مفارقات مفهوم الحق وشروط إمكان تفكير فلسفي في مسألة “حقوق الإنسان”
كتبهامحمد أندلسي ، في 7 فبراير 2009 الساعة: 21:41 م
مفارقات مفهوم الحق وشروط إمكان تفكير فلسفي في مسألة "حقوق الإنسان"
1- مفارقة مفهوم الحق:
إنّ الكينونة التاريخية للإنسان الحديث تتحدد بالتوتر بين مطلبين:مطلب الوجود الاستعجالي لدولة قوية تنتشل المجتمع من هشاشة حالة الطبيعة؛ ومطلب البحث عن الحرية عن طريق الإقرار بنظام حقوق الإنسان. ونظرا لكون الدولة الحديثة اتخذت من الحق أساسا للعلاقات الاجتماعية، ومعيارا لتقعيد تلك العلاقات وضبطها، فلقد صار الحق هو رهانا للتوتر، ومركزا للصراع داخل المجتمع الحديث. ويكشف المسار الممتد من بداية الحداثة إلى الآن، عن المفارقة التالية: فمن جهة تمّت تقوية الدولة إلى أن بلغت هذه الدولة أوجها في التجربة السياسية للأنظمة التوتالتارية؛ وهناك من جهة أخرى التنامي المتزايد للمطالب الحقوقية، والحاجة إلى إعادة تثمين خطاب حقوق الإنسان كواجهة مستقلّة لمواجهة اضطهاد الدولة وتعسّفاتها وخروقاتها. ويعكس هذان التوجّهان التوتر المحايث لبنية النظام الاجتماعي الحديث، إذ تتشكّل هذه البنية من ثنائي المجتمع المدني والدولة: حيث الفضاء الأول يغطّي مجال الإنتاج والتبادل بمختلف أشكاله الاقتصادي والاجتماعي والرمزي، إنّه نسيج معقّد من علاقات الشغل والحياة العائلية والاجتماعية والثقافية. بينما يجسّد الفضاء الثاني الذي هو فضاء الدولة، لحظة التجسيد لشرعية معترف بها ومتعاقد عليها، مهمّتها الأساسية التعبير عن "الإرادة العامة" وتدبير المصالح الخاصة وحماية المصلحة العامة المشتركة والحفاظ عليها، وتشريع القوانين وإعلانها.
ويعتبر التمايز والاختلاف بين المجتمع المدني والدولة تمايزا واختلافا أساسيا في التنظبم المجتمعي الحديث، بل إنّ العلاقة بينهما ظلت دائما علاقة إشكالية، خاصة فيما يتعلق بحدود كل منهما، وبطبيعة النتائج التي يمكن أن تترتّب عن طمس تلك الحدود والخلط بين المجتمع المدني والدولة.
فهذا "هوبز"- وهو أحد مؤسسي نظرية الدولة الحديثة- يقيم تعارضا بين ما يسمّيه "الجمهور" la foule وهو كثرة بلا كيف ولا تنظيم، مثير للحروب الأهلية؛ وبين "الشعب" le peuple بما هو مجموع منظّم وقار لا تقوم له قائمة إلا بالدولة. كما أنّ العكس صحيح حيث الدولة لا توجد إلا بواسطة المجتمع، وإذا حاولت أن تتماهى مع المجتمع أو تحلّ محلّه، فستتحوّل إلى نظام شمولي مبتلع للروابط الاجتماعية ومهدّم للعلاقات بين الأفراد.
هذا التوتر الموجود بين الدولة والمجتمع المدني هو الذي جعلهما يتعرّضان منذ القرن 19 لنقد جذري، يؤاخذ "الدولة" بكونها تمثّل جهازا قمعيا وأخطبوطيا، ويؤاخذ "الحقوق" التي يطالب بها المجتمع المدني بكونها حقوق مجرّدة ووهمية ومنحازة.
هذا التوتر سيعثر على انعكاسه في الطابع الملتبس لمفهوم الحق والذي سيشكّل موضوع سجال فلسفي وسياسي بين نظريتين هما: نظرية السيادة ونظرية الحق الطبيعي، وهما مصدران مؤسّسان للحداثة السياسية.
نظرية السيادة la théorie de la souveraineté التي يمثّلها كل من "ماكيافيل"، و"هوبز"، و"روسو"، تشدّد على أنّ الحقوق هي تلك التي تجسّدها قوانين الدولة، فتطالب باحترام تلك القوانين بالخضوع لها.
نظرية الحق الطبيعي la théorie du droit naturel التي يمثّلها كل من "مونتسكيو" و"جون لوك" تطالب بحقوق طبيعية لا تتوقف على الدولة ولا تختزل في القوانين. إنّ هذا التوتر ينطوي في ثناياه على صراع بين مشروعيتين، أو بالأحرى بين نموذجين من المجتمع: النموذج الأوّل هو سياسي- قانوني في شكله، حربي في عمقه؛ والنموذج الثاني هو اجتماعي- اقتصادي، ليبرالي في توجّهه. إنّ الاختلاف بين النظريتين يجد تعبيره في الطابع الإشكالي للدولة الحديثة. بالنسبة لماكيافيل وهوبز وروسو فإنّ ماهية الدولة متضمّنة في مفهوم السيادة الذي يتصف بطابع مطلق، إذ الدولة في نظرهم يجب أن تتوفر على سلطة مطلقة متجسّدة في حق التشريع وإعلان القوانين. فالحق المشرّع، الحق المتجسّد في القوانين هو التعبير الملموس عن هذه السلطة. فبفضل هيمنة هذه القوانين تمكّن الدولة المواطن من العيش في أمن وأمان. أمّا بالنسبة لمونتسكيو ولوك فهما ينفران من استعمال مفهوم السيادة، لما ينطوي عليه من إكراه وتجريد ومفارقة، ويدعوان إلى الفصل بين السلطات بهدف تحقيق نوع من التوازن بين الدولة والمجتمع المدني، بين القوانين والحقوق السابقة عليها.
إنّ هذا الاختلاف بين النظريتين يطال أيضا تصوّرهما للحق، فمكانة الحق لدى مونتسكيو ولوك غير قابلة للاختزال في صورته القانونية، حيث يتم التفكير فيه بكيفية تجعله مرتبطا بالتصور الأنتروبولوجي للإنسان أكثر من ارتباطه بالتصور القانوني للدولة أو للمواطن. فالإنسان يتحدد لدى لوك باعتباره الكائن الذي يتمتّع بحقوق من حيث هو كائن اجتماعي بطبعه، وبحكم ذلك فهي حقوق سابقة على الدولة والقانون. في حين نجد أنّ هوبز ومعه ماكيافيل يشدّدان على "الطبيعة اللاجتماعية" للإنسان، وعلى أنّ "اجتماعيته" ليست معطاة وإنّما يتم تنشئته عليها، بتعويده الخضوع لمؤسسات الدولة والامتثال لقوانينها.
إنّ الاختلاف بين النموذجين، "النموذج الحربي" و"النموذج الاقتصادي" يكتسي في موضوعنا هذا أهمية قصوى لفهم، ليس فحسب الانتقادات الجذرية التي تعرّضت لها صورة الدولة بل ومفهومها من قبل ماركس وهايدغر وفوكو..إلخ، بل وأيضا من أجل فهم السجال الفكري الساخن في الفكر المعاصر حول مفهوم الحق وحقوق الإنسان.
قلت إنّ معرفة الاختلاف الموجود بين التصوّرين المؤسّسين للدولة الحديثة هام جدّا، لأنه في الحالة الأولى، وعلى ضوء التصوّر الأوّل لنظرية السيادة، يبدو الحق كامتداد للفعل المؤسّس للحاكم في سلطته، أي يبدو كحق صادر عن من يمتلك السلطة العليا في إصدار القانون وفي تنفيذه. يقول ماكيافيل في كتابه "الأمير" Le prince :"هناك طريقتان في المقاومة، الواحدة تتم بواسطة القوانين، والأخرى تتم بواسطة القوة(…)لكن بما أنّ الأولى لا تكفي للمقاومة يجب اللجوء إلى استعمال الثانية. من هنا يبدو أنّه من الضروري للأمير أن يحسن ممارسة الإثنين معا". إنّ الحق هنا يتسم بطابع قانوني صرف، إنّه يتجسّد في الحق الوضعي القائم. أمّا في التصوّر الثاني للحق الطبيعي، فإنّ الحق يبدو كخاصية محدّدة لوضعية الكائن الإنساني، وهو امتياز فردي وحق طبيعي يوجد في استقلال عن انتماء الفرد للجسد السياسي.
إنّ هذا التوتر الملاحظ بين الدلالتين المختلفتين بل المتعارضتين للفظ الحق، نلمس حضوره وبشكل جلي في ديباجة إعلان حقوق الإنسان سنة 1789 إبّان الثورة الفرنسية. فعنوان الإعلان يتحدّث عن "حقوق الإنسان والمواطن"، أي يتحدّث عن حقوق لا هي بالقانونية الصرفة، ولا هي بالطبيعة الخالصة، فهي إذن تنطوي على الصعوبة المتمثّلة في إدراك الحق، من جهة باعتباره مرتبطا بالإنسان بما هو كائن طبيعي موجود بشكل سابق على أي تنظيم سياسي وأي نظام قانوني؛ ومن جهة أخرى باعتباره حقا صادرا عن هيئة قانونية مهمّتها تقعيد وتنظيم العلاقات بين الناس.
هكذا فالتقليد الماكيافيلي المتمحور حول نظرية السيادة- والذي تستلهمه فرنسا وأوروبا باستثناء بريطانيا- يمكّننا من إجلاء جينيالوجيا الدولة الحديثة في صورتها القانونية خلال القرن 19، كما يمكّننا من فهم طبيعة الانتقادات التي وجّهت لها ابتداء من نفس القرن. في هذا الفكر يبدو الحق متطابقا مع دستور الدولة ومتجسّدا في قوانينها.
أمّا التقليد الممتد من مونتسكيو- والذي تمّ تفعيله مبكّرا في العالم الأنغلوسكسوني(بريطانيا والولايات المتحدة)- فهو يستهجن نظرية السيادة وينفر منها، لأنّها، في نظره، تقوم بتضخيم سلطة الدولة والقانون ومعهما سلطة المونارك، على حساب المجتمع المدني وحرّية الفرد. كما أنّ هذا التقليد لا يمنح للدولة والقانون إلا الحدّ الأدنى الضروري من السلطة، ويعطي في مقابل ذلك الامتياز للمصدر العرفي والاجتماعي في تحقيق تلاحم المجتمع. يقول مونتسكيو:"يوجد هناك هذا الاختلاف بين القوانين وبين الأعراف، تقوم بتقعيد تصرّفات الإنسان". إذن هذا التصوّر للحق، أقلّ قانونية وتسييسا لأنّه يهتم بالحقوق أكثر، وينتهي إلى تأسيس ما يصطلح عليه بالمعنى الواسع "النزعة الليبرالية".
هكذا نلاحظ بأنّ هذين التوجّهين يخترقان بتوتّرهما الفكر السياسي الحديث والمعاصر، وأنّ ضرورة التعايش بينهما بالرغم من تنافرهما، هو الذي ألقى بظلاله الكثيفة على مفهوم الحق، وكان وراء الانتقادات العنيفة التي تعرّض لها مفهوم حقوق الإنسان.
2- نحو تأسيس فلسفي لحقوق الإنسان أو شروط إمكان حقوق الإنسان:
إنّ التساؤل الفلسفي حول الحق وحول العودة النشيطة لحقوق الإنسان منذ الثمانينات من القرن المنصرم، هو سؤال مشروع وضروري على المستوى الفلسفي وأيضا على المستوى السياسي؛ إذا سلّمنا أنّ التاريخ المعاصر قد كان في معظم الأحيان مسرحا لكثير من المشاريع التحررية التي انقلبت إلى أضدادها، لأنها لم تتخذ الحذر اللازم ولم تأخذ الوقت الكافي للتفكير.
لنحلّل في البداية وباختصار هذه الإحالة إلى الحق كممارسة عادت من جديد إلى الواجهة بعد ما كانت موضوعا للشبهة والتنديد والرفض؛ لنبرز ما يمكن أن يشكّل داخلها موضوعا للسؤال والتفكير الفلسفيين. فهذه الممارسة أصبحت تشكّل اليوم بالنسبة للمثقفين والمفكّرين الأحرار والحركات اليسارية أساسا صلبا لمواجهة الاضطهاد والطابع الشمولي للأنظمة على أرضية الحق، أو للاعتراض على خروقات الدولة والقوة باسم الحق.
فعلى مستوى العلاقات الدولية نجد على سبيل المثال، أنّ إدانة التدخّل الإمبريالي الأمريكي في أفغانستان والعراق تتم اليوم باسم الحق، حقوق الشعوب وحقوق الإنسان، هذا في الوقت الذي كان فيه نقد الإمبريالية إبان الستينات والسبعينات من القرن الماضي في فيتنام والكمبودج ودول أمريكا اللاتينية، لم يكن يتم بالإحالة إلى مبادئ حقوقية، أي لم يكن يتم باسم حقوق الإنسان، بقدر ما كان يصدر عن رؤية تستشرف المستقبل من خلال منظور غائي يبشّر بقدوم الاشتراكية والمجتمع الشيوعي.
كما أنّ الاحتجاج على القوة والعنف باسم الحق حاضر كذلك على مستوى العلاقات بين الأفراد أو المجتمع والدولة، وذلك من خلال نشاط الجمعيات والتنظيمات الحقوقية المختلفة.
إنّ أهمية هذا التحوّل الذي طرأ على المشهد الثقافي والسياسي المعاصرين يمكن قياسه بسهولة بالمقارنة بين ما يحدث الآن، مع ما كان يهيمن في العقود السابقة على صعيد الممارسة النضالية والحركة السياسية. لقد كانت الإحالة تتم باسم موقف ينتقد الحق باعتباره مجرّد وهم موجّه لتكريس واقع الاستغلال والتستر عليه. لقد كانت النظرية السائدة إلى الحق هي النظرية الماركسية بمختلف تلويناتها السياسية والإيديولوجية، حيث تعتبره تقنية للهيمنة، أو بنية إيديولوجية تعكس بشكل تضليلي العلاقات الفعلية الموجودة بين القوى. أمّا اليوم، فإنّ إعادة الاعتبار إلى النضال على الواجهة القانونية- الدستورية وإلى الحق كقيمة عليا، هو إذن تغيير نوعي هام. ويمكن الوقوف على هذا التحول النوعي إذا ما أمعنّا النظر في طبيعة العمل الحقوقي، إذ لا يتعلّق الأمر بالدعوة إلى مجرد تطبيق الحقوق التي يتضمّنها الدستور- حتى وإن كان هذا المطلب يشكّل الخطوة الأولى في إطار نقد داخلي لقوانين الدولة وللحق الوضعي- وإنّما هو في عمقه واستراتيجيته دعوة لمشروع تحرّري يتم باسم حقوق الإنسان.
أوّل طفرة فعلية في مجال إعادة تثمين الحركة النضالية الحقوقية تمّت مع بداية الثمانينات مع حركة التضامن البولونية، إذ نظر إليها باعتبارها حركة تحيل بقوة إلى فكرة حقوق الإنسان التي تعتبرها حقوق سياسية لا يمكن تجاوزها.
هذه الإحالة إلى الحق كقيمة إيجابية، وجدت تعبيرها الرمزي القوي في فيلم Wajda « L’homme de Fer » ، حيث سيعلن على لسان أحد أبطاله عن الاستراتيجية الحقوقية للحركة. ولقد تواصلت خلال الثمانينات وبعدها، عملية استعمال الحق كمجال لمواجهة الدولة ومقاومة اضطهادها من قبل الحركات اليسارية. هذه العودة النشيطة إلى الحق باعتباره قيمة عليا ومرجعا أساسيا للمقاومة وللحركة النضالية مرتبطة بعدّة شروط وأسباب نذكر من أهمّها:
1 - تهافت الفرضية الماركسية التي تؤكّد على الطابع التمويهي للحق، وذلك بعد دخول الفكر الماركسي في أزمة عميقة تزامنت مع ظهور الأنظمة التوتالتارية، وتحوّل الأنظمة الاشتراكية الحديثة العهد، خاصة في أوروبا الشرقية، إلى أنظمة شمولية.
2 - يضاف إلى ذلك النقد العنيف الذي تعرّضت له تلك الأنظمة من قبل مدرسة فرانكفورت التي يتزعّمها: ماركوز، وهوركايمر، وأدرنو، ووالتر بنيامين، وهابرماز، بالإضافة إلى النقد الذي وجّهته "أنا آرندت" للتوتالتارية.
3 - الحاجة إلى الحق التي أملتها المشاكل والتناقضات التي أفرزها نمو "النزعات الفردانية" المعاصرة في الغرب. لقد كان من نتائج نمو هذه النزعة، حصول تفكّك ذري في النسيج الاجتماعي، سعى Lipovetsky - في كتابه "إمبراطورية العابر" -« L’empire de l’éphémère » أن يميط عنه اللثام وأن يشخّص أعراضه. فنتيجة لانهيار اليقينيات المشتركة، وتراجع التقاليد، وتفكّك المعالم، أخد الفرد في المجتمعات الغربية يواجه سلسلة من المواقف والصعوبات غير المسبوقة، والتي تحتاج لمواجهتها وتدليلها ابتكار قواعد وبلورة معايير لضبط المسلكيات. إنّ ما يميّز هذه الوضعية الجديدة هو المفارقة التالية: لقد صار الفرد يعاني من قلاقل كثيرة، نظرا لأنّه صار يتمتّع بحرية أكبر. إنّ مشاكل الفرد اليوم لها علاقة وطيدة بشروط الحرية وحدودها، بالأساس أو المعيار الذي يجب اعتماده في رسم حدود تلك الحرية. وليست الحاجة إلى الحق سوى وليدة الحاجة إلى ضبط انفلاتات الحريات الفردية، لجعلها لا تتعارض مع حريات الآخر.
هناك إذن ثلاثة عوامل توجد وراء تثمين الحق والعودة إليه وتفعيله كأساس للمقاومة وكمعيار للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد. هناك من جهة انهيار الماركسية كجهاز إيديولوجي مضاد للحق والقانون. يضاف إلى ذلك الانتقادات التي وجّهت للنظام التوتالتاري بما هو نظام يقوم على نفي الحقوق. وأخيرا هناك الصعوبات الداخلية المحايثة لتنامي "النزعة الفردانية" في الغرب المعاصر.
بيد أنّ ما هو أصيل وجديد في هذه العودة الإيجابية إلى فكرة الحق، هو الوظيفة النقدية التي يمكن أن تضطلع بها هذه الفكرة. فالحق هنا تتم استعادته لنقد الواقع ومواجهة النظام القائم. فاللاعدالة المميّزة للأنظمة الشمولية في العالم، هي التي دفعت الشعوب إلى استعمال الحق كأداة لمناهضة تلك الأنظمة والتنديد بخروقاتها لحقوق الإنسان. كما أنّ الاعتباط والتعسّف والفوضى المميّزة لممارسة الحريات داخل المجتمعات التي تكتسحها النزعة الفردانية، هي التي تجعل تلك المجتمعات تستدعي الحق لوضع الحدود التي يجب أن تراعيها الحرية الفردية. ففي كلا الاستعمالين يقوم الحق بوظيفة نقدية لها دلالة مزدوجة: فمن جهة يضع موضع تساؤل ونقد التعسّفات والخروقات والمظالم، ومن جهة أخرى يسعى إلى تحديد الممكنات، وتوسيع الحريات، وتجذير الحقوق، والسمو بالكرامة الإنسانية.
إنّ هذه الوظيفة النقدية للحق إن كانت في جانب منها مرتبطة في نشأتها بالتحرر من الأطروحة التمويهية للحق التي توجد في أساس الماركسية، إلا أنها في جزئها الآخر المتعلّق بوظيفتها النقدية، فهي تدين بها إلى النقد الماركسي للحق، بحيث لا يمكن لمن يفكّر اليوم في موضوع حقوق الإنسان أن يتخلّى عن ذلك النقد، وخاصة تشديده على ضرورة التسلّح بموقف الحذر إزاء الحق القائم، أي الحق كما تحدّده القوانين الوضعية، والتي تبقى علاقته المتواطئة مع جهاز الدولة واضحة، حيث تمنع من اتخاذه قيمة مرجعية للدفاع عن الفرد أو المجتمع ضد هذه الدولة. فحتى يتسنّى للحق أن يشتغل فعليا كقيمة مشتركة بين مختلف تنظيمات المجتمع المدني أو بين مختلف المجتمعات، ولكي يكون بمثابة مرجع مشترك للحوار والنقاش والتواصل يجب أن يظهر في بعده الشمولي وكشكل من أشكال الكونية في ماوراء المصالح السياسية والإيديولوجية الخاصة بهذا التنظيم أو ذاك، بهذا المجتمع أو ذاك. بمعنى آخر يجب على الحق أن يظهر كمعيار مرجعي شمولي.
هذا التصور الشمولي والكوني للحق هو الذي يعثر على تتويجه التاريخي في "إعلانات حقوق الإنسان"، سواء تلك المتضمّنة في "إعلان استقلال الولايات المتحدة" سنة 1787، أو تلك المتضمّنة في "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" إبّان الثورة الفرنسية سنة 1789 . ويجب أن نسجّل في البداية أنّ "حقوق الإنسان" هاته، صادرة عن إعلانات وليس عن مؤسسات. مما يعني أنها ليست مبتكرة من قبل دولة من الدول، بل هي في الأصل تصوّرات فلسفية وحقوقية تم تكريسها والمصادقة عليها لا حقا من طرف الدولة في مرسوم تنحصر مهمّته في إظهار حقوق معترف بها كحقوق كانت موجودة على الدوام. مما يعني أنّ هذه الحقوق تستمد قيمتها في كونها تظهر مسبقا كحقوق خارج الدولة ومفروضة عليها من فوق. لهذا الاعتبار التاريخي، تفهم اليوم "العودة إلى الحق" وتفعيل المطلب الحقوقي بما هو دفاع عن الفرد والمجتمع المدني ضد الدولة وأجهزتها ومؤسساتها.
ولكي تتحوّل هذه الوظيفة النقدية لحقوق الإنسان إلى آلية لمقاومة فعّالة وشغّالة وراسخة، فهي تحتاج إلى الوعي بشروط ممارستها، والتحرر من عوائقها الإيديولوجية. فلا يمكن لفكرة الحق أن تقوم بوظيفتها النقدية إذا لم تأخذ بعين الاعتبار "الاختلاف الأنطولوجي" الذي يوجد في أساس الحق. وليس هذا الاختلاف سوى الطابع المعياري للحق. وليس المعيار سوى المسافة الفاصلة بين الواقع كما هو موجود والواقع كما ينبغي أن يوجد، بين الحق الوضعي القائم والحق كما يجب أن يكون. لا يمكن إذن للحق أن يقوم بوظيفته النقدية إلا إذا كان متعاليا وغير قابل للاختزال إلى الواقع.
وهناك ثلاث نزعات اختزالية هي بمثابة عوائق إيديولوجية أمام التأسيس النقدي لخطاب حقوق الإنسان، وهي النزعة الوضعية، والنزعة التاريخية، والنزعة الإنسانية.
الموقف الوضعي يقيم تطابقا بين الحقوق وبين الحق الوضعي القائم. فأحد ممثّلي هذا الاتجاه وهو Kelsen ، يستبعد كل نقاش حول "الحق الطبيعي" باعتباره مسألة لا قيمة لها من حيث هي أحد مخلّفات التجريد الفلسفي، ويدعو إلى الاقتصار على تحليل البنية الداخلية المشكّلة للحق الوضعي كوقائع. ولقد ساهم هذا الاتجاه في إفراغ الحق من وظيفته النقدية، وذلك من خلال دعوته إلى إقصاء التمثلات المتعلّقة بما ينبغي أن يكون عليه الحق، لأنّها تمثّلات تقويمية ذاتية. هكذا تقوم الوضعية على اختزال حقوق الإنسان في الحق الوضعي الذي تجسّده القوانين الجاري بها العمل. وواضح أنّ حقوق الإنسان لا يمكن تأسيسها على الحق الوضعي لأنّها حقوق لا يمكن اختزالها إلى قوانين. فشرط قيام هذه الحقوق هو تعاليها على الوضعية الحقوقية، أي تقتضي التمييز بين الحالة التي توجد عليها الحقوق في الواقع الفعلي وبين ما ينبغي أن تكون عليه الحقوق. بعبارة أخرى إنّ شرط قيام فكرة الحق هو الإقرار بالاختلاف الأنطولوجي بين الواقع وما هو ممكن، بين الواقع والمعيار. ومثل هذا الاختلاف هو ما يقوم الاتجاه الوضعي بإلغائه حينما يختزل الحق في صورته القانونية، لهذا شكّلت الوضعية عائقا إيديولوجيا أمام ظهور خطاب حقوق الإنسان كخطاب مستقل عن الدولة وكحقوق غير قابلة للاختزال إلى القوانين. من هنا ضرورة تحرير هذا الخطاب من النزعة الوضعية.
أمّا بالنسبة "للنزعة التاريخية" فهي أيضا تنتهي إلى اختزال الحقوق إلى الواقع. فمن المعروف أنها تستلهم "فلسفة التاريخ" الهيجلية، وبصفة خاصة نظريته في "مكر العقل أو مكر التاريخ". تؤكّد هذه النظرية على أنّ "كلّ شيء يحدث في التاريخ بطريقة عقلانية بما في ذلك تلك الأشياء التي تبدو عبثية ولا عقلانية" مثل الأهواء، والشرور، والحروب. تجد هذه النظرية صيغتها في القول " لا شيء يحدث في التاريخ بدون علّة". والسؤال الذي يطرح نفسه هو على النحو الآتي: على أي أساس تشكّل "النزعة التاريخية" إطارا نظريا غير متلائم مع خطاب حقوق الإنسان؟ والجواب هو كالآتي: إذا كان كل شيء في التاريخ قد تم بطريقة عقلانية، وأنّ كلّ ما يقع ويحدث هو ضروري بحكم كونه ليس إلا لحظة داخل السيرورة التاريخية، فإذن لن يكون هناك معيار متعال على التاريخ للحكم على الوقائع التاريخية، مادامت كلّ المعايير- في ظلّ هذا التصور التاريخاني- تعتبر تاريخية وبالتالي نسبية. بهذا المعنى نقول إنّ هذا التصوّر يحمل دلالة مضادة للإنسية الحقوقية. لأنّه إذا كانت هناك عقلانية تعمل في قلب السيرورة التاريخية، فإنّ كل ما حدث، وكل ما سيحدث، كان لا بدّ أن يحدث، في اللحظة التي حدث فيها، وبالكيفية التي حدث بها.
المصادر المعتمدة:
1- Alain Renaut et Lukas Sosoe : Philosophie du droit, puf, 1éditions, Octobre 1991, Paris.
2- Guy Palayret : La Société, Le droit, et l’Etat moderne, ellipses/édition marketing, 1998, Paris.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج

























فبراير 15th, 2009 at 15 فبراير 2009 10:41 م
تحية وسلاما..
الزميل ،يشرفنا أن ندعوك للتعرف على المبادرة التأسيسة لتجمع المدونين المغاربة، من خلال مدونتناالتي تحمل نفس الاسم، في أفق تواصل مع تجربة نرجو أن تساهم معنا في بنائها.