الفلسفة السياسية المعاصرة: تصور ميشيل فوكو

كتبهامحمد أندلسي ، في 13 أغسطس 2007 الساعة: 15:43 م

 
 
1 – رفض اختزال السلطة في الدولة وأجهزتها:
تصور فوكو للسلطة يتموضع على أنقاض نظريات التعاقد والسيادة والحق، وكذلك التصور الماركسي للسلطة. إذ لا ينبغي النظر إليها كملكية في يد جهاز، أو طبقة، أو فئة، أو فرد. لأنّ السلطة هي نتاج لاستراتيجيات الصراع الدائر بين القوى المشكّلة للمجتمع، وهي ليست متمركزة، ولا تصدر من مكان محدّد وخاص بها، إذ هي تمثّل مختلف علاقات القوة. لذلك فهي بقدر ماهي متكوثرة ومتعددة، فهي أيضا متشظية ومنبثّة في كلّ العلاقات الاجتماعية والرّمزية. كما أنها لا تفرض من القمة على القاعدة، وإنما مصدرها العمق والتحت، وهي منتشرة بمختلف نقط النسيج الاجتماعي. يقول فوكو في هذا الصدد: "إن السلطة بما هي علاقات قوة، فهي تنبع من التحت وليس مصدرها الفوق، وهي لا تنطلق من القمة إلى القاعدة، كما أنها لا تختزل إلى ثنائية العلاقة: مهيمن(بكسر الميم) ومهيمن(بفتح الميم) عليه".
إن السلطة هي نتاج لصراع لا يتوقف ولا ينتهي، كما أنها متحرّكة وليست مستقرة، إذ الصراع مستمر ودائم من أجل السلطة وبواسطتها. وامتلاك السلطة تتحكّم فيه شروط كثيرة متغيّرة، واستراتيجيات متقلّبة. لهذا فهي تتحدّد كعلاقات متغيّرة بين قوى.
إنّ السلطة بهذا المعنى لا تنضبط بما هو سياسي، بل تتجاوز باستمرار مجال السياسي وتخومه. وهذا يعني أنّ السلطة غير قابلة للاختزال إلى الدولة – كما ترى الماركسية- لأنّ الدولة ليست وحدها التي تحتكر السلطة، لأنّ هذه الأخيرة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لا مركز لها، كما أنها متشظّية ومبعثرة في كل أنحاء الجسد الاجتماعي. فهي توجد على صعيد الفرد الواحد، والمعرفة، والخطاب، والسلوك، كما توجد على صعيد الأسرة والمدرسة والمستشفى والقيم..إلخ.
إنّ هذا الطابع الميكروفيزيائي للسلطة يثبت تهافت التصورات السياسية التي تختزلها في أجهزة الدولة. إذ السلطة شبكة Un raiseau لا مركز لها، ولا تتجسّد في أي جهاز محدّد حتى ولو كان دلك الجهاز هو الدولة نفسها.
لا يعني هذا الكلام أنّ فوكو يقلّل من شأن سلطة الدولة، وإنّما يسعى أن يبيّن الطابع المنتشر للسلطة غير القابل للاختزال. وما ذلك إلا لأنّ الدولة لا يمكن أن تستنفد كل أشكال علاقات السلطة. ومن جهة أخرى فالدولة لا تستطيع القيام بوظائفها اعتمادا على ذاتها وقدراتها الخاصة، إذ هي في حاجة لخدمات الأسرة، والمدرسة، والشارع، والصورة، والمعلومة، والمعرفة، والرمز، ومختلف أشكال الإنتاج التقني والفنّي.
إذا كان الطابع الميكروفيزيائي للسلطة يشدّد على طابعها المتشظّي، فلأنّ السلطة تخترق كل العلاقات التكتيكية والاستراتيجية للأفراد والجماعات والمؤسسات والخطابات والمواقف والمسلكيات. وهذا الذي يجعلها تتسم بالتعدد والكثرة، وينفي عنها طابع الوحدة.
كما أن ميكروفيزياء السلطة يعني أنها لا تخضع للمراقبة ولا تختزل إلى عمليات التحكّم في الأجهزة والمؤسسات. إنّ السلطة لا تقاس سوى بمفعولاتها. فهناك صراع مستديم وحرب دائمة من أجل امتلاك السلطة، الشيء الذي يجعل علاقات القوة المشكّلة للسلطة عبارة عن علاقات بين قوى غير مستقرّة أقصى ما تستطيعه هو السعي الدؤوب إلى إدامة نفسها إلى حين، وذلك عبر عملية التمأسس l’institutionalisation  واستثمار ذاتها في مؤسسات.
إنّ الطابع الميكروفيزيائي للسلطة يجعل أيضا الصراع حولها غير قابل للحسم بواسطة التواصل والحوار(هابرماس وأوتو آبل)، أو التداول الديمقراطي للسلطة عن طريق التوافق والتعاقد أو الاقتراع(نظريات الحق والتعاقد). وهذا يعني أن السلطة، في ظل المنظور الميكروفيزيائي، هي سلطة فاقدة للمشروعية، طالما أنها ليست نتاجا للتوافق أو التعاقد، وطالما أن آلياتها الأساسية هي الغلبة، والتحكّم، والقوة، والمراقبة، والعقاب. إنّ هذا التصور هو الذي دفع دولوز إلى الربط بين تصور فوكو للسلطة وتصور نيتشه لها. وذلك لاعتبار أساسي يتمثّل في كون أنّ السلطة لديهما معا تتموضع فيما وراء الأخلاق، وخارج المعايير الحقوقية والقانونية التي ينظر إليها باعتبارها أوهاما وأقنعة تحجب الطابع التسلّطي للدولة. إنّ السلطة لا تني توظّف جميع آليات التوهيم والخداع والتضليل، وحينما لا تجدي هذه الآليات يتم اللجوء إلى العنف لإخضاع القوى المعارضة.
تتسم السلطة، في المنظور الفوكوي، بطابع سلبي وإيجابي في الوقت ذاته: فهي تجسّد من جهة طاقة سلبية تنفي كلّ من يعاديها ويعارضها باستخدام إجراءات تطويعية وتقنيات قمعية، ومن جهة أخرى فإنّ هذا القمع والتطويع يمارس بموازاة تشغيل إجراءات أخرى إيجابية كإجراء تحريض الذوات المسلوبة الإرادة على مزيد من الإنتاجية، والمردودية، والنجاعة.
توظّف السلطة عدّة تقنيات كالمراقبة والحراسة والعقاب. لكنّها أيضا تحثّ على الإنتاج، وتوظّف من أجل السيطرة والهيمنة، الجسد ورغباته، والقيم والمعارف. فأشكال مراقبة السلطة تشمل الإنتاج المعرفي والأشكال الثقافية، كما تطال التعبيرات الجسدية.
بيد أنّ السلطة في العصر الحديث لا تكتفي بالتحكّم في حركات الجسد ودوافعه وحوافزه، بل تسعى أيضا إلى التحكّم في حياته ومماته وتوالده وتكاثره. ومن أجل تحقيق ذلك تلجأ إلى استعمال تقنيات جدّ معقّدة بما في ذلك مراقبة السلوك البيولوجي للساكنة.
إنّ استراتيجيات السلطة في تنظيم وتدبير الحياة العضوية للناس يطلق عليها فوكو مصطلح "البيو-سياسي" La bio-politique. إذ ابتداء من القرن17 طوّرت السلطة استراتيجيات جديدة للتحكّم في الحياة العضوية وفي مقدّمتها استراتيجية التعامل مع الجسد باعتباره آلة. فترويض الجسد، وإنماء قدراته، وسلب قواه، ودمجه في نسق الرقابة الاقتصادية والفاعلية الإنتاجية، كلها يتم تكريسها عن طريق المراقبة. إنّها استراتيجية تقوم على ما يطلق عليه فوكو بمصطلح آخر "التشريح السياسي"L’anatomo-politique  للجسد الإنساني.
أمّا الاستراتيجية الثانية فهي مرتبطة بتقنيات الحياة وبخصائص الجسد، وهي تروم جعل الجسد قاعدة لسيرورات بيولوجية، مثل التوالد، والحياة والموت، ومستوى الصحة، ومعدّلات العمر..إلخ.  وهذه الاستراتيجية التي تسعى إلى مراقبة الجسد وترويضه وتطويعه توجد في انفتاح دائم على آخر ما استجدّ من تقدّم على الصعيد العلمي والتقني.
  
2- علاقة المعرفة بالسلطة:
تعتبر المعرفة عنصرا أساسيا في علاقات القوة. فهي مفعول للسلطة وشرط لها في الوقت ذاته، إذ كل من هما يستدعي الآخر ويشترطه. فليست المعرفة والعلم وسائلا محايدة، أو أدوات موضوعية، بل هي شكل من أشكال السلطة، وعناصر أساسية في استراتيجية الصراع حول السلطة. فهناك علاقة وطيدة بين الاختيار المعرفي أو العلمي واستراتيجية السلطة. من هنا النقد الذي يوجّهه فوكو للعلوم الإنسانية، إذ كلّها تساهم بدرجات متفاوتة في وضع استراتيجيات من أجل التلاعب بالعقول وترويض الأجساد. فنظام المعرفة وتشكيلات الخطاب تقوم على إرساء أشكال مختلفة من آليات التسلّط على البشر، مثل علم الاجتماع، والتحليل النفسي، والطبّ العقلي، وعلم النفس، والبيداغوجيا. فكلّ هذه المعارف والخطابات يتمّ تصريفها في ممارسات ومسلكيات، تروم تطويع الأجساد، ومراقبة الحياة، واستعمال المتع والرغبات.
هكذا يرفض فوكو اختزال السلطة في أجهزة الدولة القمعية، كما يرفض اختزالها في المؤسسات الإيديولوجية- كما يذهب إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي الرّاحل لويس ألتوسير.
مما يعني أنّ مفهوم فوكو للسلطة يتجاوز المجال السياسي كما يتجاوز المجال الإيديولوجي. إذ هي ليست جهازا بل علاقة، وهي غير مستقرّة ومتمركزة في مكان محدد، بل توجد مبعثرة في كلّ أنحاء الجسد الاجتماعي، إنّها توجد في كلّ الأمكنة وخصوصا في تلك التي لا يعتقد أنها من الممكن أن توجد بها. إنها كما يقول فوكو، "توجد في كلّ مكان ولا مكان بعينه"، لا مركز لها ولا أطراف لها، تحكم سيطرتها على كلّ شيء، وهي سيرورة بدون ذات، وليست مفعولا لذات فردية أو جماعية أو تاريخية أو رمزية، بل هي مفعول لنسيج من العلاقات والمؤسسات، مثل الأسرة والسجن والعيادة والمدرسة والحزب والمذهب..إلخ.
كما أن تصوّر فوكو للسلطة يقصي كلّ محاولة تروم تأسيسها على أسس مشروعة: كالتوافق أو التراضي، وكالحوار والتواصل. لا شيء باستطاعته الحدّ من استراتيجيات السلطة أو من علاقات القوة. فالسلطة لا يمكن إخماد فتيل نار حربها، ولا يمكن استئصال استراتيجيتها، كما أنّ محاولة مأسستها وتثبيتها، لا يمكن إيقاف جموحها نحو مزيد من التوسّع والانتشار والهيمنة والتسلّط.
3- رفض نظرية الحق والتصور القانوني للسلطة:
إنّ تصور فوكو للسلطة يعلن نهاية الإشكالية الحديثة للسلطة والتي تنتظم حول التقابل الرئيسي: بين المجتمع والحقوق من جهة، وبين الدولة والقانون من جهة أخرى. ويعلن من جهة أخرى بداية لبراديغم جديد للسلطة. فإذا كانت السلطة توجد في كل مكان وتخترق طرفيها المهيمن والمهيمن عليه، وأنّ الشرعية والاضطهاد هما وجهان لعملة واحدة إذ لا يختلفان من حيث الماهية. وإذا كانت الدولة لم تعد اللحظة الحاسمة ولا الدالة في السلطة، فإنّ هذا يقتضي بل ويستدعي بالضرورة إعادة التفكير من جديد في السياسة، وإعادة تعريف للسلطة[1].
كتب دولوز حول أعمال فوكو المتعلّقة بالسلطة قائلا:" إنّ القاسم المشترك بين الجمهوريين وبين المونارشيين في الغرب، يتمثّل في إعلائهما من شأن القانون إلى مرتبة مبدأ السلطة، وذلك من أجل جعل هذه الأخيرة تقدّم نفسها في صورة تمثّل قانوني متجانس". ويضيف دولوز قائلا: "إنّ فوكو لم يساهم بتاتا في تقديس "دولة الحق"، فهو يرى بأنّ التصوّر الذي يستند إلى الشرعية ليس بأفضل من التصوّر القمعي للسلطة. فنحن هنا أمام نفس التصور في الحالتين معا". " إنّ فوكو يبيّن بأنّ القانون لا يمثّل حالة سلم يمكن اعتبارها أفضل من تلك التي تفرضها حرب مربوحة. بل إنّ القانون يمثّل الحرب ذاتها، بل هو بالفعل استراتيجيتها".
إنّ ما قاله دولوز يعبّر عن طبيعة الموقف المعاصر المضاد "للنزعة القانونية"، وهو ذاته كما رأينا موقف كل من نيتشه وفوكو. يتأسس هذا الموقف على رفض للتقابل الذي أقامته الحداثة السياسية ما بين تصور تقليدي للقانون من حيث أنه يمثّل اللحظة الأساسية للحكم، وما بين فكرة "الحرب" الدائمة الملازمة لكلّ تنظيم اجتماعي. بل أكثر من ذلك، إذ يعتبر هذا الموقف - والذي يمكن أن ننعته بموقف مابعد حداثي position postmoderne - القانون باعتباره الشكل الراهن للحرب. ينتهي هذا التصور إلى تفكيك التحديد الكلاسيكي للحق. فلقد سبق لهوبز أن طرح القانون كنهاية للحرب، وكل المفكّرين الحداثيين من بعده سطّروا على هذه المسألة. أي مسألة اعتبار أن الحق/القانون ينهي الحرب ويضع حدّا لحالة الطبيعة. وحده سبينوزا أبدى تحفّظه اتجاه هذه المسألة، حين رآى أنّ الحق لا يؤدّي إلى إلغاء حالة الطبيعة، وإنّما يؤدّي فحسب إلى تغيير في الطريقة أو الكيفية التي تدار بها السلطة. ذات الشيء نعثر عليه لدى فوكو و دولوز، حيث يقدّمان معا الحق باعتباره أحد أشكال الحرب، بحيث ليست حالة الطبيعة وحدها التي تستمرّ في الوجود، وإنّما الحق ذاته ليس سوى أحد أشكالها الراهنة. فليس هناك اختلاف بين السلط كيفما كانت. وهذه أحد النتائج التي ينتهي إليها هذا الموقف. إذ ينتهي إلى إلغاء التمييز أوالتفاضل الذي تقيمه الحداثة بين السلطة المؤسسة على الحق، والسلطة المؤسسة على الاستبداد[2]. يقول فوكو: " إنّ التحليل بألفاظ السلطة لا يجب أن يسلّم كمعطيات أوّلية، سيادة الدولة، والشكل القانوني والموحّد الشاملين للهيمنة. فهذه الألفاظ ليست إلا أشكالا نهائية."[3]. هكذا فكل ما يتعلّق بالسلطة يدور في الفضاء المعتم لعلاقات القوة. فالجهاز القانوني ليس سوى ظاهر السلطة وشكلها المرئي، أمّا ماهية السلطة وحقيقتها العميقة فيجب البحث عنها خلف أقنعة القانون والحق.
 
4- الحياة والجسد كرهانين للسلطة:
إنّ الرهان الأساسي للسلطة كما يتصورها فوكو هو الجسد والحياة العضوية بصفة عامة. ولقد رأينا بأنّ فوكو ابتكر مفهوما جديدا هو مفهوم "البيو-سلطة"، وهو ينطوي على مفهومين آخرين هامّين هما على التوالي: مفهوم "التشريح-السياسي" للجسد الإنساني، ومفهوم "البيو-سياسي"الذي يتعلّق بحياة الساكنة[4]. المفهوم الأول يتعلّق بالجسد ويستهدف ترويضه، والمفهوم الثاني ينصبّ على تقنيات التدبير الأقصى للقوى الحيوية، ويستهدف بصفة خاصة التناسل والسكان.
يبيّن فوكو بوضوح شديد على أنّ الموضوع الخاص بالسلطة السياسية الحديثة هو تحكّم في الجسد يتخذ صورة "التأديب" La discipline ومراقبة الحياة، وتدبير القوى البيولوجية. بتعبير آخر، يتبنّى فوكو فرضية نيتشه التي ترى "أنه في العالم الحديث، صارت الحياة هي الموضوع السياسي بامتياز، بل وصارت هي المستهدفة في ديناميتها الأصلية السابقة على كل اجتماع بشري. وإذا ما عقدنا مقارنة بين فوكو وماركس، نجد بأنّ هذا الأخير ظل أسيرا في منظور كلاسيكي يقيم تعارضا صارما بين الدولة والمجتمع، بين السلطة المضطهدة والقوى الاجتماعية المضطهدة. أمّا فوكو ومعه جزء كبير من المفكرين ما بعد الحداثيين، يفكّر في السلطة كفضاء لنزاع دائر بين القوى الحيوية المعتمة والغامضة، وبين القوى الاجتماعية الارتكاسية. وبحكم ذلك يصبح من البديهي أن "الحياة" وليس "الحق" هي التي تشكّل الرهان الأساسي للسياسة. يقول فوكو:" لقد صارت الحياة أكثر من الحق رهانا للصراعات السياسية، حتى إن كانت الحياة تعبّر عن ذاتها عبر توكيدات الحق. فالحق في الحياة، والحق في التعبير الحر عن الجسد، والصحة، والسعادة، وإشباع الحاجات، والحق فيما وراء كل أشكال الاضطهاد والاستيلاب(…)هذا الحق الغير مفهوم من قبل النظام القانوني الكلاسيكي، كان مصدر ردّ فعل سياسي على كلّ الإجراءات الجديدة للسلطة، والتي هي بدورها لا تنتمي إلى حق السيادة التقليدي"[5].
هكذا نلاحظ أنّ تصور فوكو للسلطة يؤدّي إلى خلخلة المفاهيم التقليدية. فالسلطة المعاصرة ليست هي "السيادة" La souveraineté، وأنّ الحقوق المعاصرة التي تتم المطالبة بها لم تعد هي الحقوق بالمعنى الكلاسيكي المتداول للفظ، كما أنّ الصراع السياسي ليس رهانه الأساسي هو السيطرة على جهاز الدولة، أو كسب الحقوق وغيرها. لقد حدث انزياح في الرهان السياسي بعد أن صار المفهوم المحوري للصراع السياسي هو "الحياة"، والتي تحيل بدورها إلى الطبيعة والجسد. فمفهوما "التشريح-السياسي"، و"البيو-سياسي" يبيّنان بجلاء أنّ ما تسعى السلطة إلى التحكّم فيه، أصبح يندرج ضمن "المواضيع الاجتماعية الدنيا"، وينضوي تحت لواء الغريزة أو الرغبة.
بل إنّ الحق الحديث، كما يرى فوكو، قد تشكّل على أنقاض الجسد، وعلى قاعدة انمحاء الجسد. ويرى فوكو أنّ الإجهاز على الجسد من قبل السلطة قد ابتدأ مبكّرا، إذ سبق "لنظرية السيادة" في أواخر القرن 17، أن أفرغت جسد الملك من جوهريته. بل مند العصر الوسيط تمت بلورة فكرة أنّ الملك يملك جسدين، الجسد الأول المشكّل من لحم وعظم مصيره الفساد، أمّا الجسد الثاني فهو رمزي يحافظ على ديمومته عبر الزمن (حيث الملك كرمز لا يفنى) مشكّلا بذلك أساسا فيزيقيا للمملكة المونارشية.
وإذا كانت الحداثة قد أرجعت للجسد بعض حقوقه، كحق الجسد في الأمن والكمال. وبموازاة هذا الإنجاز بدأنا نشاهد اختفاء تدريجيا للعقاب الجسدي، وبداية إحلال، على الأقل على المستوى الظاهري، الإقناع La persuasion محلّ الإكراه الجسدي، والخطاب Le discours محلّ العنف La violence. لكن تحليل فوكو يميل إلى التقليل من أهمية هذا التطور، إذ يعتبره مجرّد تغيّر في شكل الهيمنة ، حيث حلّت محل العقاب الجسدي، تكنولوجية "رمادية" و"سرّية" للمراقبة والضبط Une technologie grise et discrète. وهذا يعني أنّ الجسد لازال يشكّل الرهان الأساسي للسلطة لأنّ المستهدف باستمرار هي القوى الحيوية للإنسان والطبيعة. أمّا الذي تغيّر فلا يعدو أن يكون تحوّلا شكليا في كيفية التعامل مع الجسد[6]. فالسلطة الحديثة تهتم بالجسد على غرار السلطة التقليدية، بيد أنّ ما يجعلها مختلفة، هو أنّها لا تهدّده، ولا تكرهه حتى تجعله ينهار؛ بل بدل ذلك تسعى أن تجعله أكثر إنتاجا، حيث تعمل على تنمية طاقاته إلى أقصى الحدود. لكن وبالرغم من هذا الفرق، إلا أنها نظير السلطة التقليدية، تسعى باستمرار للهيمنة عليه. لهذه الأسباب لا يرى فوكو في سلطة "الحق"، أي إجراء يجعلها تحدث قطيعة بين الاضطهاد والحرية، وكلّ ما فعلته أنها أحدثت تغييرا طفيفا في كيفية تحقيق الهيمنة.
إنّ السلطة عرفت شكلين من الهيمنة: الشكل الأول يقوم، على ما يطلق عليه فوكو عملية الاقتطاع أو الأخذLe prélèvement، حيث السلطة تقتطع ما تحتاجه أو ما تدين به حتى إن اقتضى ذلك أخذ الحياة ذاتها. أمّا في الشكل الثاني من الهيمنة، فإنّ السلطة تقوم بعملية التنظيم، وتفرض الوصاية، وتمارس الاستثمار. لهذا يستخلص فوكو بأنّ مجيء عصر الحق والحقوق لم يجلب معه الحرية والتحرر، بل أدّى إلى تغيير بسيط في علاقات القوة. وربّما هذا الذي يبيّن لنا لماذا يصرّ فوكو على أن يضع بين قوسين لفظ الحقوق حينما يكون بصدد الحديث عن الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بالسعادة والصحة والحياة. لأنّ هذه المطالب في نظره ليست حقوقا، بقدر ما هي عبارة عن قوى تسعى إلى التعبير عن ذاتها، بواسطة مطالب أصيلة ومتجدّرة تعبّر عن أشكال من الوجود سابقة على كلّ نظام قانوني. وتجاوزا، يمكن حسب فوكو الحديث هنا عن "حقوق متوحشة"، إذا كنّا نقصد من وراء استعمال لفظ حقوق هنا، التعبير عن مطالب صادرة من أعماق الحياة.
من الواضح إذن أنّ تحليل فوكو للسلطة يحدث انزياحا في رهان الحداثة، حيث يجعله يتدحرج إلى أعماق الكائن الحي والوجود الإنساني. لا يتعلّق الأمر هنا بالمراهنة على قيم الحرية والمساواة والحق في التعبير عن الرأي، بل صار الرهان هو مطالب الجسد، والجنس، والقوى الحيوية المشكّلة للكائن الحي. الشيء الذي يعني أنّ تصور فوكو ينتقل بنا من التقابل الذي أقامته الحداثة بين المجتمع والدولة، إلى تقابل من نوع جديد، إنه التقابل بين الطبيعة والسلطة.
 إنّ أحد نتائج هذه الزحزحة يتمثّل في إحلال مفهوم "مقاومة" السلطة résistance محلّ مفهوم المطالبة بالحقوق[7]. يقول دولوز: "لقد صارت الحياة مقاومة للسلطة حينما اتخذت السلطة من الحياة موضوعا لها"[8]. وهو نفس الرأي الذي يتبناه فوكو حين يقول: "لا نعرف ما الذي يستطيعه الإنسان باعتباره كائنا حيا وكمجموعة من القوى التي تقاوم". ولقد سبق لسبينوزا أن أعرب عن موقف شبيه بالموقفين السابقين، حين قال: " لا نعرف ما الذي يستطيعه الجسد الإنساني، حينما يتحرّر من تطويعات الإنسان".
لفهم طبيعة هذا الموقف، يجب أن نشير إلى أنّ الأشكال القانونية والحقوقية ونظريات التعاقد، هي في نظر هؤلاء، تقوم على إخفاء وحجب الطبيعة العميقة للعلاقات التي تربط بين الأفراد، وذلك من خلال تقديمها للسلطة في صورة اللحظة الكثيفة، المتمركزة في أحاديتها، بينما السلطة في واقعها الفعلي هي لحظة مفكّكة، مبعثرة، منتشرة، حاضرة في كلّ مكان، ومع ذلك غير قابلة للإمساك بها، لأنّها عديمة الماهية. ومن الواضح أنّ مثل هذا الافتراض يدحّض فكرة وجود "مكان" خاص للسلطة، كما يدحّض الفكرة الموروثة عن ماركس والتي تمركز السلطة في جهاز الدولة.
إنّ النموذج الذي يقترحه فوكو ودولوز، والذي يجب أن تستلهمه السلطة، يتعارض بوضوح مع "نظرية السيادة"، ومع كلّ تصور مركزي للسلطة يمنحها قدرة شمولية، ويحصرها في جهاز الدولة. في مقابل ذلك نجد أنّ تصورهما قريب إلى حدّ ما من النموذج الموروث عن مونتسكيو، أي "النمودج الاقتصادي للسلطة"، الذي يقوم فوكو بتفكيكه لإماطة اللثام عن طابعه الليبرالي المزيّف. إنّ ما حاول مونتسكيو أن يبيّنه بالفعل، هو أنّ "المدن التجارية" بنسجها وإقامتها لسلسلة من الشبكات اللامرئية واللامادية، قد نجحت في الإفلات من التدخّلات المكثّفة للسلطة السياسية. ممّا يعني أنّ السلطة التي أقامتها هذه الشبكات لامرئية، ولامادية، وتفلت من كل سيطرة ملموسة. إنّها سلطة تعمل على إدماج العالم كلّه في شبكة علاقاتها. يضع مونتسكيو محلّ سلطة "اللّفيتان"، استراتيجيات تستعمل القوى، وتنتهج سياسة التقسيم، والتفريع، والانتشار. يوجد إذن تقابل  ما بين الشبكة التجارية التي تجهل الأوطان، ولا تكترث بالحدود، وتعتبر العالم بكامله كمجال لعملها واشتغالها؛ وما بين السلطة مفهومة كجهاز مقيّد ومحدّد في المكان، وأحادي المركز. فمحلّ صورة "الغول" الحاضر، الجاثم؛ تحلّ صورة "شبكة الفخ"، أو "شبكة الصيد". إنّ منطق هذا النمط من السلطة يقوم على مبدأ يجد تعبيره في الصيغة التالية:"أن ترى(بفتح التاء) بدون أن ترى(بضم التاء)". إذا كانت السلطة نظير التبادل عبارة عن علاقة، فإنّ هذا يجعلها متعذرة على الإمساك، بحيث كلّ ما تسمح به هو قابليتها للاستعمال، دون أن تكون لنا القدرة على إبطال مفعولاتها أو تعطيلها.
عمل فوكو الفكري تمثّل في حرصه على إظهار ما يظلّ خفيا ومستترا على الدوام. كما سعى أيضا أن يبيّن، فيما وراء اللعبة الظاهرة للمؤسسات والأجهزة القانونية، استمرار وتواصل لعبة القوى، والتي تبعا لمنطقها الخاص بها، لا تكفّ عن تشكيل السطح، وهدم القواعد وإعادة بنائها، ولماذا لا العمل على تطويرها.
5- النموذج التأديبي للسلطة: Le pouvoir disciplinaire
لقد قلنا إنّ السلطة لدى فوكو تتشكّل من علاقات القوة، بحيث لا وجود لها خارج هذه العلاقات. وهذا يعني أنها ذات "طبيعة استراتيجية". فهي تمارس ضغطا دائما على النشاط الإنساني. وبالفعل فالسلطة تتعلّق بالكيفية التي يتم بها تدبير السلوكات وحكمها داخل المجتمع، وهي بذلك تتجاوز تقنيات ممارسة الإخضاع والهيمنة المشروعة، إلى مستوى علاقات القوة التي تحدّد مختلف الأنشطة داخل المجتمع. إنّها نسق يقظ ينصبّ على السيرورات والسلوكات والأنشطة. ومثل هذه الوظيفة غير قابلة أن تختزل إلى المراقبة والعقاب، لأنها تروم إحداث تغيير إيجابي على الأفعال وتوجيهها، ومقارنتها ببعضها البعض، و إحالتها وإثارتها. إنّ السلطة تشتغل كعلاقة، أو كعلاقة للعلاقات، علاقة الفعل بفعل آخر، وعلاقة السلوك بسلوكات أخرى، أو علاقة القوة بقوة أخرى. يصيغ فوكو هذا التصور الجديد للسلطة من خلال التركيز على بعدها الإجرائي والفاعل، ويحكم عليها انطلاقا من القوى التي تخضع لها، أو تلك التي تخضعها لها. كما أنّ مساءلة فوكو للسلطة ليست مساءلة لماهيتها، ولطبيعتها، كما أنه ليس تساؤلا حول أصلها وموطنها، ولكنه تساؤل حول طرق فعلها، وكيفية تصرّفها، وآليات اشتغالها. ولا شكّ أنّ هذه النظرة إلى السلطة بما هي علاقات القوة، أخذت تفرض نفسها على المجتمعات عندما "تخلّت السلطة عن "نموذج السيادة" لصالح "النموذج التأديبي". إنّ هذا لم يحدث إلا حينما تخلّت ممارسة السلطة على التسليم بالطابع المفارق والمتعالي للقانون. إنّ هذا الانتقال إلى "النموذج التأديبي" أحدث تحويرا عميقا في أنماط تعقّل السلطة. فالتفكير في السلطة كآلية تأديبية يقتضي التخلّي عن النظر إليها كممارسة لها حق "الأمر" غير القابل للجدل. كما يقتضي ذلك أيضا عدم إحالة السلطة إلى "مبدأ حق" يحدّد مسبقا فعلها ويتنبأ بمفعولاتها. "فالنموذج التأديبي" يقطع إذن مع فكرة وجود معيار خارجي عن مجال تطبيقه ويتعالى على السيرورات والعمليات التي يتحقق من خلالها. يعني هذا أنّه يعمل على بلورة تصور للمعيار، محايث لعمل السلطة ولا يشرطها بشكل قبلي. إنّ "التأديب" لا يمكن التفكير فيه إلا في علاقة بالعمليات التي ينجزها، من هنا يكتسي طابعه التاريخي المحايث.
إنّ السلطة كما يتصورها فوكو ليست اضطهادية ولا قمعية. بل يجب التخلّي عن التفكير فيها بألفاظ الممنوع والمحظور. إنها تتسم بطابع إيجابي ومنتج. ولهذا فهي تتحدّد قبل كل شيء كسلطة لتوليد الانفعالات واستقبالها في الوقت ذاته. فهي تفعل وتنفعل.
وإذا كانت السلطة في الماضي موجّهة فحسب نحو وظائف سلبية، كإبطال مفعول المخاطر التي تهدد استقرارها وهيبتها وجبروتها، حيث كانت تشتغل كقوة خارجية تمارس الإكراه من الخارج، فتسعى إلى أن تمنع أو تجنّب أو تلزم وتكره الناس على احترام القواعد. فإنّ السلطة التأديبية لها دور أكثر إيجابية. فهي لا تكتفي بالزجر أو بالمنع، ولكنها تستثمر موضوعها وتعمل على تشكيله وتنمية قدراته ومنافعه. وبالرغم من كونها تستمر في القيام بعمليات تأنيب السلوك، إلا أنها تهتم أكثر بمضاعفة مردوديته. "فالتأديب" يستعمل من أجل صناعة فرد منتج مفيد ونافع.
 إنّ ما يكشف عنه هذا النموذج ليس صورة سلطة تمارس قمعها من الخارج، بل سلطة داخلية تدعو وتثير وتنتج وتشكّل. سلطة تتمتع بقدرة كبيرة على التوجيه، توجيه الأفعال والتصرفات، ومضاعفة مردوديتها على غرار، سلطة التأديب المدرسي، أو سلطة التأديب الحرفي.
من بين مضاعفات هذا التحول في براديغم السلطة، أنه يؤدّي إلى إحداث قلب في المحور السياسي لنزعة الفردنةL’individuation . ففي النظام التأديبي نجد بأنّ "نزعة الفردنة" توجد في هبوط دائم، "إذ بقدر ما تصبح السلطة مجهولة الإسم، وأكثر وظيفية، فإنّ أولئك الذين تمارس عليهم ينزعون إلى أن يكونوا أكثر فردانية". إنّ الفرد تتحدّد هويته تبعا لدرجة إدراكه لأفعاله ورؤيته لتصرّفاته، حيث كثافة وحدّة فردانيته تتناسب مع درجة رؤيته لها. وميكانيزمات التأديب تلعب على هذا السجل المشكّل من جدلية بداهة الرؤية/النزعة الفردانية. وإذا كانت السلطة التأديبية تولّد "نزعة الفردنة"، فلأنها تجعل الرؤية ممكنة، رؤية لا تفرضها من الخارج، بل يسلّطها الأفراد بعضهم على بعض. فالمعيارLa norme يجعل كل فرد يتموضع بالنسبة للآخر والآخرين. وهذا هو الفرق بين النموذج التأديبي والنموذج المونارشي. ففي هذا الأخير تصبح السلطة هي المرئية، بينما في النموذج الثاني، الذي يستلهم نموذجLe panoptisme ، تصبح السلطة هي التي "ترى دون أن ترى". وعبر مفعول الرؤية هاتهLa visibilité وما يترتّب عنها من مقارنة، تعمل السلطة التأديبية على تشكيل الفردانيات. إنها تنتج الذوات عبر الرؤية والمعرفة المقارنة لبعضها البعض. وهي لا تنجح في التأثير عليهم إلا حينما تجعلهم قابلين للتشكّل كحقائق: أي كوضعيات، ومراتب، ودرجات. إنّ هذه السلطة غريبة عن كلّ ميتافيزيقا ذاتية، لأنّ الفردانية التي تصنعها آليات التأديب هي فردانية بدون ماهية خاصة. فهي لا توجد إلا من خلال وعبر آلية "الرؤية" و"المقارنة" التي يتيحها المعيار.
 إذن "التأديب"، بمعناه الحديث، يفتح إمكانيتين متكاملتين من حيث الجوهرconsubstantielle: تشكيل الفرد كذات مختلفة، متخصصة، متميزة، مؤهلة؛ وبموازاة ذلك تشكيل فضاء للمقارنة يسمح بتقدير المسافات التي تفصل بين الأفراد وتعمل على توزيعهم داخل مجموعة من السكان.
إنّ ميكروفيزياء التأديبات ليست شيئا آخر غير تحيين وتفعيل علاقات السلطة في مجتمع متعدد.  ونجاعة هذا النموذج تتوقف –كما لاحظ ذلك فوكو- على أدوات بسيطة ولكنّها تستعمل وتوظّف بكيفية منظّمة وممنهجة: يتعلق الأمر بالتراتبية، والتطبيع، والفحص.
 
      6- السلطة كتخطيط بياني:Le pouvoir et diagrammatique
إنّ علاقات السلطة تشكّل استراتيجية لكن بدون خبير استراتيجيune stratégiesans stratège. كما أنّ علاقات السلطة قصدية لكنها ليست ذاتية. فالسلطة تتجاوز كل استعمال نوعي، كما لا تختزل في أي مضمون خصوصي. منطق السلطة ليس قمعي وإنما وظيفي، يستعمل من أجل تدبير اللعبة المنفتحة والمتحرّكة لعلاقات القوة، أو علاقات الرغبة، أو علاقات الحقيقة. إنها تحرّض أكثر مما تأمر، إنها تحدث زحزحات، وتكثّف وتبعثر أكثر مما تضطهد أو تخضع.
إنّ هذا التغيير الذي طرأ على السلطة يربطه فوكو بالتغير الذي طرأ على رهان السلطة ووظيفتها. لقد صار موضوعها الجديد هو "حياة" الجنس البشري. لقد صار واقع الحياة تحت إمرة السلطة واندرج ضمن مجال تدخّلها. إنها أصبحت مهتمة بشكل مباشر بسلوك الإنسان بهدف الولوج إلى قلب ممارسة الوجود الإنساني. هكذا ستصير السلطة عبارة عن "بيو-سلطة". وستأخذ على عاتقها الحياة والتحكّم في الرغبة والتأثير على الانفعالات. يقول فوكو معبّرا عن هذا الانعطاف الذي طال مفهوم السلطة ورهانها: "لا يتعلق الأمر بلعب لعبة الموت في حقل السيادة، بل يتعلق الأمر بإعادة توزيع الحي في مجال القيمة والمنفعة". فالاهتمام أساسا بعلاقات الوجود والسعي لضبط مختلف أبعاده، أدّى إلى تفجير علاقات "المنع" و"الحظر" التي كانت تقوم عليها السلطة، لأنها صارت عائقا أمام المساعي الجديدة التي تستهدفها الممارسة التأديبية. إن السلطة عبارة عن رسم تخطيطي أو بياني لأنها عبارة عن وظيفة (أو مجموعة وظائف) منفصلة عن كل استعمال نوعي وعن كل مضمون خصوصي. في كتابه "المراقبة والعقاب" Surveiller et punir
يعرّف فوكو Le panoptisme( وهو عبارة عن مؤسسة سجنية يوجد بداخلها برج سامق يستعمل من أجل رؤية كل ما يحدث داخل الزنازن وتتبع الحركات الدقيقة للسجناء بدون أن تتم رؤيته هو) كرسم بياني أو تخطيطي للسلطة في مجتمع تأديبي. فهذا السجن يخترق كل أشكال المؤسسات وينطبق على كل واحدة منها. إنه غير قابل للاختزال إلى هدف بعينه، أو وسيلة بعينها(كالتربية، أو العقاب، أو الإصلاح). كما أنه ليست له مواضيع خاصة يمكن له أن يتجسّد فيها(مثل السجين، أوالتلميذ، أوالجندي). فهذه المؤسسة تشتغل وتعمل في استقلال عن كلّ الأشكال التي يمكن أن تتجسّد فيها، وفي استقلال أيضا عن الأفراد. إنّ السلطة بما هي "تخطيط" عبارة عن قدرة خالصة على الانفعال. فهذا الوجود التخطيطي يزوّد السلطة بقوة مغايرة هي أكثر فاعلية وعمق من تلك التي يمنحها لها الخطاب القانوني. فالشكل القانوني للسلطة يسعى إلى تقنين علاقات القوة وأسرها داخل قواعد وقوانين محددة. ومن نتائج هذا التقنين والتقييد حجب، بل وإلغاء حركية وتعدد أقطابها التي تتيحها طبيعتها التخطيطية. وحسب فوكو فإنّ هذه السلطة لا تتحكّم لا في الشروط التي تجعلها مرئية، ولا في قواعد تصرّفها، كما أنها لا تضمن حتى استمرارها. فالتحيين الذي من شأنه أن يجعل السلطة مستقرّة لا يوجد بحوزتها وبالتالي ينفلت من قدرتها. بل يتوقف كل ذلك على المؤسسات الخاصة بكل تشكيلة اجتماعية- تاريخية. وهذه هي الوظيفة الأساسية للمؤسسة والمتمثّلة في استدماج علاقات القوة وتحيينها. ولقد عالج فوكو في كتابه "إرادة المعرفة" أحد اللحظات المتميزة في إطار عملية تفعيل السلطة، وهي لحظة "الجنس" L’instance du sexe. ولقد بيّن فوكو كيف استثمرت السلطة "الجنس"، وكيف استعملته كوسيلة تحفيز وتحريض للقوى الاجتماعية. لقد أصبح "الجنس" يشتغل ويوظف كمجال لإدماج مفعولات السلطة. لقد أصبح فضاء للسلطة تسعى من خلاله وعبره إلى ترسيب منتوجاتها وإيعازاتها.
إنّ السلطة، في هذا المنظور، بكماء وعمياء. فهي لا تبدأ بالكلام، ولا تسمح برؤيتها إلا إذا منحت لها مؤسسة من المؤسسات حدّا أدنى من إمكانية "الرؤية" و"المعرفة". وفي هذا المستوى نستطيع الحديث عن التداخل والانشراط المتبادل بين علاقات القوة وعلاقات المعرفة. فمثلا في مجال الجنس، تسعى إرادة المعرفة إلى تمكين الجنس من التعبير عن ذاته، وجعله قابلا للرؤية وللمعرفة من خلال إرغامه على أن يعلن عن ذاته في صيغ خطابية. وعبر هذه الآليات وهذا النوع من العلاقات تستطيع السلطة أن تستولي على الجنس.
لكن السؤال الذي يمكن طرحه على تصور فوكو للسلطة يمكن صياغته على النحو التالي:
إذا كانت هناك علاقات متبادلة بين علاقات القوة وعلاقات المعرفة، انطلاقا من كون كل من هما يفترض وجود الآخر، وكانت هذه العلاقات المتبادلة تشكّل سياجا محكما، فكيف إذن يمكن انطلاقا من سياج السلطة/المعرفة، تكوين خطوط انفلات ومقاومة؟ Lignes de fuite et de résistance.
لقد بيّن جيل دولوز بأن فوكو اضطرّ إلى إدراج في تصوره للسلطة، بعدا ثالثا، لكي لا يظل أسيرا لذلك السياج الذي تقيمه وتنظّمه علاقات القوة. هذا البعد الثالث هو ما يمكن أن نطلق عليه "خطوط التذويت" Lignes de subjectivation. وهي خطوط غير قابلة للاختزال إلى خطوط القوة الخاصة بعلاقات القوة، أو إلى خطوط الاستمرارية المميزة لعلاقات المعرفة. فحسب فوكو فإنّ عملية تكوين الذات، أو الدخول في علاقة مع الذات ومع الآخر قادرة على تحرير الذات من هيمنة واستحواذ سياج السلطة/المعرفة. فالعودة إلى الذات ومحاولة إعادة بنائها قد يؤدّي إلى إحداث وتشكيل خط قطيعةLigne de rupture. هكذا إذن يقرّ فوكو بإمكانية مقاومة السلطة وتحقيق انفلات حقيقي من شبكتها العنكبوتية، وذلك من خلال القدرة على الدخول في بعد آخر جديد، إنه بعد التعالق بالذات وبالآخرين. يؤسس فوكو إمكانية المقاومة بناء على الافتراض التالي: فلأنّ الذوات لا تتلاءم وتنسجم دائما مع "الهوية" التي تفرض عليها من السلطة، فإنّ هذا يمكّنها من بناء خارجيتها.
 


[1] - La société, le droit, et l’Etat moderne, p97, op,cit.
[2] -Gilles Deleuze, Foucault, éditions de minuit, Paris, 1986, p5.
[3] - Foucault.M, La volonté de savoir, Gallimard, Paris, 1976, p121.
[4] - Ibid, p183.
[5] - Ibid, p191.
[6] - La volonté de savoir, ibid, p181.
[7] - La société, le droit, et l’Etat, op.cit, p93.
[8] - Deleuze, Foucault, p99, op.cit.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الفلسفة والمجتمع | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر