ "أعداء وهميين". لهذا فما ورد في المقال يفتقر إلى الحدّ الأدنى من النضج والبصيرة، إذ كلّه تشهير وإدانة واتهام، ليس اتجاهي أنا فحسب كأستاذ وباحث في الفلسفة،  بل وكما تشهد عليه الوقائع الملموسة بالكلية، تعبّر عن "نية مبيتة" للنيل من سمعة الأساتذة والكلية التي بدأت تستعيد في السنين الأخيرة شيئا من إشعاعها وحيويتها، ونعتقد بأن فتح شعبة علم الاجتماع ومسلك الفلسفة بالكلية قد لعب دورا أساسيا في هذه الحركة المباركة، وذلك بما جلبه هذا المولود الواعد لكلية وجامعة مكناس من مكاسب، تكاد تكون استثنائية في تاريخ الجامعة المغربية. نذكر على سبيل المثال لا الحصر: اقتناء شعبة علم الاجتماع لحافلة من الحجم الكبير من فرنسا ووضعها رهن إشارة كل طلبة الكلّية والجامعة بدون تمييز. تزويد الكلية بحواسب وخزانة من الكتب ذات الجودة الرفيعة في مجال السوسيولوجيا والفلسفة. عقد شراكات مع عدة جامعات وكليات ومؤسسات بالعالم العربي وأوروبا. تمويل عدة مشاريع تتعلق بالبحث، والتدريس، والتكوين، والتأطير..إلخ. ناهيك عن المكاسب المعنوية التي بدأت تلوح في الأفق والتي يمكن تلخيصها في تأصيل "مبدأ الاختلاف" في الرأي داخل الكلية.

لكلّ الاعتبارات الآنفة الذكر، لا يتمتّع مقال  صاحبنا بأي قيمة معرفية أو أخلاقية، وإنما هو عبارة عن "بيان انتقام وتصفية حساب"، يستهدف أساسا ليس مقالي "مشهد الفلسفة المعاصرة"، وإنما اتخذ من المقال مطية وذريعة لتشويه صورة مسلك الفلسفة وأساتذته، وللتهجّم على شخصي باعتباري رئيسا لشعبة علم الاجتماع ومسلك الفلسفة، بأسلوب كلّه بغضاء واتهامات وشتائم، من قبيل: "التدليس، الانتحال، السرقة الموصوفة، السطو، النسخ، التضليل، التمويه، التحايل، الجهل، المجرم، الجريمة…".

لهذا وتأسيسا على هذا المستوى الأول من "بيان المقال"، أصادر بأنّ "البيان" هو إملاء

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نيتشه في قراءة محمد أندلسي

كتبها محمد أندلسي ، في 5 مارس 2010 الساعة: 22:36 م

 

نيتشه في قراءة محمد أندلسي:"عبقريتي تكمن في أنفي، إنني أتشمم آفات البشر"

 
 

"ما من مفكر أشد إخلاصا من نيتشه" كتب إميل فاكيه، ولكن أيضا ما من مفكر أكثر إثارة للجدل والخصام من هذا الفيلسوف الألماني الذي تجاوز التقاليد السائدة في دولة بروسيا، وسخر من الفلسفات القائمة ونفاقها الأخلاقي.

 

 

 

 

 

 "نيتشه وسياسة الفلسفة" للباحث المغربي محمد أندلسي، هو آخر كتاب صدر عن نيتشه في العالم العربي، ولربما أفضلها أيضا. لم يجد نيتشه في الثقافة العربية صدى كبيرا، وتم النظر إليه دائما كفيلسوف فردي مغرق في فرديته وتطرفه، ولربما يرجع هذا بالأساس إلى طبيعة هذه الثقافة التي تميل إلى معاقبة كل من يخرج على هويته ويسخر منها، نتيجة لقربها في دوغمائيتها ومحافظتها من التقاليد البروسية. وقد يعود ذلك أيضا إلى سخرية نيتشه من الأديان ومن نفاق رجال الدين، والسبب الخامس قد يكون خمول هذه الثقافة ورفضها لكل جديد، واستسلامها لاجتهاد السلف. أسباب كثيرة، لربما هذه بعضها فقط ولربما أيضا هي أقل تلك الأسباب أهمية. لكن هذا لم يمنع بعض الباحثين العرب من الإقبال على دراسة نيتشه، وإن لم يكن بذلك التفصيل والإخلاص الذي نقف عليه في كتاب محمد أندلسي.

 

التفكير عن طريق الجسد: "ضد ديكتاتورية العقل"كتاب م�مد<br />
أندلسي، الصادر مؤخرا عن دار توبقال

 

Bildunterschrift: Großansicht des Bildes mit der Bildunterschrift:  كتاب محمد أندلسي، الصادر مؤخرا عن دار توبقال

 

لا أبالغ إذا أشرت بأني استمتعت بكتاب الباحث المغربي وبجرأته وأسلوب طرحه ومعالجته للمتون النيتشوية، مقارنة بآخر ما صدر عن نيتشه في ألمانيا، وهو كتاب "الإنجيل الخامس لنيتشه" لأستاذ الفلسفة بيتر سلوتردايك، والذي يدافع عن فكرة تتناقض ورأي الباحث المغربي، ويرى بأن نيتشه أسس حقيقة جديدة وإنجيل جديد. سلوتردايك، لا يفعل في كتابه سوى نقل رأي مارتين هايدغر، الذي وجد في نيتشه آخر رموز الميتافيزيقا وهو ما يرفضه الباحث محمد أندلسي، وقبله رفضته القراءة الفرنسية لنيتشه.

 

لكن مع ذلك تتمثل أهمية كتاب سلوتردايك في نقده للتحريف النازي لنيتشه، مؤكدا بأن النازيين صنعوا نيتشه على مقاسهم، فصاحب زرادشت ظل دائما معاديا للقومية النازية، ولألمانيا إلى حد كبير في تفكيره وحياته وطريقة كتابته. كما أنه "معاد أكثر من اللزوم لمعاداة السامية"، ولكل الإيديولوجيات التي تحتقر الفرد وتحد من عفويته وانطلاقه، وترسم له حدودا أخلاقية صارمة، لا يسمح له بتجاوزها، بل ويتم الإيحاء إليه على أنه هو من رسمها لنفسه، وتلك أعلى درجات الإرتكاسية والكسل الفكري حسب نيتشه. لهذا رفض نيتشه، كما كتب محمد أندلسي "الدور الذي لعبه العقل في الفلسفة، حيث تحول إلى مستبد يمارس الإقصاء والإبعاد على اللاعقل، في حين أن استعماله المشروع يقتضي أن يستعمل بمعية الغرائز، جنبا إلى جنب، لكي يؤديا دورهما في تناغم".  ولهذا اتهم نيتشه فلسفات عصره، وعلى رأسها المثالية الألمانية "بإنكار الحياة"، ودعا إلى تأسيس فلسفة جديدة تقبل على الحياة، فلسفة لا تتحقق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شروط تأسيس فلسفة نقدية حول خطاب “حقوق الإنسان”

كتبها محمد أندلسي ، في 5 سبتمبر 2009 الساعة: 12:12 م



 

شروط تأسيس خطاب فلسفي نقدي حول "حقوق الإنسان"*

 

يبدو أنه من الضروري في اللحظات التاريخية الحاسمة التي يجتازها العالم بصفة عامة، والعالم العربي الإسلامي بصفة خاصة، أن نقف لحظة تساؤل حول ما يسمى بحركة حقوق الإنسان، لأنه إذا ما جعلناها مجرد شعار، فإننا سنعرّض هذه الحركة الحقوقية رغم جاذبيتها السياسية، إلى السقوط في حبال الإيديولوجيا، مما يعرّضها للسقوط والأفول.

من هذا الاعتبار يبدو لنا أن التساؤل الفلسفي حول الإحالة إلى الحق وعودة حقوق الإنسان بصفة عامة، ليس فقط تساؤلا مشروعا على المستوى الفلسفي، من حيث أنّ فعل التفلسف يتحدّد بما هو تفكير في الكائن وأنطولوجيا للحاضر؛ ولكنه ضروري أيضا على المستوى السياسي إذا سلّمنا أن التاريخ المعاصر قد كان في معظم الأحيان مسرحا لكثير من المشاريع التحرّرية التي انقلبت إلى أضدادها، لأنها لم تتخذ الحذر اللازم ولم تأخذ الوقت الكافي للتفكير.

لنحلّل في البداية وباقتضاب هذه الإحالة إلى الحق كممارسة عادت من جديد إلى الواجهة بعد ما كانت موضوعا للشبهة والرفض، لنبرز ما يمكن أن يشكّل داخلها موضوعا للسؤال والتفكير الفلسفيين. فهذه الممارسة أصبحت تشكّل اليوم بالنسبة لليسار السياسي أساسا صلبا لمواجهة الاضطهاد، وشمولية الأنظمة السياسية على أرضية الحق، أو للاعتراض على القوة باسم الحق.

فعلى مستوى العلاقات الدولية، على سبيل المثال، نجد أنّ إدانة التدخل الإمبريالي الأمريكي اليوم في أفغانستان والعراق تتم باسم حق الشعوب في تقرير مصيرها، هذا في الوقت الذي كان فيه نقد الإمبريالية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي لا يتم بالإحالة إلى مبادئ حقوقية، بقدر ما كان يصدر عن رؤية تستشرف المستقبل من خلال منظور غائي يبشّر بقدوم الاشتراكية.

إنّ الاحتجاج على القوة باسم الحق حاضر كذلك على مستوى العلاقات بين الأفراد أو بين المجتمع والدولة، وذلك من خلال نشاط الجمعيات الحقوقية المختلفة.

إنّ أهمية هذا التحوّل الذي طرأ على المشهد السياسي المعاصر، يمكن قياسه بسهولة بالمقارنة مع ما كان يهيمن في العقود السابقة على صعيد الممارسة التحررية والحركة المطلبية. لقد كانت الإحالة هنا تتم باسم موقف ماركسي ينتقد الحق باعتباره مجرّد وهم موجّه لتكريس واقع الاستغلال والتستر عليه.

إنّ التغيير الذي طرأ على المشهد الثقافي والسياسي المعاصرين، بالانتقال من السعي لتجاوز القانون وإقامة مجتمع لا طبقي، إلى إعادة الاعتبار للقانون وإلى الحق كقيمة عليا، هو إذن تغيير نوعي هام. ويمكن الإقرار بهذا التحوّل إذا ما أمعنا النظر في فكرة الحق، وفي التمثّل الذي تكوّنه حوله وتحمله معها هذه الدعوات إلى القيم الحقوقية. إذ لا يتعلّق الأمر هنا بالدعوة إلى مجرد تطبيق الحقوق التي يتضمّنها الدستور، حتى وإن كان هذا المطلب يشكّل الخطوة الأولى في إطار نقد داخلي لقوانين الدولة، وإنّما هو في عمقه واستراتيجيته دعوة لمشروع تحرّري يتم باسم حقوق الإنسان.

إذا كانت هذه الدعوات تأخذ شكل دعوة إلى حقوق الإنسان، فمن المؤكّد أن ذلك مفهوم لأنّ الشمولية أو التوتالتارية التي صارت بمثابة الظاهرة السياسية الخاصة بالقرن العشرين، تتحدّد من حيث هي نفي كلّي لحقوق الإنسان. غير أنه مع ذلك تنطوي هذه الدعوة على تناقض، بحيث لا يمكن لمن يفكّر اليوم في موضوع حقوق الإنسان أن يتخلّى عن كلّ ما تضمّنه النقد الماركسي للحق، وخاصة تشديده على ضرورة التسلّح بموقف الحذر إزاء الحق القائم، أي الحق الذي تحدّده القوانين الوضعية، والذي تبقى علاقته المتواطئة مع جهاز الدولة واضحة، تمنع من اتخاذه وبصفة دائمة قيمة مرجعية للدفاع عن الفرد أو المجتمع أو الشعب ضدّ هذه الدولة. فحتى يتسنى للحق أن يشتغل فعليا كقيمة مشتركة بين مختلف تنظيمات المجتمع المدني، أو بين مختلف المجتمعات، ولكي يكون بمثابة مرجع مشترك للحوار والنقاش وللتواصل، يجب أن يظهر في بعده الشمولي وكشكل من أشكال الكونية، فيما وراء المصالح السياسية والإيديولوجية الخاصة بهذا التنظيم أو ذاك، بهذا المجتمع أو ذاك. بمعنى يجب على الحق أن يظهر كمعيار مرجعي شمولي.

وحينما نتأمّل الحق القائم، أي الحقوق المعترف بها قانونيا نلاحظ أنه وعلى المستوى العملي لا يمكن أن يدّعي هذه الكونية، لأنّه على الأقل يتعارض مع حق الأقلّيات المضطهدة، والتي تضطر إلى إدانته للاعتراف بها. لكن يجب أن نشير إلى أن نقد هذه القوانين الظالمة يتم دوما وبصفة ضمنية باسم مبادئ أخرى للحق، والذي يعبّر عن نفسه في تقليد الحق الطبيعي ، الذي عثر على تتويجه التاريخي في إعلانات حقوق الإنسان، أي الحقوق الطبيعية للإنسان بما هو إنسان.

يجب أن نسجّل أوّلا، أنّ تلك الحقوق صادرة عن إعلانات وليس مؤسسات. وهي ليست مبتكرة من قبل دولة من الدول، بل هي في الأصل تصورات فلسفية تمّ تكريسها والمصادقة عليها لاحقا من قبل الدولة في مرسوم تنحصر مهمّته في إظهار حقوق معترف بها كحقوق كانت موجودة على الدوام. فهذه الحقوق إذن تستمدّ قيمتها في كونها تظهر مسبقا كحقوق خارج الدولة ومفروضة عليها من فوق. لهذا الاعتبار التاريخي الذي يوجد في أصل نشأة حقوق الإنسان، تفهم اليوم العودة إلى الحق وتفعيل المطالب الحقوقية باعتبارها دفاع عن الفرد والمجتمع المدني ضدّ الدولة وأجهزتها ومؤسساتها.

غير أنّ هذه الحركة التي تعمل على تنشيط الإحالة إلى حقوق الإنسان هي حركة متناقضة، وذلك من جهة، لأنّ حقوق الإنسان كانت قد اختزلت من قبل التحليل الماركسي مند صدور كتاب المسألة اليهودية إلى حقوق الإنسان الأناني المعزول عن الجماعة، وإلى حقوق تعبّر عن المصالح الخاصة بالمجتمع البورجوازي، ممّا يجعلها بحكم طابعها التاريخي–الطبقي ليست لا كونية ولا شمولية. ومن جهة أخرى، فإنّ تنصيب الإنسان كقيمة عليا وكمصدر للتقويم ولكلّ القيم من شأنه أن يكرّس تصوّرا ميتافيزيقيا للإنسان يجعل منه كائنا ذو ماهية وذو طبيعة ثابتة. وهذا يجعل الإحالة إلى حقوق الإنسان تنتمي بطريقة مباشرة إلى النزعة الإنسانية وهي أحد مخلّفات ميتافيزيقا الذاتية، بل هي مظهر إيديولوجي أساسي للمركزية الغربية، إذ باسمها تم تبرير استعمار الشعوب، وفرض الهيمنة على مقدراتها الاقتصادية، وباسمها اليوم، يتم تبرير التدخل في شؤون بعض الدول.

إنّ الإشكال الذي يطرح ذاته- ونحن بصدد تحديد الشروط النظرية لإمكان التفكير الفلسفي في موضوع حقوق الإنسان، ومن خلال ذلك تبيان في أي شروط يمكن للعمل الحقوقي أن يكون ذا مصداقية وفاعلية- هو كيف يمكن لخطاب حقوق الإنسان أن يتحرّر من التصور الماهوي للإنسان الذي يوجد في أصل إعلان حقوق الإنسان سنة 1792؛ ومن التصوّر التاريخاني للحقوق الذي يوجد في أساس فلسفات التاريخ الهيجلية والماركسية على حدّ سواء؛ وفي الوقت نفسه كيف يستطيع هذا الخطاب، أن يحافظ على البعد الكوني للحق، وعلى موقف الحذر من الحق الوضعي الذي يوجد في أساس النقد الماركسي للحق؟

إنّ توضيح هذه المفارقة يتطلّب منّا من جهة، أن نحرص على تحقيق نوع من التلاؤم بين خطاب حقوق الإنسان، وبين أبرز مكوّنات وخصائص الفكر المعاصر، والمتمثّلة أساسا في مناهضة النزعتين التاريخانية والإنسانوية.

إنّ التأصيل النظري الفلسفي لخطاب حقوق الإنسان يقتضي اليوم وضع موضع تساؤل ونقد جذريين، كلاّ من النزعة التاريخانية، والنزعة الإنسانوية، وذلك لل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مفارقات مفهوم الحق وشروط إمكان تفكير فلسفي في مسألة “حقوق الإنسان”

كتبها محمد أندلسي ، في 7 فبراير 2009 الساعة: 21:41 م


مفارقات مفهوم الحق وشروط إمكان تفكير فلسفي في مسألة "حقوق الإنسان"

1- مفارقة مفهوم الحق:

إنّ الكينونة التاريخية للإنسان الحديث تتحدد بالتوتر بين مطلبين:مطلب الوجود الاستعجالي لدولة قوية تنتشل المجتمع من هشاشة حالة الطبيعة؛ ومطلب البحث عن الحرية عن طريق الإقرار بنظام حقوق الإنسان. ونظرا لكون الدولة الحديثة اتخذت من الحق أساسا للعلاقات الاجتماعية، ومعيارا لتقعيد تلك العلاقات وضبطها، فلقد صار الحق هو رهانا للتوتر، ومركزا للصراع داخل المجتمع الحديث. ويكشف المسار الممتد من بداية الحداثة إلى الآن، عن المفارقة التالية: فمن جهة تمّت تقوية الدولة إلى أن بلغت هذه الدولة أوجها في التجربة السياسية للأنظمة التوتالتارية؛ وهناك من جهة أخرى التنامي المتزايد للمطالب الحقوقية، والحاجة إلى إعادة تثمين خطاب حقوق الإنسان كواجهة مستقلّة لمواجهة اضطهاد الدولة وتعسّفاتها وخروقاتها. ويعكس هذان التوجّهان التوتر المحايث لبنية النظام الاجتماعي الحديث، إذ تتشكّل هذه البنية من ثنائي المجتمع المدني والدولة: حيث الفضاء الأول يغطّي مجال الإنتاج والتبادل بمختلف أشكاله الاقتصادي والاجتماعي والرمزي، إنّه نسيج معقّد من علاقات الشغل والحياة العائلية والاجتماعية والثقافية. بينما يجسّد الفضاء الثاني الذي هو فضاء الدولة، لحظة التجسيد لشرعية معترف بها ومتعاقد عليها، مهمّتها الأساسية التعبير عن "الإرادة العامة" وتدبير المصالح الخاصة وحماية المصلحة العامة المشتركة والحفاظ عليها، وتشريع القوانين وإعلانها.

ويعتبر التمايز والاختلاف بين المجتمع المدني والدولة تمايزا واختلافا أساسيا في التنظبم المجتمعي الحديث، بل إنّ العلاقة بينهما ظلت دائما علاقة إشكالية، خاصة فيما يتعلق بحدود كل منهما، وبطبيعة النتائج التي يمكن أن تترتّب عن طمس تلك الحدود والخلط بين المجتمع المدني والدولة.

فهذا "هوبز"- وهو أحد مؤسسي نظرية الدولة الحديثة- يقيم تعارضا بين ما يسمّيه "الجمهور" la foule وهو كثرة بلا كيف ولا تنظيم، مثير للحروب الأهلية؛ وبين "الشعب" le peuple بما هو مجموع منظّم وقار لا تقوم له قائمة إلا بالدولة. كما أنّ العكس صحيح حيث الدولة لا توجد إلا بواسطة المجتمع، وإذا حاولت أن تتماهى مع المجتمع أو تحلّ محلّه، فستتحوّل إلى نظام شمولي مبتلع للروابط الاجتماعية ومهدّم للعلاقات بين الأفراد.

هذا التوتر الموجود بين الدولة والمجتمع المدني هو الذي جعلهما يتعرّضان منذ القرن 19 لنقد جذري، يؤاخذ "الدولة" بكونها تمثّل جهازا قمعيا وأخطبوطيا، ويؤاخذ "الحقوق" التي يطالب بها المجتمع المدني بكونها حقوق مجرّدة ووهمية ومنحازة.

هذا التوتر سيعثر على انعكاسه في الطابع الملتبس لمفهوم الحق والذي سيشكّل موضوع سجال فلسفي وسياسي بين نظريتين هما: نظرية السيادة ونظرية الحق الطبيعي، وهما مصدران مؤسّسان للحداثة السياسية.

نظرية السيادة la théorie de la souveraineté التي يمثّلها كل من "ماكيافيل"، و"هوبز"، و"روسو"، تشدّد على أنّ الحقوق هي تلك التي تجسّدها قوانين الدولة، فتطالب باحترام تلك القوانين بالخضوع لها.

نظرية الحق الطبيعي la théorie du droit naturel التي يمثّلها كل من "مونتسكيو" و"جون لوك" تطالب بحقوق طبيعية لا تتوقف على الدولة ولا تختزل في القوانين. إنّ هذا التوتر ينطوي في ثناياه على صراع بين مشروعيتين، أو بالأحرى بين نموذجين من المجتمع: النموذج الأوّل هو سياسي- قانوني في شكله، حربي في عمقه؛ والنموذج الثاني هو اجتماعي- اقتصادي، ليبرالي في توجّهه. إنّ الاختلاف بين النظريتين يجد تعبيره في الطابع الإشكالي للدولة الحديثة. بالنسبة لماكيافيل وهوبز وروسو فإنّ ماهية الدولة متضمّنة في مفهوم السيادة الذي يتصف بطابع مطلق، إذ الدولة في نظرهم يجب أن تتوفر على سلطة مطلقة متجسّدة في حق التشريع وإعلان القوانين. فالحق المشرّع، الحق المتجسّد في القوانين هو التعبير الملموس عن هذه السلطة. فبفضل هيمنة هذه القوانين تمكّن الدولة المواطن من العيش في أمن وأمان. أمّا بالنسبة لمونتسكيو ولوك فهما ينفران من استعمال مفهوم السيادة، لما ينطوي عليه من إكراه وتجريد ومفارقة، ويدعوان إلى الفصل بين السلطات بهدف تحقيق نوع من التوازن بين الدولة والمجتمع المدني، بين القوانين والحقوق السابقة عليها.

إنّ هذا الاختلاف بين النظريتين يطال أيضا تصوّرهما للحق، فمكانة الحق لدى مونتسكيو ولوك غير قابلة للاختزال في صورته القانونية، حيث يتم التفكير فيه بكيفية تجعله مرتبطا بالتصور الأنتروبولوجي للإنسان أكثر من ارتباطه بالتصور القانوني للدولة أو للمواطن. فالإنسان يتحدد لدى لوك باعتباره الكائن الذي يتمتّع بحقوق من حيث هو كائن اجتماعي بطبعه، وبحكم ذلك فهي حقوق سابقة على الدولة والقانون. في حين نجد أنّ هوبز ومعه ماكيافيل يشدّدان على "الطبيعة اللاجتماعية" للإنسان، وعلى أنّ "اجتماعيته" ليست معطاة وإنّما يتم تنشئته عليها، بتعويده الخضوع لمؤسسات الدولة والامتثال لقوانينها.

إنّ الاختلاف بين النموذجين، "النموذج الحربي" و"النموذج الاقتصادي" يكتسي في موضوعنا هذا أهمية قصوى لفهم، ليس فحسب الانتقادات الجذرية التي تعرّضت لها صورة الدولة بل ومفهومها من قبل ماركس وهايدغر وفوكو..إلخ، بل وأيضا من أجل فهم السجال الفكري الساخن في الفكر المعاصر حول مفهوم الحق وحقوق الإنسان.

قلت إنّ معرفة الاختلاف الموجود بين التصوّرين المؤسّسين للدولة الحديثة هام جدّا، لأنه في الحالة الأولى، وعلى ضوء التصوّر الأوّل لنظرية السيادة، يبدو الحق كامتداد للفعل المؤسّس للحاكم في سلطته، أي يبدو كحق صادر عن من يمتلك السلطة العليا في إصدار القانون وفي تنفيذه. يقول ماكيافيل في كتابه "الأمير" Le prince :"هناك طريقتان في المقاومة، الواحدة تتم بواسطة القوانين، والأخرى تتم بواسطة القوة(…)لكن بما أنّ الأولى لا تكفي للمقاومة يجب اللجوء إلى استعمال الثانية. من هنا يبدو أنّه من الضروري للأمير أن يحسن ممارسة الإثنين معا". إنّ الحق هنا يتسم بطابع قانوني صرف، إنّه يتجسّد في الحق الوضعي القائم. أمّا في التصوّر الثاني للحق الطبيعي، فإنّ الحق يبدو كخاصية محدّدة لوضعية الكائن الإنساني، وهو امتياز فردي وحق طبيعي يوجد في استقلال عن انتماء الفرد للجسد السياسي.

إنّ هذا التوتر الملاحظ بين الدلالتين المختلفتين بل المتعارضتين للفظ الحق، نلمس حضوره وبشكل جلي في ديباجة إعلان حقوق الإنسان سنة 1789 إبّان الثورة الفرنسية. فعنوان الإعلان يتحدّث عن "حقوق الإنسان والمواطن"، أي يتحدّث عن حقوق لا هي بالقانونية الصرفة، ولا هي بالطبيعة الخالصة، فهي إذن تنطوي على الصعوبة المتمثّلة في إدراك الحق، من جهة باعتباره مرتبطا بالإنسان بما هو كائن طبيعي موجود بشكل سابق على أي تنظيم سياسي وأي نظام قانوني؛ ومن جهة أخرى باعتباره حقا صادرا عن هيئة قانونية مهمّتها تقعيد وتنظيم العلاقات بين الناس.

هكذا فالتقليد الماكيافيلي المتمحور حول نظرية السيادة- والذي تستلهمه فرنسا وأوروبا باستثناء بريطانيا- يمكّننا من إجلاء جينيالوجيا الدولة الحديثة في صورتها القانونية خلال القرن 19، كما يمكّننا من فهم طبيعة الانتقادات التي و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

النموذج الارتكاسي وآفة الحوار الثقافي في الإسلام

كتبها محمد أندلسي ، في 11 مارس 2004 الساعة: 10:34 ص

1-  دور الثقافة في تكوين النماذج البشرية:
 
يمكن تعريف الثقافة باعتبارها نشاطا يروم "ترويض" الكائن الإنساني وإخضاعه لعملية "اصطفاء". كعملية "ترويض" تسعى الثقافة إلى تمكين الإنسان من السيطرة على "قواه الارتكاسية" عبر تفعيل ردود فعلها. أمّا في جانبها "الاصطفائي" فهي تسعى إلى تكوين الإنسان القوي والفاعل والحرّ ، أي تكوين الإنسان القادر على الوعد والوفاء بالوعد.
لترويض الإنسان واصطفائه توظف الثقافة عدة وسائل وإجراءات، نذكر من أهمّها:
أ‌-                 تقوية وعي الكائن وشعوره عن طريق مدّه بالطاقة الضرورية لاشتغاله وتجدّده، وكذا للحفاظ على سيولة الوعي ويقظته وطراوته، ويتم استمداد تلك الطاقة من اللاشعور. بالإضافة إلى ذلك، تلتجئ الثقافة لتقوية وعي أفرادها إلى تزويدهم بملكتين ضروريتين هما: ملكة النسيان التي هي بمثابة جهاز تلطيف يسهر على سلامة الصحة النفسية للكائن الإنساني. ثم ملكة الذاكرة، بما هي "ذاكرة واعدة بالمستقبل" وليست "ذاكرة للانتقام لجروح الماضي". إنّها ذاكرة تمدّ الإنسان بالخبرات والتجارب الضرورية لاستشراف المستقبل. إنها بكلمة واحدة، "ذاكرة الإرادة والوعد".
ب‌-            الإجراء الثاني والأساسي الذي توظفه الثقافة بهدف تكوين "الإنسان الحر القادر على الوعد"، هو العدالة. آلية الثقافة لتحقيق العدالة هي "العقاب" Le châtiment. ويعني العقاب هنا – في سياق هذا المفهوم التكويني والتنشيئي للثقافة –  توظيف الألم واستعماله "كعملة للتبادل والمقايضة"، بحيث يمكن صياغة "معادلة العقاب" هذه على النحو التالي: « Dommage causé=Douleur subie ». فالإخلال بوعد مقطوع، أو إحداث ضرر ما للجماعة، يقتضي تسديده بواسطة الألم. وهذا يعني أنّ "مبدأ الدّين"  principe de la dette يوجد في أساس العلاقة الاجتماعية، إذ تتحدّد العلاقات بين الناس داخل المجتمع باعتبارها "علاقة الدائن بالمدين" Rapport d’un créancier et d’un débiteur. إذن فعلاقة الدائن بالمدين تعبّر عن نشاط الثقافة في عملها الترويضي والاصطفائي، وهي صورة للعلاقة الأوّلية والابتدائية والتي توجد في أساس كلّ تنظيم اجتماعي. وتعني هذه العلاقة بأنّ الإنسان يدفع ويسدّد بألمه ثمن الضرر أو الخسارة التي قد يلحقها بالجماعة أو المجتمع، وذلك لأنّه مادام "كائنا حرّا"، فهو مسؤول عن قواه الارتكاسية. الثقافة إذن كعدالة، تسعى إلى تكوين الإنسان المسؤول عن "دينه"sa dette اتجاه الآخرين.
وكخلاصة للقول، فإنّ الدور المبدئي للثقافة – بما هي نشاط نوعي تكويني للإنسان- هو عبارة عن عملية ترويض واططفاء. إنّ الوسيلة التي تشغّلها الثقافة لتحقيق ذلك هي "العدالة" بما هي "معادلة العقاب"، و "علاقة الدّين"، و"الإنسان المسؤول". إنّ الهدف الأساسي والأسمى الذي يسعى إليه النشاط الثقافي هو تكوين الإنسان: الفاعل، الحر، المستقل، القوي، القادر على الوعد والوفاء بالوعد.
الثقافة إذن كنشاط نوعي تكويني للإنسان تحقّق العدالة عن طريق ترويض القوى الارتكاسية داخل الإنسان بجعله مسؤولا عنها. الثقافة بهذا المعنى لا تولّد الضغينة أو الانتقام، ولا تنتج الوعي الشقي. وهو الذي يعني أنّ الدور المبدئي للثقافة – التي تلتجئ إلى العقاب كوسيلة لتحقيق العدالة – يتمثّل أساسا في تحرير الإنسان من الحقد والضغينة Le ressentiment ، وتحريره من الوعي الشقي، أو من الإحساس بالذنب La conscience malheureuse. ليس الهدف إذن من "العقاب" – الذي تستعمله الثقافة لتحقيق العدالة – هو أن توقظ لدى الجاني أو المدين "الإحساس بالغلط أو الذنب". كما أنّ هذا العقاب لا يولّد لدى الجاني"الحقد" أو "روح الانتقام". بل إنّ وظيفة هذا العقاب –منظورا إليه من خلال وعبر القرون الطويلة التي استغرقها تكوّن الكائن كإنسان- هو الذي أخّر عملية تكوّن الإحساس بالذنب والشعور بالمهانة والرغبة في الانتقام. أي إنه هو الذي كبح جماح القوى الارتكاسية وأخّر عملية سيطرتها على الإنسان، وبالتالي ظهور ما سنسمّيه ب "النموذج الارتكاسي". هكذا فالثقافة كعدالة تعمل على تكوين الإنسان الفاعل، الحرّ، القوي، بينما الثقافة كتنميط وكضغينة ووعي شقي، فهي تعمل على فرز الكائن الانفعالي، أي النموذج الارتكاسي.
إنّ الثقافة خلال التاريخ، وبعد أن خضعت لتأثير مؤسسات الدولة والكنيسة والمذاهب والإيديولوجيات، تمّ تحريفها عن دورها المبدئي التحريري، فأصبحت في خدمة القوى الارتكاسية بعد أن مكّنتها من الهيمنة على الإنسان.
وعلى العموم يمكن التمييز بين ثقافتين:  ثقافة الانغلاق وثقافة الانفتاح. بحيث إن نظرة الأنا إلى الآخر تختلف باختلاف طبيعة تلك الثقافة وطريقة التعامل معه. إلا أنه بصفة عامة يمكن القول بأن المنظورات تتراوح في هذا الصدد بين موقفين هما على طرفي نقيض وتعارض: فإما انغلاق تام وإما انفتاح أقصى. فالمنغلق ينظر إلى غيره من خلال هويته الدينية، أو القومية، أو الثقافية، أو الإثنية …وهو يحكم عليه أو بالأحرى يحاكمه على هذا الأساس. فهو يعترف به ويتماهى معه كلما كانت هويته أقرب إلى هويته، وإلا فهو ينبذه إلى "خارج" باعتباره يمثّل "المغايرة الجذرية" أو "الاختلاف الوحشي". إذن فالمنغلق على ذاته ومعتقده ينفي الآخر ولا يعترف له بحق في أن يكون مختلفا عنه، إذ الاختلاف في نظره هو ضد الهوية ونقيضها، لأنه هو ما يتهددها ويعمل على استتباعها أو نفيها. أما المنفتح فإنه ينظر إلى غيره أو آخره من ذوي الهويات الأخرى نظرة مغايرة، فيتقبله ويرى فيه مكمّلا أو مماثلا له.بل قد يتماهى معه أو يتوحد به؛ وذلك بصرف النظر عن فوارق اللغة، أو العرق، أو الدين، أو الثقافة، أو أي انتماء آخر. ذلك لأن مفهوم الأنا أو الآخر من زاوية هذا المنظور المنفتح، لا تستنفده هوية معينة، ولا تستهلك كينونته صفة خاصة، ولا ينطق بحقيقته اسم واحد أو رمز واحد، بل هو يملك هوية مركبة، لها وجوه مختلفة وأبعاد متعددة.
ولا يخلو أي مجتمع أو ثقافة من نموذج من هذين النموذجين، على أن النموذج المنغلق والذي سننعته بالنموذج الارتكاسي le modèle réactif ، هو النموذج المهيمن والغالب؛ بينما  المنفتح والذي سنلقّبه بالنموذج الفاعلle modèle actif يشكّل ندرة أو أقلية، ومثالا يندرج ضمن ما ينبغي أن يكون عليه واقع الإنسان مستقبلا أكثر ممّا يشير إلى الوضع السائد.
 يقوم المسعى التيبولوجي-الجنيالوجي بعملية تشخيص أعراض النصوص والخطابات والمواقف، بإرجاعها إلى القوى التي تصدر عنها وتستعملها وتستثمرها، وذلك انطلاقا من التمييز بين القوى الفاعلة والقوى الارتكاسية، حيث يتم ترتيب تلك القوى وتنظيمها في نماذج تمثيلية، والصعود بتلك النماذج إلى أصولها الجنيالوجية أي إلى شروط ظهورها وطبيعة إرادة القوة التي صدرت عنها. فيتم التمييز بين نمطين من إرادة القوة أو نظرتين إلى الذات والآخر والحقيقة: فإما انغلاق على الأنا واستبعاد لوجود الآخر، وإما انفتاح على الغير واعتراف له بحق وقسط من الوجود. إما الاكتفاء الذاتي واعتبار الذات مصدر كل معرفة وعلم وحقيقة، وإما التفاعل الإيجابي مع الغير بالاقتباس عنه والإفادة منه تجربة وفكرا ومعرفة.
وتوخيا للإيضاح سنبدأ أولا بالتعرف على النموذج الارتكاسي من حيث شروط نشأته وتكوّنه، وطبيعة بنيته وتركيبه، وكذا سماته السيكلوجية والأخلاقية والجمالية، لكي ننتهي إلى المنطق المتحكّم في فكره واستدلالاته والفلسفة التي يصدر عنها في تصوره للأنا والآخر والحياة. ولا نخفي على أننا في هذا التحليل نستلهم الفلسفة النيتشوية وخاصة في جانبها المتعلق ب "سيكلوجيا الأعماق" ومنهجها الجنيالوجي الذي بلوره نيتشه في مؤلفه"جنيالوجيا الأخلاق" la généalogie de la morale. وفي الحقيقة فإن استلهام "مفكري  الاختلاف" أمثال نيتشه وهيدغر ودولوز وبلونشو وفوكو ودريدا وغيرهم ، يقتضي كما يرى الخطيبي ليس الانفتاح على أساليب تفكيرهم فحسب، بل يجب أيضا توظيف استراتيجياتهم وآلتهم الحربية ووضعها في خدمة الصراع الفكري الذي نخوضه [1].
2- تحليل النموذج الارتكاسي:
 إن ما يميز الإنسان في نظر نيتشه عن غيره من الكائنات الحية الأخرى، هو أنه الكائن الوحيد الذي قد تنقلب فيه الحياة ضد نفسها. فهو الوحيد الذي له قابلية واستعداد لكي يصير ارتكاسيا، فيقاوم الحياة ويعلن الحرب على شروطها ويعمل على استئصال شأفة الرغبة فيها. هذا النزوع الارتكاسي يتمثل إذن في تبخيس الحياة. وهذه النزعة تبقى استعدادا لدى الإنسان لأنه كائن رغبة وإرادة، رغبته عوز أبدي وإرادته لا محدودة ولا نهائية مما يجعله يبتعد باستمرار عن ذاته. وفي هذا الابتعاد عن الذات توجد إمكانية الانحراف أو الانحلال la dégéneressence  والتي في مداها الأقصى قد تتخذ شكل "إرادة الإرادة"، أي شكل إرادة عدمية ورغبة في الموت [2].فلنقل إذن بأن هذه القابلية الارتكاسية تفيد بأن الإنسان تحذوه قوى ارتكاسية des forces réactives قد تجد مصدرها في اللغة أو في الاجتماع أو الوعي أو الذاكرة…فالذاكرة مثلا هي قوة فاعلة حينما تكون ذاكرة للمستقبل، وحينما تكون مستودعا احتياطيا يمدّنا بالطاقة الضرورية للخلق والابتكار والتجديد. لكنها قد تصير قوة ارتكاسية حينما تغدو نكوصية مشدودة إلى الماضي حيث تغلق نوافذها التي تطل بها على الحاضر والمستقبل. الوعي أيضا يمكن أن يصير ارتكاسيا حينما يصبح وعيا شقيا فيكون مصدرا للألم وللكراهية والحقد [3]. كما أنه في أصل الحياة داخل المجتمع توجد إرادة ارتكاسية une volonté réactive تتمثل في "هستيريا الخوف من الآخر" La xénophobie التي تسري داخل كل فرد من أفراد المجتمع. وهذا الخوف هو الذي يدفع بالأفراد باتجاه التشكّل في قطيع l a  grégaritè كحصانة ضد الطارئ، والمفاجئ، والمختلف، والغريب . ويحاول المجتمع تصعيد ذلك الخوف عبر تقوية الإحساس بالأمن والاستقرار والوحدة،  وعبر تكوين حسّ مشترك وقيم مشتركة توحي بالهوية الواحدة المتجانسة. وهذا ما تقوم به اللغة بتواطؤ مع النحو والمنطق والأخلاق - نيتشه يتحدث عن "المرض النشوئي للغة" la maladie native du langage من حيث أنها تحمل في أعماق سننها الخوف والعجز والضغينة. ويتحدث عن "النحو""كميتافيزيقا للشعب" [4]. كما يتحدث عن "المفهوم "كمقبرة للحدوس الحسّية" le  sépulcre des intuitions.
وإذا كان الإنسان له قابلية لأن يصير ارتكاسيا، ففي ظل أية شروط وظروف يصير بالفعل ارتكاسيا ؟ كيف تنشأ إمكانية ضياع الذات والانفصال عن الحياة ؟ أو بعبارة أخرى كيف تنتصر القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة فتشكّل نموذجا ارتكاسيا متحكّما في السلوك ومحدّدا للفكر، بل ومحرّكا للتاريخ الحديث والمعاصر؟[5].
في التيبولوجية النيتشوية يتم التمييز بين نمطين من إرادة القوة: الإرادة الإنكارية والإرادة التوكيدية. الأولى تقوم على تبخيس الحياة ونفيها والثانية تقوم على تثمين الحياة وتوكيدها. الأولى صادرة عن حياة مريضة أصابها الوهن والضعف والعياء فلم تعد بقادرة على توكيد الحياة لأنها مليئة بالمفارقات والتناقضات، ومصدرا للشر والألم، ولهذا أصبحت خالية من القيمة ولم تعد تستحق أن تعاش. أما الإرادة الثانية فهي صادرة عن حياة قوية وسليمة وتتمتع بصحة جيدة، ولهذا فهي منفتحة على الحياة وتسعى إلى توكيدها بكل اختلافاتها وتناقضاتها، وبكل آلامها وأفراحها دون نقص وبدون أدنى شعور بالدونية والخطيئة. الإرادة الأولى هي إرادة الضعيف والإرادة الثانية هي إرادة القوي، على ألا يفهم هنا الضعف والقوة بالمعنى الاجتماعي أو السياسي أو البيولوجي، بل بمعناهما النيتشوي والذي يتحدد بنوع العلاقة التي يقيمها الكائن مع الحياة والوجود، حيث نفي الوجود وإنكار الحياة هو ضعف، وتوكيد هما والانفتاح عليهما يعدّ قوة. أو بالمعنى الهيدغري المتمثّل في مدى قدرة الكائن على تحقيق توافق أو مصالحة بين ماهية الكائن وقدر الوجود [6]. فمن يحقق ذلك التوافق فهو قوي وبالتالي كائن فاعل، ومن لا يستطيع ذلك فهو كائن ارتكاسي منغلق على الوجود ومضاد للحياة [7].
تصير إرادة الانسان ارتكاسية حينما يهيمن على نشاطها عمل السلب والنفي والإنكار[8]. ويهيمن السلب على نشاط الكائن حينما تصاب حياته بالوهن فيعجز عن توكيد ذاته في الوجود، فيكون في حاجة إلى التعلق بأوهام تقدّم ذاتها في صورة قيم ومثل عليا مفارقة، يتخذها كأقنعة وكمبررات يعلن باسمها "الجهاد" ضد الحياة، والحرب ضد الوجود [9]. إن الذي ينكر الحياة ويبخسها هو من تكون حياته منحلّة ومنحطة، ومن ثم فهاجسه هو الحفاظ على نموذجه بجعل القوى الارتكاسية تنتصر فيه على القوى الفاعلة. وتعثر القوى الارتكاسية على حليفها لتحقيق ذلك الانتصار فيما يسميه نيتشه "بالمثل الأعلى الزهدي" idéal ascétique  l’ أو "إرادة العدم" . وليست هذه الأخيرة سوى القوة المنتجة والمنشّطة لجميع القيم والمثل العليا. سلاحها في ذلك هو جعل الحياة تخضع لهيمنة القوى الارتكاسية وذلك عبر توظيف آلية "فصل القوى الحيوية الفاعلة عما تستطيعه" [10]. كل قوة فاعلة يتم فصلها عما تستطيعه، تحرم من شروط ممارستها لنشاطها الحر، فتصير قوة ارتكاسية. بتعبير آخر، كل قوة يتم حرمانها من الشروط التي تمكنها من إشباع حاجاتها ورغباتها، تصير تحت ضغط الحرمان وأيضا تحت تأثير الاستيهام والتضليل الإيديولوجي، قوة منقلبة ضد ذاتها وموجّهة ضد الحياة. وتتبلور هذه القوة في ثلاثة مظاهر أساسية متداخلة ومتكاملة هي على التوالي: الذحل أو الضغينة le ressentiment،والوعي الشقي la conscience malheureuse،والمثل الأعلى الزهدي. وهذه المظاهر الثلاثة تشكّل في مجموعها النموذج الارتكاسي[11]. فليس النموذج الارتكاسي سوى عملية تأويل وتقويم الحياة والوجود من زاوية الضغينة أو الوعي الشقي أو المثل الأعلى الزهدي. ومن داخل هذا المنظار السيكلوجي- الأخلاقي في جوهره وعمقه تبدو الحياة ظالمة وآثمة، ومصدرا لا ينتهي للألم والمعاناة. وهذا الطابع السلبي للحياة هو ما يجعلها في حاجة إلى أقنعة وتبريرات وأوهام لكي يتحملها الكائ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أفول المتعالي وأزمة الحداثة الغربية: العدمية وتجاوز الميتافيزيقا

كتبها محمد أندلسي ، في 13 أغسطس 2002 الساعة: 13:28 م

2- العدمية وتجاوز الميتافيزيقا:
ليست مسألة العدمية مشكلة تاريخية. أي ليست واقعة تاريخية عادية على غرار الوقائع التاريخية الأخرى في تاريخ الإنسان، بل هي صارت اليوم مسألة مصيرية. وإذا كانت العدمية لازالت شغالة وفاعلة وراهنية، فإن هذا يمنع كل محاولة تريد تقديم الحصيلة النهائية والحصاد الكامل. لكن تبقى مسألة البحث والمساءلة والسعي لفهم إلى أي مدى وصلت العدمية ؟ وما هي الاختيارات التي تقودنا نحوها ؟ وما هي الحلول التي تدفعنا باتجاهها ؟ تبقى مسائل وتساؤلات مشروعة وواجبة. ويمكن أن نحدد موقفنا من العدمية، انطلاقا من الموقف الذي بلوره نيتشه في فلسفته والذي يطلق عليه عبارة "العدمية المكتملة" le nihilisme accompli[1]. وتمثّل هذه الشكل الرابع للعدمية في فلسفة نيتشه[2]. وهو شكل العدمية الذي يعتبره نيتشه إيجابيا وفاعلا، ولا يتردد الإعلان عن انتمائه إليه. فهو يقول عن نفسه بأنه بمثابة أكبر عدمي في أوروبا، إنه "الذي جرّب العدمية وعاشها، وذاق مرارتها، وأحسها واستشعرها في داخله، ومن حوله، ومن تحته، ومن فوقه"[3]. تحت مظهرها الإيجابي تؤكد هذه العدمية ليس ما هو معطى وسائدا، وليس مثالا أو نموذجا مفارقا (المثل الأعلى الزهدي )؛ ولكن مبدأ حيويا لتقدير القيم. أي إرادة قوة بما هي معيار جديد للتقويم والتأويل، وبما هي تيبولوجيا وسيميولوجيا تتعامل مع الخطابات والنصوص والظواهر كشبكات من الاستعارة والمجاز، أو كنسيج من العلامات والأعراض، أو كألاعيب من القوة والرغبة، أو كأفخاخ من الخدع والفجوات. ويرى نيتشه بأن العدمية حينما تدرك على هذا النحو، فإنها تكون قد عثرت على ماهيتها التوكيدية، فيصبح لها مفعولا تطهيريا يمكّنها من تصعيد كل المظاهر التي تجعلها غير مكتملة. وهي ثلاثة مظاهر أساسية: الذّحلle ressentiment والوعي الشقي la conscience malheureuse والمثل الأعلى الزهدي l’idéal ascétique[4]. بل إنّ العدمية حينما تصل إلى هذا المستوى من التحول والتصعيد يمكن أن تشكّل فضاءا جديدا للتفكير[5]، وإمكانا جديدا للحياة والوجود [6].
إن العدمية بهذا المعنى الإيجابي الجديد، تعتبر آخر فرصة تتاح للإنسان، لكنها لا تخلو من مجازفة. فهي تشير إلى الوضعية التي "يتدحرج فيها الإنسان خارج المركز"[7]. وهذا التعريف الجديد الذي يقدّمه نيتشه للعدمية، يجعلها تلتقي مع تعريف هيدغر لها، بما هي العملية التي من خلالها وفي نهايتها "لا يصير هناك شيء" بالنسبة للوجود[8]. لا يتعلق الأمر هنا بمسألة نسيان الوجود من قبل الإنسان –وهي المسألة المحددة للميتافيزيقا عند هيدغر-، إذ العدمية ليست مجرد تيه، وليست أحد مخلفات التيه، ليست مجرد كذبة أو وهم معرفي. فالمسألة تتجاوز الإنسان وليست محصورة في الجانب السيكولوجي أو السوسيولوجي. فإذا كان الإنسان يتيه خارج المركز في اتجاه اللامكان، فلأنه لم يعد هناك وجود أو مأوى للإنسان. وفي هذه الحالة تصبح العدمية حالة عامة للوجود ومحمولة عليه، وليست محصورة في الإنسان وحده. هكذا وفيما وراء الأسس النظرية المختلفة يلتقي نيتشه وهيدغر في تصورهما لمضمون العدمية وأنماط تجلياتها. للوهلة الأولى يبدوان مختلفان بل متباينان: فالعدمية لدى نيتشه يمكن أن تلخّص في "أفول المتعالي" أوفي "تبخيس القيم العليا"، بينما بالنسبة لهيدغر فالكائن ينعدم بتحوّله إلى قيمة[9]. في التصور الهيدغري يوجد ما وراء ممكن للعدمية وهو مرغوب فيه، بينما في التصور النيتشوي لا مناص من تحقيق العدمية واكتمالها، إذ السير بها إلى حدودها القصوى هو كل ما يمكن انتظاره وتوسّله. إن التموقع داخل المنظور النيتشوي، يقتضي إدراج تصور هيدغر- بما هو محطة أساسية- في إطار تاريخ حدث تحقق العدمية المكتملة. ولن تكون العدمية في هذه الحالة غير الفكر مافوق الميتافيزيقي la pensée ultra-métaphysique الذي يعمل هيدغر  بدورهعلى تحقيقه. فما هي إذن الدلالة العميقة لهذا التقارب بين الدلالتين: أفول المتعالي واختزال الوجود إلى القيمة ؟. من وجهة نظر هيدغر تبدو العدمية بمثابة الادعاء غير المشروع بأن الكينونة فقدت ماهيتها كأساس، وصارت خاضعة لسلطة الذات بما هي المانحة للقيمة. فيصبح للوجود بموجب ذلك قيمة تبادلية. وهذا الفهم للعدمية يجعلها قريبة من معنى أفول المتعالي النيتشوي. فهذا المعنى الأخير يؤكد على أن الأفول موضوعه الأساسي هي القيم العليا المقدّسة وحدها، ولا يطال ذلك الأفول كل القيم. بمعنى أن الموجودات والكائنات لا تفتقد معانيها بصفة نهائية، وإنما بالأحرى تصبح معانيها متحرّرة من هيمنة القيم العليا بما هي المحددة، فتتحرّر طبيعة القيمة. ينجم عن هذا أن العدمية ليست سوى عملية صيرورة القيمة الاستعمالية قيمة تبادلية، وإحلال الثانية محل الأولى. ليست العدمية هي وقوع الوجود تحت سلطة الذات، ولكنها انحلال الوجود والموجودات في سيلان وجريان القيمة[10].  وهو السيلان الذي جعل الأشياء تفتقد قيمتها الأصلية، ومعانيها الكنهية، لتصير خالية من المعنى ومفتقرة إلى القيمة.
إذا حاولنا الآن-وبعد تحديدنا لموقف كل من نيتشه وهيدغر من العدمية وضرورة تجذيرها كأفق وحيد للخروج منها- أن نتساءل عن طبيعة الموقف الذي اتخذته الفلسفة المعاصرة من هذا الحدث ؟ وكيف واجهته ؟ فسنجد أن المشهد الفلسفي المعاصر يبدو ملتبسا: فالماركسية بمختلف تلويناتها النظرية، قد حلمت بإمكانية استرجاع القيمة الاستعمالية المستلبة، وذلك عبر خيار الممارسة السياسية. فالمجتمع الاشتراكي تتحدد هويته باعتباره المجتمع الذي يتحرر فيه الشغل من خصائصه المستلبة التي يجسّدها السوق الرأسمالي بقيمه التبادلية. بيد أن تحرير الشغل من الاستيلاب يمرّ –داخل الموقف الماركسي- عبر وسائط سياسية معقّدة تجعل من ذلك التحرر إشكالا لا يستطيع أن يتخلّص من الصورة المثالية للإنتاج الفني. وفي الحقيقة لقد ظلت نظرة الماركسية للممارسة الإنتاجية خاضعة لغواية وتوجيه النموذج الفني للممارسة. ويمكن للقارئ الوقوف على هذا بالرجوع إلى كتاب"الرأسمال".
هناك أيضا الموقف الذي يدافع عما يسمّى بالعلوم الروحية ضد العلوم الطبيعية. حيث تسعى الأولى إلى الدفاع عن كل ما له قيمة استعمالية، ضد التيار الجارف للعلوم الطبيعية المتمثّل في تحويل القيم الإنسانية إلى قيم تبادلية.
ثم هناك الهيرمنوطيقا المنحدرة من هيدغر والتي تمتد إلى غادامير، تحاول أن تبلور تصوّرات تكاد تجعل من العدمية الفرصة الوحيدة المتاحة أمام الفكر المعاصر للخروج من العدمية بما هي أزمة أسس [11].
وفي الفينومنولوجيا لا زالت تهيمن الحاجة إلى تجاوز القيمة التبادلية باتجاه القيمة الاستعمالية. ينطبق هذا على هوسرل كما ينطبق على هيدغر خاصة في مؤلفه "الوجود والزمن". وبصفة عامة فالمشهد الفكري المعاصر مضطرب، إذ توجد به عناصر ثقافية كثيرة تعمل بلغة نيتشه على مقاومة اكتمال وتحقق العدمية. غير أنه إلى جانب ذلك وربما ضده، توجد محاولات تسير في الاتجاه الذي يعمل على تسريع تفكك العدمية التي وصلت في بعض قطاعات الثقافة إلى أوجها واكتمالها. وهذا الحدث هو ما يتطلب من الفكر الانتباه إلى الآفاق الممكنة التي تفتتحها "العدمية المكتملة". فمن زاوية هذه العدمية، تبدو ثقافة القرن الحالي تشهد بداية انهيار المشاريع التي تروم التأصيل أو استعادة الأصولla réappropriation[12]. وهكذا فالمنظور القائم على ادعاء إعادة التملك والتأسيس-سواء اتخذ شكل الدفاع عن قطاع محرّر من القيمة التبادلية، أو شكل طموح إلى إعادة تأسيس الوجود الإنساني على أساس القيمة الاستعمالية-لم ينهار فحسب على مستوى الممارسة العملية(أفول التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي سابقا)، بل إن ذلك المنظور قد بدأ يفقد بشكل تدريجي دلالته المعيارية المثالية، تماما كما حدث للمتعالي مع نيتشه. لقد أفل ذلك المتعالي لأن المعرفة لم تعد في حاجة لكي تصعد إلى المبادئ الأولى والعلل النهائية. كما لم يعد الإنسان في حاجة إلى الاعتقاد في الخلود والخلاص. بل حتى لو افترضنا بأن المتعالي قد أفل باسم الحقيقة ذاتها التي سبق له أن رسخها كحقيقة نهائية ومطلقة، فمع أفول المتعالي فإن الحاجة إلى الحقيقة ذاتها لم يعد لها من معنى. وما ذلك إلا لأن شروط الحياة –في ظل التطور العلمي والتقني-أصبحت أقل اعتباطا وبالتالي أقل مرضا. ففي هذا التأكيد على سطحية القيم النهائية وتبخّر المعاني المؤسسة تتجذّر وتترسّخ "العدمية المكتملة"[13]. إذ انهيار المحكيات الكبرى les métarécits[14]وخسوف القيم المقدّسة ليس دعوة لإقامة ألواح قيم جديدة، إذ لا يتعلق الأمر بإعادة التملّك والتأسيس. لأن ما صار سطحيا ولا غيا هو فكرة الأساس ذاته."فوراء كل كهف يوجد كهف آخر يثوي خلفه أعمق من سابقه، وتحت كل سطح يوجد عالم خفي أرحب وأغنى وأغرب، وتحت كل الأعماق هناك ما هو أعمق"[15]. التجربة التي تنفتح أمام "العدمي المكتمل"، ليست تجربة الاكتمال، أو الامتلاء، أو الانتصار، تلك التي تستلهم القيم التي أبخستها الميتافيزيقا، فتعتبرها قيما عليا. والحقيقة أن ردّ الفعل كان يتخذ باستمرار هذه الصورة. ف"أفول المتعالي" و"خسوف القيم العليا" كان يدفع إلى المطالبة بقيم "أكثر عدلا وصدقا"، مثل قيم الثقافات المهمّشة، أو الثقافات الشعبية، أو الفنون..وليست هذه القيم بمنجى عن المرض والميتافيزيقا. إن "العالم الذي صارت فيه الحقيقة خرافة"[16] يجب أن يكون فضاء لتجربة ليست أكثر مصداقية أو أصالة من تلك التي أقامتها الميتافيزيقا، وذلك لأن الأصالة أو المعاصرة وإعادة التملك تسقط بدورها مع سقوط المتعالي. وهكذا فأفول المتعالي وخسوف الدلالات الكبرى الأخلاقية والسياسية والدينية لا تشكّل لحظات كارثية وانحطاطية فحسب، بل يجب الالتفات إلى تحدياتها، والإصغاء إلى نداءاتها بما هي مؤشرات على إمكان تجربة إنسانية جديدة. ونحن نزعم بأن فلسفة كل من نيتشه وهيدغر تشكّل أوراشا لإنماء مثل هذه التجربة، وبلورة "سياسة جديدة للفلسفة" تتخذ عند الأول صورة "فلسفة الصباح"أو "فلسفة المستقبل"، وتتخذ عند الثاني صورة "فلسفة الامتنان" أو "البدو الجديد"[17].
إن أول فيلسوف أثار قضية "تجاوز" الميتافيزيقا بما هي تجسّد فكر الحداثة بامتياز، باتجاه فكر ينقلنا إلى "ما بعد الحداثة" uberwindung هو نيتشه وليس هيدغر. هذا بالرغم من أن نيتشه لم يستخدم مفهوم ما بعد الحداثة، إلا أن مضمونه نشأ في أحضان فلسفته، وبالضبط في المسافة الفاصلة بين "اعتبارات في غير أوانها"، و"إنسان مسرف في إنسانيته" وباقي المؤلفات اللاحقة. ونحن نعتقد بأن هذه المسافة تسجّل بداية انعطاف جذري في مسيرة نيتشه الفلسفية. ففي "الاعتبارات الثانية" المتعلقة بالتاريخ، حاول نيتشه ولأول مرة أن يبلور إشكالية الفكر الحديث المرهق بداء تخمة الوعي بالتاريخ في القرن 19، والذي كان يعيق تجديد شروط الفعل التاريخي، ويقف حائلا دون القدرة على إبداع أسلوب أصيل خاص بعصر الحداثة، ومتحرر من العودة الحنينية إلى الماضي. ولقد كان نيتشه في هذه الحقبة من التفكير يعتقد بأن الغرب يستطيع الخروج من ذلك المرض عبر الاستنجاد بقوى "ما فوق تاريخية"، واستلهام الروح الدينية الديونيزية والفنية خاصة الموسيقى الفاغنيرية. و"إنسان مسرف في إنسانيته" سيسجّل انعطافا جديدا في فكر نيتشه بما هو بداية تصفية الحساب مع فاغنير، والتخلي عن تطلّعاته التنويرية وعن الاعتقاد في القوة الإصلاحية للفن. هذا المؤلف إذن هو الذي سيغيّر بعمق موقف نيتشه من "المرض التاريخي للعصر" بما هو أهمّ مؤشّر على مأزق الحداثة الغربية. وإذا كان هذا التغير لن يعثر على صورته الواضحة والناضجة إلا في آخر حياته، في شذرات متأخرة، وفي رسالته المشهورة إلى صديقه "بوركارد" التي يعلن في أحد مقاطعها بأنه صار في عمقه "متماهيا مع كل أسماء التاريخ"[18]. إلا أنه ابتداء من"إنسان مسرف في إنسانيته" سيطرأ تغير على نظرة نيتشه إلى مرض العصر بما هو انحطاط للحداثة، حيث لن يستنجد بالقوى المفارقة للتاريخ، بل سيعمل على تفكيك الحداثة عبر تعميق وتجذير الميولات العدمية التي تخترقها. فإذا كانت الحداثة تتحدد كعصر التجاوز والتجديد، أي كعصر لا يتوقف عن التجديد، حيث كل شيء جديد ما أن يحلّ إلا ويشيخ ويجد نفسه متجاوزا من قبل جديد آخر، وذلك وفقا لحركة تتكرر بشكل غير قابل للاستنفاذ. حركة لا تني عن بعث اليأس في جدوى الفعل التاريخي الخلاق، لأنها تحيله إلى ضرورة وتفرضه كصيغة أحادية للحياة[19]. إذا كان هذا هو حدّ الحداثة، فإن هذا سيجعل من المستحيل الخروج من مأزق الحداثة عبر حركة التجاوز والتصحيح، وهو المسار الذي سار فيه فلاسفة التنوير واليسار الهيجلي[20]. جدّة موقف نيتشه تتمثّل في البحث عن مسلك آخر متميّز غير التجاوز الجدلي، وذلك عبر تعميق التحلل والدفع بشروخات الحداثة إلى حدودها القصوى. وهذه العملية التفكيكية اتخذت في "إنسان مسرف في إنسانيته" صورة "التحليل الكيماوي" للقيم العليا للحضارة الغربية وذلك بتفتيتها إلى عناصرها الأولية بعيدا عن أي محاولة تروم التصعيد أو التجاوز. إن متابعة إنجاز برنامج التحليل الكيماوي يؤدي إلى اكتشاف أن الحقيقة التي تمنح المشروعية لذلك التحليل تصبح بدورها قيمة منحلّة ومفكّكة. فالاعتقاد في تفوّق الحقيقة على اللاحقيقة فرض نفسه في ظل ظروف وشروط حيوية معينة- مثل الشعور بانعدام الأمن- لم تعد الآن موجودة. كما أنها تتأسس على الاقتناع بأن الإنسان يمكن له أن يعرف "الأشياء في ذاتها". لكن التحليل الكيماوي لعملية المعرفة سيكشف بأن المعرفة ليست سوى سلسلة من الاستعارات، أي ليست سوى عملية استعارية تجعل ادعاء تملّك الحقيقة مجرّد ادعاء زائف وباطل. ذلك لأن الاستعارة بطبيعتها تنتقل من الشيء إلى الصورة الذهنية، ومن هذه إلى الكلمة التي تعبّر عن الحالة النفسية للفرد، ومنها إلى الكلمة المفروضة كصدق عبر الاصطلاحات الاجتماعية. وعبر هذا التحليل الكيماوي تتفكك الحقيقة بما هي مثل أعلى. ومع تفكك الحقيقة يلوح في الأفق إمكان الخروج من "مأزق الحداثة". ذلك لأن عدم الاعتقاد في الحقيقة، يؤدي بالضرورة إلى تقويض فكرة الأساس والتأسيس. أي سيجعل من المستحيل الخروج من مأزق الحداثة عبر التجاوز النقدي، أي عبر نقد الأسس القديمة وبناء أسس جديدة. وهذه هي لحظة نشأة "ما بعد الحداثة" في فلسفة نيتشه. وهو حدث مثله مثل حدث "أفول المتعالي" لا زلنا لم ننته بعد من تقدير كل دلالاته وأبعاده. وأحد نتائجه الأولى ظهرت معالمه الأولى في "العلم المرح"، وتمثّل ذلك في فكرة "العود الأبدي للمثل"[21]. وهي فكرة تدلّ من بين ما تدلّ عليه، على نهاية عصر النفي الجدلي والتجاوز، أي نهاية عهد الوجود المفكّر فيه بمصطلح الجدّة والتجديد. بل إن تيتشه في شذرات متأخرة، يعتبر فكرة العود الأبدي هي ما به يتم تعميق العدمية والخروج منها في الوقت ذاته[22].إنه ليس بفكر عادي وإنما هو بمثابة "فكر الأفكار". إنه الفكر الأكثر ثقلا ووزنا وقيمة، لهذا وجدناه يأتي في نهاية العدمية بما هو الشكل المسرف للعدمية المكتملة[23]. إنه بمثابة المعيار الجديد للتقويم، ليس للأشياء فحسب وإنما بالأحرى للإنسان. فقيمة الإنسان يتم اختبارها بمقدار القوة والحرية والحقيقة والسعادة التي يستطيعها[24]. تكتسي فكرة العود الأبدي لدى نيتشه ثلاثة أبعاد: البعد الأول أنطولوجي، إذ هي موجّهة ضد الغائية. فهي تضع موضع تساؤل التصور الميتافيزيقي للعالم حيث تسعى إلى تعريته من طابعه اللاهوتي والإنسي، وتأكيد طابعه الكاووسي كضرورة، وذلك عبر هجر فكرة القانون والاستقرار والدوام[25]. إنها تعني دمغ العالم بمسحة د

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي