إشكاليات فلسفية: إشكالية العلاقة بين الفلسفة والديموقراطية

كتبهامحمد أندلسي ، في 4 سبتمبر 2007 الساعة: 14:34 م

 

 -  مفارقات الديمقراطية: محنة سقراط

إن تلك المفارقات الملازمة للديموقراطية هي التي تجعل العلاقة بينها وبين الفلسفة علاقة إشكالية. ويمكن صياغة ذلك الإشكال على النحو التالي: إذا كانت الديموقراطية هي الموطن الأصلي للفلسفة - على النحو الذي سنراه فيما بعد-، وهي الفضاء الوحيد الذي يصلح لإقامة الفلسفة، فهل العلاقة التي أقامتها الفلسفة بالديموقراطية هي علاقة تلاؤم وانسجام، أم أنها علاقة لا تخلو من توتر وتناقض وصراع؟

إن تاريخ العلاقة بين الفلسفة والديموقراطية تبين لنا بالملموس بأنها لم تكن علاقة تعايش وتوافق، بل كانت علاقة نقد وتوتر وصراع، تصل أحيانا إلى مستوى من العنف الحاد. وهذه العلاقة المتوترة والعنيفة، هي ما تشهد عليه تجربة الفيلسوف سقراط داخل المدينة الإغريقية التي كانت تمثّل آنذاك أول فضاء لاستنبات تجربة التدبير الديموقراطي للشأن السياسي. فهل استطاعت هذه المدينة الديموقراطية أن تحتضن الفيلسوف داخلها؟ وهل استطاع سقراط أن يستشعر بنوع من الرضى، وأن يحس بنوع من الحرية داخل الديموقراطية الإغريقية؟

إن مشكل سقراط، وشخصيته الفلسفية تطرح في الحقيقة على الفلسفة تحديا كبيرا، ومشكلا غريبا مليئا بالدلالات. فالسقراطية تهيمن على تاريخ الفلسفة إلى درجة التحكم فيه، ولكنها في الوقت ذاته تنفلت من ذلك التاريخ. بتعبير آخر، هناك لحظة تاريخية لسقراط، ولكن لا وجود لتاريخ لسقراط. إن تاريخ الفلسفة بكامله محكوم باسم سقراط، لأن ذلك التاريخ يتحدد انطلاقا من سقراط، فهو يشطره إلى شطرين: ما قبل سقراط وما بعد سقراط. وهذه الأهمية التي يحتلها سقراط راجعة لكونه محرّك ذلك التاريخ ومحوره، إذ مع سقراط سينتهي عصر وسيبتدئ عصر آخر جديد، سواء أخذنا هذه الطفرة أو هذا الانعطاف بمعناه الإيجابي لدىميرلبونتي أم أخذناه بمعناها  السلبي النيتشوي.

لكن ما هي طبيعة فكر سقراط؟ حينما نطرح هذا السؤال فنحن لا نستطيع العثور على جواب عنه. وما ذلك إلا لأن سقراط هو- كما يقول جاك دريدا- "الفيلسوف الذي لا يكتب". إذ كل ما نعرفه عنه قد وصل إلينا بطريقة غير مباشرة عبر تلامذته ومعاصريه. والمشكل الذي يواجه الباحث في فكر سقراط، يتمثل في كون أن الشهادات المتعلقة به، إما أنها تبالغ في رسم صورة سقراط، أو أنها متحاملة تحطّ من شأنه، وتقلّص من باعه. إن هذه الصعوبة المتعلقة بالإحاطة بماهية فلسفة سقراط ومواقفه، هي التي جعلتنا نؤكد على المفارقة الملازمة للظاهرة السقراطية: فسقراط "واقع تاريخي يفلت من التاريخ"، وتأثيره في تاريخ الفلسفة قد لا يضاهيه أي تأثير آخر.

إذا تجاوزنا الإشكال الذي تطرحه محاورات أفلاطون فيما يتعلق بالصعوبة التي تعترض الباحث للتمييز بين المحاورات السقراطية من المحاورات الأفلاطونية، فإننا نجد بأن هناك محاورات ثلات تشكّل شهادات ثمينة تمكّننا من إعادة بناء سيرة سقراط ومواقفه الفلسفية، وهي: محاورات "تقريض سقراط" و "قريطون" و "فيدون".

لكن ما يهمنا نحن من سيرة سقراط، هي بالضبط الجوانب التي تساعدنا في تسليط الضوء على العلاقة التي ربطت سقراط بالديموقراطية الأثينية.

فمن المعروف تاريخيا أن سقراط حوكم من قبل النظام الديموقراطي الممثّل في شخصين هما: مليطوس و أنيطوس. ولقد كانت التهمة الموجّهة إليه هي تهمة الإجرام في حق المدينة وقيمها وعقائدها. لقد اتهم بأنه يفسد عقيدة وأخلاق الشباب، حيث لا يكتفي بالقذف في الآلهة المعترف بها من قبل "المدينة"/الدولة؛ بل يدعو لعبادة آلهة جدد، ويسعى إلى إحلالها محل الأولى. ولقد كان الحكم الصادر عليه هو "الإعدام" بواسطة تناول كأس سم.

ما يهمنا نحن هو"حدث" المحاكمة وليس نتائجها، ما يهمّنا إذن هو أن المحاكمة كانت  في جوهرها "محاكمة سياسية"، قام بها النظام  الديموقراطي ضد الفلسفة. إنها محاكمة لفكر يبحث خارج الدناءة والوضاعة التي تسم الحياة اليومية، عن المشاكل الحقيقية. إنه فكر يضع موضع تساؤل موقف المجتمع الذي يركن ويطمئن للحلول الاجتماعية والأخلاقية الجاهزة. موقف الفيلسوف يتمثّل في جعل المجتمع في وضعية حيرة واندهاش، من شأنها أن تمنعه من الاندفاع وراء الحلول السهلة، ومن التفكير وفقا للعادات المكتسبة.

 سقراط الفيلسوف إذن يتموضع على أنقاض حياة الرغد والراحة الفكرية وراحة البال، والرضى عن النفس. إنه معاد لكل من يعتقد بأن بداهة السلطة يجب أن تنتصر على سلطة البداهة.

بعد أن أصدرت المحكمة حكمها بالإعدام، غادر سقراط المحكمة باتجاه السجن. قبل أن يعدم ظل في السجن زهاء شهر تقريبا. وخلال تلك الفترة هيأ له أحد أصدقائه وهو "قريطون" فرصة للهروب من السجن، لكن سقراط امتنع ورفض بإصرار. ولقد كانت "الحجج" التي قدّمها سقراط لهذا الرفض، تستند على الوثاق القوي الذي يشدّه إلى قوانين مجتمعه. ثم أن هروبه خوفا من الموت شيء يخون تعاليم فلسفته، ويتناقض مع مبادئها، فكيف سيكون حاله وهو الذي ما فتئ يعلّم الناس بأن "الفلسفة هي تدريب الإنسان كيف يموت وكيف يواجه الموت"؟.

 ماذا ستقول "القوانين" إذا رأت سقراط - في نهاية حياته- يهرب من "المدينة" التي لم يرغب يوما في مغادرتها، والتي أوكل إليها مسؤولية تربية أبنائه؟ وهل هناك من وطن حقيقي للإنسان خارج وطنه الأصلي؟ هل الإنسان الهارب من وطنه له الحق في وطن آخر؟ إنّ كل المدن ستطرده باعتباره الكائن الذي يتملّص من قوانين مدينته. وبهذا ستتأكّد التهمة الموجّهة إليه باعتباره حقا مفسدا لقوانين مدينته وأعرافها.

إن كل الحياة السياسية لسقراط - كما نتعرّف عليها من خلال تاريخ الفلسفة- تبيّن بشكل جلي فناء وذوبان سقراط في المجتمع اليوناني، تبين الإخلاص والوفاء الذي كان يتصف به الفيلسوف اتجاه المدينة الإغريقية. لقد شارك في ثلاثة حروب دفاعا عن الوطن. وبيّن خلال المعارك التي خاضها عن شجاعة نادرة.

 ثم إنه بالإضافة إلى هذا العمل التطوعي الدفاعي، كرّس كل حياته، ووظف كل مجهوداته الفكرية من أجل تربية الإنسان الأثيني تربية تؤهّله لتدبير شؤونه والرقي بمجتمعه وقيمه. لكن على ما يبدو فإن كل هذا الوفاء والتضحية والإخلاص، لم يؤدي إلى أن تكون علاقة الفيلسوف بالمدينة الديموقراطية علاقة انسجام وتآلف. فهي لم تعترف به وبتضحياته، لهذا وجدناها تصدر في حقه أقصى عقوبة في تاريخ الديموقراطية الأثينية.

فكيف إذن نفسّر هذه المفارقة التي تطرحها تجربة سقراط؟ كيف نفسّر كون أنّ فضاء "الديموقراطية" الذي يفترض فيه أن يكون الفضاء الوحيد الذي باستطاعته تهييئ التربة الصالحة لظهور الفلسفة واحتضانها ونموّها، يضيق ذرعا بالفلسفة؟

إن هذه التساؤلات تبيّن أن ظهور الفلسفة داخل الديموقراطية الأثينية لم يكن ظهورا طبيعيا وسليما، وإنما كان ظهورا ملتبسا ومتوترا، وكانت تجربة سقراط شاهدة على ذلك التوتر والتنافر بين الفلسفة والديموقراطية، بالرغم من أن سقراط يمثّل مواطنا نموذجيا، ويشكّل صورة مثلى لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان داخل المدينة.

 فحينما نتأمل طبيعة التهم التي وجّهتها الديموقراطية للفيلسوف، نلاحظ بأن المحاكمة التي خضع لها كانت محاكمة سياسية وليست جنائية. تتمثل تلك التهمة في كون سقراط استعمل حقا من الحقوق التي تقوم عليها الديموقراطية، ألا وهي حرية الرأي، وحرية التعبير. إن هذا الحدث يبيّن بأن فضاء الديموقراطية الأثينية لم يكن هامش حريته يتلاءم والحرية التي يتطلبها التفكير الفلسفي. لهذا وضعت حدودا للفلسفة، وأدانت كل من تجرّأ على تجاوز تلك الحدود.

 لكن ألا يحقّ لنا أن نتساءل- نحن الذين ننتمي إلى مجتمعات لازالت تمانع وتقاوم الخيار الديموقراطي- إذا كانت "الديموقراطية" التي هي الموطن الأصلي للفلسفة قد ضاقت ذرعا بالمساءلة الفلسفية، فما مآل الفلسفة في المجتمعات التقليدية وغير الديموقراطية؟   

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا فلسفية | السمات:
  دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج