الفلسفة السياسية المعاصرة: تصور نيتشه

كتبهامحمد أندلسي ، في 13 أغسطس 2007 الساعة: 15:34 م

 
 النقد الجذري للدولة:
 
كثير من الباحثين يرجعون النزعة المضادة للقانون والنقد الجذري للدولة إلى فلسفة نيتشه بصفة عامة وإلى نص "هكذا تكلم زرادشت" ونص "جينيالوجيا الأخلاق" بصفة خاصة.
وفي الحقيقة فإذا كان التصور النيتشوي للنظام السياسي يتسم بالكثير من التعقيد واللبس. إلا أنّه مع ذلك هناك نقطتان أساسيتان في هذا التصور يمكن أن تساعدنا في تدليل الكثير من الصعوبات: الأولى تتعلّق بتصور نيتشه النقدي للدولة، والثانية تتعلّق باعتباره مفهوم "إرادة القوة" كمبدأ للعلاقات الإجتماعية.
نقد نيتشه للدولة يمكن توضيحه من خلال قولة وردت بنصه المشهور "هكذا تكلم زرادشت" والتي يمكن صياغتها على النحو التالي:"إنّ الدولة هي الشيء الأكثر برودة من كل الوحوش الباردة". لفهم المغزى العميق لهذه القولة يجب قراءة تتمتها في نفس نص "زرادشت" الذي يعلن " إنهم المبدعون الذين شكّلوا الشعوب وثبّتوا فوق رؤوسها اعتقادا وحبّا: وبهذه الكيفية أسدوا خدمة للحياة. ولكن الذين يزرعون الألغام أمام الكثرة الكبيرة ويسمّون عملهم هذا دولة، هم المخرّبون: حيث يضعون فوق رؤوسهم سيفا ومئات من الشهوات"[i].
إنّ الطابع الاستعاري للغة نيتشه في هذه الفقرة لا يجب أن يكون حافزا للقارئ لإصدار الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات المتسرّعة. بل يجب أن تكون مناسبة لإماطة اللثام عن المضمر في ظاهر الكلام. فزوج المفاهيم المستعملة هنا بشكل أساسي هما: الحياة والموت. فالدولة من حيث ماهيتها مميتة وقاتلة، إنها باردة مثل الجثث. إنها تعبير عن انتصار للقوى الارتكاسية ، أي القوى المهيمنة على الغرب والمحرّكة للتاريخ الغربي القديم والحديث. إنّها سمة أساسية للعالم الغربي في مرحلة الانحطاط. بل أفظع من ذلك، إنها، أي الدولة، تبدو كمصادرة "لقوى الحياة" الخلاقة، التي كانت في أصل بزوغ الحياة وميلاد الشعوب التي يجب تمييزها عن الدولة.
هناك تقابل أساسي يترتّب عن هذه التصريحات: فمن جهة، يبدو أنّ نيتشه يشير إلى وجود حركة مبدعة أصلية وأوّلية توجد في أصل نشأة شعب من الشعوب. وهذه الحركة الحاملة للحياة يمكن تقريبها وتشبيهها في فلسفة نيتشه برمز ديونيزوس، الإله المبدع الذي يوجد وراء كل الأشياء، وهو أيضا تعبير عن الحياة القوية الخلاقة التي سيطلق عليها نيتشه لاحقا إرادة القوة، هذا من جهة. ومن جهة ثانية هناك الدولة التي تعبّر عن مبدأ الموت الذي بهدّم ويقلب رأسا على عقب دافع الإبداع أو حافز الخلق. إنها تشبه صورة سقراط المضادة لديونيزوس التي يتحدث عنها نص "نشأة التراجيديا". هذا التقابل بين الشعب من جهة، والدولة من جهة أخرى يعيد توظيف التقابل الذي يفصل في الكائنات الإنسانية بين المبدعين، وبين المهدّمين، أو بين التوكيديين وبين النافيين.
قد يكون من المفيد لفهم تصور نيتشه هذا يجب الرجوع إلى هوبز. لقد سبق لهذا الأخير أن أكّد في كتابه على أنّ "اللفيتان"، الذي هو استعارة للدولة الحديثة، هو بمثابة غول. هذا على الرغم من أنّ هوبز يتصوّره في الوقت ذاته كرمز إيجابي لأنه يحمي الأفراد من الرعب والموت. بيد أن النقد النيتشوي ينصبّ أساسا حول هذه المسألة بالضبط، لأنّ الخوف من الموت لا يمكن في نظره أن يعدّ ميلا إيجابيا في الإنسان، لأنه ليس توكيدا للذات، كما أنه ليس تعبير عن القوة. بل على العكس من ذلك، إنه اعتراف بضعف، واستسلام الفرد أمام عجزه الذاتي. من هنا فإنّ نظرية التعاقد التي تنجم عن هذا التصور، إنما تجسّد تحالف الكائنات الضعيفة، والتي نظرا لاعترافها بعجزها وضعفها، تجد نفسها مضطرة للتحالف فيما بينها كشكل من أشكال الحفاظ على بقائها. هكذا فالكائن الذي لا يخاف من الموت، ولا من قوة الآخر، يجد نفسه في غنى عن أي تعاقد[ii]، وبالتالي فهو مطالب بخوض المجازفة وركوب المغامرة لكي يصير سيّدا. يقول نيتشه:"أعتقد بأننا كنا واقعين تحت تأثير حلم اليقظة هذا الذي جعلنا نحيل أصل الدولة إلى التعاقد. أما الذي يعرف كيف يأمر، والذي أصبح سيدا على نفسه حيث يبرز ماالذي تستطيعه قوته في صنعته وفي تصرّفه، فلا أهمية بالنسبة إليه إطلاقا للمعاهدات"[iii].
النقد النيتشوي يستند هنا أيضا إلى تقابل المفاهيم: إذ ما يشكّل الحياة في الأصل- وهو لفظ أساسي في تصور نيتشه السياسي والفلسفي- هو نمط من القوة، وعنصر حيوي ينزه إلى الهيمنة على الكائن. وهنا أيضا يلتقي نيتشه مع سبينوزا، الذي يرى في حالة الطبيعة عالم تحكمه تعبيرات القوة. بيد أن سبينوزا ومعه هوبز يعتبران بأنّ هذه الوضعية يجب تجاوزها لأن دوامها من شأنه أن يقود إلى هاوية مواجهة فوضوية معمّمة. في حين نجد بأنّ نيتشه يفهمها باعتبارها تجسّد لحظة إبداع وخلق، وبالتالي فهي تعبير عن دينامية إيجابية. فبينما يسعى كل من سبينوزا وهوبز إلى محاصرة هذه القوى التي يعتبرانها بدائية، نجد نيتشه لا يتردد في نعتها بالقوى الخلاقة التي يجب توفير لها التربة الملائمة للنمو والتفتح.
هكذا إذا كانت الدولة/الغول لدى هوبز عبارة عن قوة يقظة حيث سيعمل ظهورها على إنهاء حالة الفوضى، وتحصين الإنسان ضد الخوف؛ فإنّ ظهورها بالنسبة لنيتشه يؤدّي إلى إضعاف مبدأ الحياة وإنهاكه: فالدولة غول مبتلع لكلّ شيء، والقاعدة القانونية التي هي أحد إفرازاتها، تبدو كشيء مضاد للحياة.
إنّ تحليل نيتشه للدولة يروم إجلاء ما يمكن تسميته "بالبعد المتوحّش" للدولة، وبالتالي للتعاقد الاجتماعي. فإذا كانت بالفعل كل الحدود المفروضة على تعبيرات القوة وتجلياتها هي كلّها من طبيعة ارتكاسية مميتة، فيجب إذن أن نسلّم بأنّ كل ما ينتمي إلى الحياة لا حدود له. لأنّ القوة الإبداعية للحياة لا يمكن إيقافها، بل يجب أن تذهب إلى أقصى ما تستطيعه. وهذا يعني أن نمط التنظيم الذي تشكّله الدولة هو بالضرورة جهاز قمعي ينتصب ضد اندفاع الحياة وتفتق قواها، أي ضد عملية الصيرورة الذاتية للمجتمع وتأسيسه الذاتي. فإذا كانت الحياة- كما يرى نيتشه- عبارة عن دينامية وصيرورة لها منطقها الخاص بها، وإذا كان المجتمع يجب أن يسير وفقا لتطوره الذاتي، فيجب رفض كل إحالة إلى الدولة لأنها تبدو كعائق أمام تفتق الحياة، وكحصار أمام تطور المجتمع. يقول نيتشه:"هذه المعاقل العظيمة التي رفعها النظام الاجتماعي لكي يحتمي من غرائز الحرية، قد نجحت في قلب اتجاه غرائز الإنسان المتوحّش، الحر، المتسكّع- ضد الإنسان ذاته"[iv].
هكذا إذن يتخذ نيتشه من "حالة الطبيعة" ركيزة أساسية يستعملها كأداة نقد جذري، حيث كل دولة إلا وتبدو بالضرورة قمعية لغرائز الإنسان وفي مقدّمتها نجد غريزة الحرية. هكذا يتم تفكيك الدولة لمصلحة الحقوق الطبيعية. وهذا يعني أنّ إشكالية روسو التي حاولت أن تجد في العقد الاجتماعي مقابلا اجتماعيا لحالة الطبيعة، أصبحت إشكالية متهافتة. ففي المواجهة بين الدولة والمجتمع يضع نيتشه الطبيعة ضد الدولة، وهو تقابل مكثّف يزحزح بضفة نهائية التحليل ويخلخل الإشكال من مطرحه، فيلهم بذلك جزءا كبيرا من الفكر المعاصر، وخاصة فكر ميشيل فوكو الذي يمكن أن نعتبره أحد الممثلين البارزين لهذا التوجّه النيتشوي.



[i] - Nietzsche(F), Ainsi parlait Zarathoustra, 1ere partie
[ii] - La société, le droit, et l’Etat moderne, p89, op.cit.
[iii] - Nietzsche(F),Vie et vérité, p98, textes choisis par Jean Granier, P.U.F, Paris, 1983.
[iv] - Vie et vérité, p96, Op.Cit.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الفلسفة والمجتمع | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر