إشكاليات فلسفية:إشكالية الجسد بين المادة والروح

كتبهامحمد أندلسي ، في 23 أغسطس 2007 الساعة: 13:29 م

 
إذا ما تتبعنا سلسلة الاستعارات وسيل الإيحاءات التي يوحي بها لفظ "الجسد"، سنلاحظ أنها وبشكل متزامن تحيلنا إلى الحياة والموت، وإلى المادة والروح. فالجسد يمكن أن يشير إلى الجثة الهامدة le corps inerte، كما يمكن أن يشير إلى "الحياة" من حيث ما تمثّله من "مبدأ تنظيم"، وما تبديه من "مقاومة" للعناصر المعادية ولقوى التشتّت والتحلّل. والتنظيم والمقاومة من بين الآليات التي تمكّن الجسد من الحفاظ على شكله ووحدته وعافيته، أي بكلمة واحدة على حياته. بهذا المعنى نقول بأنّ الجسد يشكّل "قوة للإدماج" تعمل على انتقاء وتجميع العناصر في "كلّية منظمة" تقيه من التفكك والتحلل. وهذا يعني أنّ الجسد يوحي لنا بفكرة "عضوية مفكّر فيها تبعا للنموذج الحي"[i]. 
 إنّ هذه المسألة يمكن الوقوف عليها من خلال الاستعارات التي يسمح بها الجسد: فنحن نتحدّث عن الجسد العسكري، أو الجسد الاجتماعي، أو الجسد السياسي، للإشارة دوما إلى مجموعة من العناصرالتي تتعالق فيما بينها بشكل بنيوي لا يخلو من تلاحم داخلي. كما أنّ الجسد بالطبع، وبشكل مباشر يحيلنا إلى "جسد الإنسان" من حيث أنه يدلّ وينطوي على فكرة " إدماج ديناميكي أعلى"[ii].
  إنّ الجسد، منظورا إليه من زاوية هذه الاستعارة الأخيرة، يشير إلى "سلطة الصورة" أو "الشكل" الذي يعمل على "تشكيل المادة" وتنظيمها.
نستنتج مما سبق أن "التقابل بين المادة والروح" بات تقابلا كلاسيكيا لا ينطبق إلاّ على "المادة الجامدة" أو "الروح الخالصة"، وهو يصير أكثر التباسا وغموضا حينما نسعى إلى جعله ينطبق بصفة خاصة على الجسد الإنساني، حيث تفتقد حدود التقابل الآنف الذكر دقّتها.
تقتضي إذن مقاربة الجسد مقاربة فلسفية تعليق "الثنائيات" الميتافيزيقية مثل ثنائية "المادة والروح"، أو ثنائية "النفس والجسد"، لأنّ الجسد يقاوم الاندراج تحت مقولة "المادة" وما يرتبط بها من خصائص مثل المحسوسية، والجاذبية، والامتداد، والتخارج المكاني، والتشتت والتشظّي. كما لا يتقوّم بمقوّمات "الروح" أو النفس مثل اللامحسوسية، والتجريد، والطهارة، والوجود الخالص. إنّ هذه التقابلات أضحت كلاسيكية غير قادرة على تأطير الجسد وإجلائه، لأنّها تعمل على اختزاله في بعد من أبعاده فتنتهي إلى إفقاره وتبسيط تعدّده، حينما تحيله إلى مجرّد "موضوع" من موضوعات المعرفة فتنتهي إلى "تشييئه".
 إنّ "مقولة المادة" إن كانت تنطبق على المادة الجامدة اللاعضوية، فهي تصبح أكثر التباسا حين تريد الانطباق على الجسد الحي، الجسد العضوي. ذات الشيء يقال عن "مقولة الروح" الميتافيزيقية التي لا تستقيم إلا بإفراغ الجسد الحي من كل مقوّماته الذاتية بما في ذلك حركته الذاتية.
 لنقل إذن بأنّه أمام الجسد، تفقد الثنائيات "الميتافيزيقية" دقّتها وقدرتها على التحديد والتسمية. وهذا الذي يفسّر لنا طبيعة الحكم "القاسي" الذي أصدره صاحب "جينيالوجيا الأخلاق" على "تاريخ الفلسفة"، حينما اعتبره بمثابة تاريخ "سوء فهم للجسد"[iii].
لكن إذا كان "الجسد" هو الوجه الآخر المقابل ل"العقل الميتافيزيقي"، إذا كانت سلطة "العقل" داخل الفلسفة قد شيّدت على أنقاض "الجسد" ومن خلال كبت وحجب رغباته، فما ذلك إلا لأنّ الجسد يشكّل فضيحة للميتافيزيقا ولكلّ ادّعاءاتها ومزاعمها المتعلّقة باليقين والتطابق والعقلنة والتحكّم  والخلود…إلخ. لهذا تقتضي مقاربة الجسد مقاربة فلسفية "جينيالوجية"، وكشرط أوّلي، تفكيك ثنائية "المادة والروح"، و"النفس والجسم". ذلك لأنّ الجسد هو قبل كلّ شيء "وحدة" المادة والروح، أو "وحدة" النفس والجسم. إنّ هذه المسألة تبيّن الطبيعة التكوينية والمحايثة للجسد، كما تجلي طبيعته "الديناميكية" حيث تجعل من تنظيمه وحركته وسيرورته مبدأ ذاتيا محايثا للجسد وليس مبدأ مفارقا يفرض عليه من الخارج.
 إنّ "الجسد" بهذا المعنى هو "علّة ومعلول ذاته" في الوقت نفسه. وما ذلك إلا لكونه ينفرد بامتلاك قوة أو قدرة على "التكوين الذاتي" لا توجد عند المادة الجامدة أو الآلة : مثل القدرة على التناسل، والقدرة على لمّ الجروح، والقدرة على الإحالة الذاتية، والقدرة على تصعيد الكبوات والإحباطات. هكذا إذن تبدو "ثنائيات" الميتافيزيقا، والتي تعثرعلى صيغتها الكاملة في ثنائية "الباطنية والخارجية"، عاجزة تماما عن مقاربة "الجسد".
إنّ هذه "الحصانة الذاتية"، أو إن شئت قلت هذا "الغنى الذاتي" الذي يتمتع به "الجسد" هو الذي يفسّر طبيعته "التمرّدية"، وقدرته اللامحدودة على "المقاومة" و"الصمود". كما أنّ الطبيعة التكوينية المركّبة للجسد، والتي تجعل منه "وحدة" تتشكّل من "تداخل" المادة والروح، هي التي تجعل منه "لغزا" مستعصيا على  التمثّل من قبل الفكر.
 إنّ "الجسد الحي" يمكن مقاربته من زاويتين مختلفتين بل ومتناقضتين: فمن جهة يمكن تفسيره بواسطة "الحتمية الآلية"، كأن نقول مثلا بأنّ "بنية العين" هي التي تفسّر ظاهرة الرؤية وتجعل منها مفعولا ضروريا بدون اللجوء إلى التفسير الغائي. ومن جهة أخرى فإنّ التلاحم والانسجام المشكّل للكائن الحي والمتحكّم في تركيبه، يطرح علينا فكرة "الغائية"، بحيث تبدو العضوية خاضعة لتصميم مسبق يحدّد لكلّ عضو مكانته ووظيفته. هكذا إذن في "المقاربة الآلية" يبدو الجسد من حيث هو كلّية، كمفعول ضروري للأجزاء التي يتكوّن منها؛ بينما في "المقاربة الغائية" فإنّ الكلّية هي التي تحدّد وظيفة وبنية كل عضو، كأن نقول مثلا بأنّ "العين" وجدت من أجل تمكين العضوية من الرؤية والتكيف مع المحيط. بهذا المعنى تتقاطع "الآلية" مع "الغائية" في تفسير بل وتأويل الظواهر البيولوجية.
لكنّ إذا كانت "الطبيعة المادية" للجسد، جلّية وبيّنة، ولا تحتاج إلى بيان أو إجلاء؛ فإننا نزعم أن "الطبيعة الروحانية" للجسد لا تخلو هي أيضا من أساس ورسوخ هذا بالرغم من التاريخ الطويل للكبت والنسيان وعدم الاعتراف والإقصاء الذي تعرّض له هذا البعد الروحاني للجسد خلال تاريخ الفكر البشري.
 يمكن الوقوف على بعض معالم "روحانية الجسد" من خلال الاستعارات التالية: فالجسد أوّلا هو عبارة عن "جهاز هضمي" يقوم بعملية استيعاب واستدخال وإدماج وتملّك[iv]Le corps comme métaphore gastroentérologique. إنّه يقوم بعملية العودة إلى الذات والرجوع إليها، وهذه خاصية أساسية تميّز "الروح" مقارنة بالمادة. لكنّ الجسد ك"تغذية" و"هضم" يشهد أيضا على ارتباطه بوسطه المادّي وتبعيته له. ومن هذه الزاوية يبدو "الجسد الحي" ك"خارجية" تعود إلى ذاتها، لذلك فهو يتموضع خارج "ثنائية المادة والروح"، و"ثنائية الداخل والخارج"، وهذا "التموضع" يجعله يتّسم بأسرارية مستعصية على التبسيط والتفكيك.
إنّ هذه "الأسرارية"، وهذا "اللبس" و"الغموض" الذي يكتنف "الجسد"، يتناسب مع ما تمثّله بصفة عامة "الظاهرة الحية" من تعقيد، ومع صورة الكائن الإنساني المعقّدة بصفة خاصة. فالإنسان كما يرى صاحب نص"هكذا تكلّم زرادشت"، هو "الكائن الذي لم يتحدّد بعد نوعه"، فهو ليس ب"ملاك" وليس ب"حيوان". فجسد الإنسان ينبثق من "الطبيعة" ولكنه يكتسب صفته الإنسانية داخل "الثقافة" التي تغدو "طبيعة ثانية" للإنسان. إحدى خصائص هذه "الإنسانية" أو "الطبيعة الثانية" تتمثّل في "استقامة" جسد الإنسان، وتغيّر وظائف أعضائه وفي مقدّمتها وظيفة اليد(راجع، "جدليات الطبيعة" لفريدريك إنجلز). هذه التحوّلات عملت على "تحرير" أفق الإدراك والرؤية، حيث أصبح الإنسان "الكائن القادر على الرؤية من بعيد"، والقادر على استباق الزمن. إنّه سيصبح على حدّ تعبير هايدغر "كائن المسافات البعيدة". إنه الكائن الذي سيقوم بإعادة تنشئة طبيعته، عبر "تحوير" وظائفه الفيزيولوجية وتغيير اتجاهها ودلالاتها. فالتناسل سيصير عنده حبّا وعشقا، والتغذية ستصير علم جمال وصحّة، والمشي عبارة عن رقص، والكلام لحن وموسيقى..إلخ.
 تحوّلات الوظائف هاته تعثر على مبدئها في العلاقة الأصلية التي يقيمها الكائن الإنساني مع جسده. إذ هو الكائن الوحيد القادر على تمثّل جسده من الخارج. إنّه الوحيد الذي يستطيع اجتياز ما يسمّيه علماء النفس ب"عتبة" أو"مرحلة المرآة". وحده الإنسان قادر على التعرّف على صورته وانعكاساتها مع أخد المسافة اللازمة منها عند الضرورة.
إنّ هذه "القدرة المزدوجة" التي ينفرد بها الإنسان، قدرته على أن يعيش جسده من الداخل وأن يقوم في الوقت ذاته بمحاولة ملاحظته من الخارج؛ إنّ قدرة الإنسان على التعرّف على ذاته في المرآة إلى درجة التماهي معها، هي التي تؤسّس ما نسمّيه بعملية "الوعي الذاتي".
إنّ الإنسان، على عكس الكائنات الحية الأخرى، لا يستطيع أن ينتزع ذاته من "ثقالة" المادة إلاّ عبر سعيه لبناء شخصيته انطلاقا من صورة جسده. وهو الذي يعني أنّ الجسد، لدى الإنسان، ينزع إلى أن يصير "علامة"بالمعنى الإيجابي والسلبي للفظ. والشيء لا يصير "علامة" إلاّ حينما يتعذر في ذاته على الإدراك، ويتم إدراكه عبر شيء آخر "غائب" يشتغل كعلامة تدلّ عليه. فالإنسان "بامتلاكه" لجسده يحوّله إلى "علامة" على باطنه(المعنى السلبي للعلامة). فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك وجها له قسمات تعبّر عن دواخله(المعنى الإيجابي للعلامة).
قلنا بأنّ "الجسد" لا يتكوّن فحسب من "المادة"، بل فيه جانب "روحاني" أو نفساني أو "عقلاني" يتجسّد في "التلاحم الداخلي" وكذا في "التنظيم الذاتي" الذي يخضع له الجسد. لهذا شدّدنا على الطابع المعقّد والتركيبي للجسد، إذ هو يتكوّن من مبدأين: "مبدأ مادي" أساسه الكاووس، و"مبدأ روحاني" أساسه العقل أو الروح. الجسد إذن "مركّب" من "مادة وصورة" وهذا "التركيب المزدوج هو مصدر الطابع الإشكالي للجسد".
 لأنّ هذا التركيب المميّز للجسد ليس ثابتا ومستقرا، وهذا ما تشهد عليه "سيرورة" الجسد. إنّ هذا الطابع الملتبس والمركّب للجسد، هو الذي يجعله في وضع متأرجح بين الداخل والخارج، وهذه "البينية" هي ما لا تقوى الميتافيزيقا على احتمالها، لهذا وجدناها عبر تاريخها تسعى إلى ضبطه ومحاصرته عبر اختزاله في مقولة "المادة"، أو "الهوى"، وإخضاعه لسلطة "العقل" أو "الروح"، التي ينظر إليها كقوى خالصة أو كملكات مستقلّة عن الجسد. وهذا ما ستضطلع به الفلسفة الأفلاطونية. فليست الأفلاطونية سوى إدانة مستمرّة للجسد، وتبخيس لقواه، ومحاولة لإخضاعها للوغوس وللروح. وهذا ما سنتبيّنه في مقالة قادمة.



[i] - Serge le Diraison et Eric Zernik « Le corps des philosophes », p1, PUF, 1993
[ii] - Ibid.
[iii] - Nietzsche (F), Le gai savoir, préface, aph.2, p45.Introduction, Klossowski, 10/18,1975.
[iv] - Nietzsche, le corps et la culture, p299, philosophie d’aujourd’hui, puf, 1986.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا فلسفية | السمات:
  دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج