إشكاليات فلسفية:الإشكال السياسي

كتبهامحمد أندلسي ، في 4 سبتمبر 2007 الساعة: 13:54 م

 
إذا كان المجال السياسي هو المجال المتعلق بالشأن الإنساني، فيجب أن نشير إلى أن تدبير هذا الشأن ليس بمسألة بديهية أو بسيطة، وإنما هي حالة تؤثر بقوة وبشكل مباشر على الإنسان لأنها ترهن مصيره وتحدد حياته بأسرها. من هنا الطابع الإشكالي المحايث لهذا المجال. فكيف ظهر الحقل السياسي ومعه الإشكال السياسي؟ وما هي القضايا والمسائل التي يثيرها؟
يمكن أن نعتبر الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة، هو المنعطف الذي أدى إلى ظهور المسألة السياسية ومعها الإشكال السياسي. فمن المعروف أن حالة الطبيعة هي تلك الحالة التي تسود فيها قوانين الطبيعة، وهذه صيغة للتعبير عما يسميه علماء البيولوجيا بقانون "بقاء الأقوى" أو سيادة "قانون الغاب". إنها الحالة التي تتحكّم فيها الضرورة الطبيعية في حياة الإنسان، وتنعدم فيها حرية الحركة والاختيار. فالإنسان في هذا الطور يكون خاضعا لإكراه الطبيعة، حيث يكون مضطرا للبحث عن الوسائل التي تمكّنه من الحفاظ على وجوده وانتزاع شروط بقائه. فنظرا لأن حالة الطبيعة هي حالة صراع الكل ضد الكل، فإنها ستفرض على الإنسان البحث عن صيغة جديدة للحياة، بحكم كونه أصبح مهددا بالإنقراض إن لم يدخل في حرب ضروس مع الجميع.
ولقد لعبت اللغة والعقل دورا أساسيا في تسريع عملية انتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة. فبواسطة ملكة العقل، وبمؤازرة اللغة كأداة للتواصل والتضامن والوحدة، استطاع الإنسان أن يبتكر "الحيلة" التي مكّنته من تحويل ضعفه وعزلته، إلى قوة منظمة يفرض بها وجوده وفق إرادته واختياره. هذه الحيلة هي السياسة. حيلة الإنسان إذن في مواجهة ضعفه والتغلب على عجزه وعزلته، هي جعل أفعاله منظمة وخاضعة لتخطيط وتوجيه، ولقد عثر هذا على صيغته في نشأة الحقل السياسي. لهذا يمكن تعريف السياسة باعتبارها شكل من أشكال الوجود الأرقى للإنسان، بل إنه الشكل الذي يميزه عن الحيوان ويفصله عنه. من هنا نفهم أهمية التعريف الأرسطي للإنسان باعتباره هو الحيوان السياسي.
إنه تقريبا نفس التأويل الذي نجده لدى مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد. فهو يربط ظهور الحضارة، أي انتقال حياة الإنسان من الطبيعة وسيادة الغريزة، إلى حياة الثقافة حيث التنظيم الاجتماعي وسيادة القانون، يربطه بظهور قاعدة "تحريم الزواج من المحارم"La prohibition de l’inceste. ولقد كان ظهور هذا القانون بمثابة إيذان بنشأة المجتمع والتنظيم السياسي. أي الانتقال بالإنسان من حالة السلوك الغريزي إلى السلوك السياسي، وذلك عبر عملية تقنين الرغبة ومحاصرة الغريزة عبر تنظيمها وتقعيدها.
إن هذا الإنتقال كان وراء نشأة الحقل السياسي ومعه الإشكال السياسي. ذلك لأن تدبير شؤون الإنسان داخل المجتمع هو إشكال، لأنه يقتضي إيجاد صيغة توافقية لإشباع رغبات الإنسان المختلفة والمتنوّعة والمتنافرة.
 كيف إذن يمكن إيجاد شكل من التدبير يستطيع أن يحقق التوافق والتعايش ولو في حدودهما الدنيا، بين مختلف أفراد المجتمع الواحد، وبين هذا المجتمع والمجتمعات الأخرى؟
من المعروف تاريخيا أن مختلف الصيغ التي جرّبت لتدبير حياة الناس داخل المجتمع، كانت مصدرا لصراعات ونزاعات كانت تنتهي غالبا بثورات وحروب تصل أحيانا إلى الإبادة. مما يعني بأن الحقل السياسي هو رهان لصراع سياسي، ولهذا فهو يتسم بالطابع الإشكالي.
حينما نتحدث عن المجال السياسي- بما هو مجال لتدبير شؤون الإنسان وتنظيم حاجاته والسعي لإشباع رغباته- يجب ألاّ نخلط بين مستويين أو مفهومين: هما "السياسة" و"السياسي". لأن جوهر الإشكال السياسي في عمقه إنما هو يرتبط بهذا الخلط والتداخل بين المفهومين، أي بين الأخلاق والرغبة، أو بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.
إن التصور السائد للمجال السياسي، إنما هو ذلك التصور الذي ينظر إلى "السياسة" بما هي مجال لصراع المصالح الخاصة. وهذا التصور ملتبس لأنه يقوم على خلط بين السياسةLa politique والسياسيLe politique. ومثل هذا الخلط تكون له مضاعفات سلبية على مستوى الممارسة السياسية بما هي تخليق للحياة السياسية، أي بما هي تدبير للشأن الإنساني وتربية على العيش المشترك.
إنّ السياسي هو الفضاء الذي تمارس فيه السلطة ويتم إدارتها وتدبيرها دون أن يتم امتلاكها. فضاء توضع فيه السلطة بين الجميع ووسطهم. هذا المفهوم للسياسي يتأسس على إدراك عميق مفاده أن الحياة الإنسانية هي حياة جماعية، وأن هذه الحياة تتم داخل المدينة أي "البوليس" بالمصطلح الإغريقي. وهي فضاء تدبّر فيه شؤون المدينة بمساهمة الجميع وفي استقلال عن أي سلطة خارجية أو مفارقة. قد يختلف هذا التدبير من مجتمع إلى آخر، لكن المبنى واحد: وهو أن شؤون الإنسان/المواطن في المدينة بيد الإنسان ويشارك فيه الجميع. وهو الذي يعني أن الشأن السياسي يمكن أن يكون موضع تفكير عقلاني تداولي، لأنه يخضع لقوانين وضعية يمكن مناقشتها والجدل حولها بل وتغييرها أواستبدالها بأخرى.   لا يعني هذا أن المجتمعات التي عرفت "السياسة" لم تعرف "السياسي". بيد أن السياسة ليست هي السياسي: فالسياسة تفترض أولا وقبل كل شيء وجود الدولة، أي وجود سلطة لها منطقها الخاص بحيث يمكن لمن يمتلك أجهزتها أن يعمل على تسويد مصالحه، وتوسيع نفوذه، وبسط سلطته. بهذا المعنى تغدو السياسة "صناعة" تمارسها أحزاب، وتتكفّل بها تنظيمات سياسية تسهر على سير الأمور، وحماية حقوق أفرادها وفئاتها. هكذا فإذا كان "السياسي" نسيج الحياة البشرية ولحمة المجتمع وسداه، فإن "السياسة" هي منطق الدولة وهي منظمات وأحزاب وتيارات، ولعلّها أيضا وأساسا "حنكة" و"مهارة" و"دهاء" و"تضليل" و"مكر"… لهذا قد يتخلى عنها البعض ويهجرها لكنه مع ذلك لا يستطيع أن يتخلى عن السياسي.
"السياسي" إذن يترجم البعد الإيتيقي والأخلاقي في الممارسة السياسية، أما "السياسة" فهي تكشف عن الوجه المتعلق بطبيعة إرادة القوة، والرغبات التي تهدف إلى إشباع ذاتها عبر الاستيلاء على السلطة واستعمال أجهزتها ومؤسساتها.
مما لا شك فيه أن هذا التمييز بين المستويين ضروري، لأنه انطلاقا منه نستطيع أن نقيم تمايزا وتفاضلا بين المجتمعات ومستويات نضجها وتطورها. وليست "الديموقراطية" سوى أرقى أشكال التنظيم السياسي الذي ابتكره عقل الإنسان وتجربته. وما ذلك إلا لكونها استطاعت أن تخضع السياسة للسياسي، أي استطاعت أن تؤسس الممارسة السياسية على أساس أخلاقي، وأن تجعل من الإيتيقا قاعدة لتدبير الشأن الإنساني بشكل يجعله أكثر تلاحما وانسجاما. هذا على الرغم من المشاكل والقضايا الجديدة التي صاحبت نشأة الديموقراطية، والتي كثيرا ما تهدّد مصداقيتها، وتضع موضع تساؤل أساسها الإيتيقي وبعدها الأخلاقي.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “إشكاليات فلسفية:الإشكال السياسي”

  1. شكرا على هذا الدرس القيم

  2. شكرا جزيلا لك على مجهوداتك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر