شرطة الفكر

أغسطس 11th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الترجمة

 
             فرانسوا ليوتار
            جاكوب روغوزنسكي
                     تقديم وترجمة وتعليق : د.محمد أندلسي
 
"إن الفلسفة لم تنج بعد من روح الانتقام ومن النزعات المحافظة التي تؤرق العصر. هنا وهناك، يتم توظيف الوسائط الإعلامية لدغدغة الرغبات الآمنة تحت ذريعة العودة إلى المصادر وإلى الجدّية الفلسفية: أحكام متسرّعة نسجت عبر خلط وتعميم، تجاهل وقح بالنصوص التي يتم التعامل معها، غطرسة مصحّحي الأخطاء، أو سخرية متكبّرة لمعلّمين صغار يتهافتون لدفن مسنّيهم…".
 
تقديم :
هذا المقال الذي نحن بصدد تعريبه، يندرج ضمن ما أصبح يعرف اليوم في الكتابة والفكر المعاصرين ب"نقد النقد".وما يميّز هذا النقد الجديد عن النقد القديم والذي يمكن أن نصطلح عليه بالنقد الميتافيزيقي، هو أنه لا ينطلق في نقده للنصوص والخطابات من موقع الحقيقة، ولا من موقع الأخلاق، لأنه يروم أصلا تفكيك الثنائيات الميتافيزيقية: كالحقيقة والخطأ، والخير والشر. بل هو نقد يسعى إلى خلخلة منطق النص ونظامه الدلالي، لكي يفصح عن آليات بنائه، وإجراءات اشتغاله، وكذا عن فجواته وبياضاته، ويفضح ألاعيبه ومخاتلته، وما يمارسه من كبت للجسد وإخفاء للرغبة، واستثمار للقيمة، وإقصاء للدال. إنه نقد للخطاب أو النص من داخله وليس من لحظات توجد خارجه. ففي الخطاب توجد قوى متنافرة يكون على استراتيجية النقد أن تعمل على إبرازها [1].
السمة الثانية لهذا المقال تتمثل في طبيعته السجالية، إذ هو بمثابة ردّ فلسفي نقدي على كتاب ل"فيري " و"رونو" تحت عنوان :"فكر68" La pensée 68. وهو كتاب يوجّه نقدا لاذعا يصل أحيانا بأصحابه إلى حد "الوقاحة"-على حد تعبير ليوتار وصحبه-، حيث لا يتردّدون في نعت خصومهم من الفلاسفة الكبار أمثال:ميشيل فوكو، وجاك لاكان،وجيل دولوز، ومورس بلونشو، وجاك دريدا، وغيرهم ممن يسمّونهم ب"فلاسفة الستينيات"بأنصار الفاشية أو القومية-الاشتراكية(أي النازية).
تتمثل الأطروحة المركزية لأصحاب كتاب :"فكر68" في القول بأن" الفلسفة الفرنسية المعاصرة، والتي تندرج في إطار ما أصبح يعرف اليوم ب"فكر ما بعد الحداثة" [2]، ما هي إلاّ تكرار بشكل مبالغ فيه للفكر الألماني في القرن 19، وبالضبط للفكر الرومنسي، ولفلسفة كلّ من نيتشه وهيدغر. ولقد تجلّى هذا التأثر السلبي في النزعة العدمية التي تطبع ذلك الفكر والمتمثلة في إنكار القيم [3]، وفي نزعته المضادة للإنسية المتمثّلة في مناهضته لحقوق الإنسان، وفي نزعته اللاعقلانية التي تجد خير تعبير عنها في مناهضته للديمقراطية ولنظرية التواصل والتوافق، وكلّ هذا يفضي بفلاسفة الستينيات إلى السفسطة، واللاأخلاقية، ويجعل فلسفتهم في خدمة الإيديولوجيات الفاشية".
يسعى ليوتار وروغوزنسكي في مقالهما هذا النقدي-السجالي، إلى إماطة اللثام عن الآليات التي يشغّلها الكتاب الآنف الذكر، وفضح القيم التي ينطوي عليها. كما يسعى إلى تحرير فلسفة كانط وخاصة نظريتيه في الإتيقا والحكم الجمالي، من التـأويل الأنتروبولوجي الذي أقحمهما فيه الكتاب المذكور، لكي يتأدّى عبر ذلك إلى وضع موضع تساؤل فكرة حقوق الإنسان، وإعادة تحديد شروط مشروعيتها الفلسفية.
محور النقد الذي يوجّهه ليوتار وروغوزنسكي إلى مِؤلف"فكر68"- وهذا ما يظهره عنوان مقالهما - يتمثل في القول بأن النقد الذي يمارسه صاحبا الكتاب، هو بمثابة شرطة تسعى إلى فرض رقابة صارمة على الفكر الحي. وتوظف لتحقيق هذا الغرض أعته آليات الشرطة كآلية البورتري-التقريبي Portrait-robot ، أو آلية الحجة-المطرقة L’argument-matraque. هذا بالإضافة إلى أن هذا الكتاب ينطوي على كثير من الخلط والالتباس. فهو مثلا يخلط بشكل ساذج بين الإيتيقا والقيم، وبين "تفكيك الذاتية" و"مناهضة النزعة الإنسانية"، وبين نقد"النزعة الإنسانية" ورفض"حقوق الإنسان". وكلّ هذا الخلط يسعى إلى تسويغه فلسفيا بالرجوع إلى فلسفة كانط، وتأويلها تأويلا أنتروبولوجيا، لكي ينتهي إلى إرساء فكرة حقوق الإنسان على تصوّر معين للإنسان، وتأويل نظرية الحكم الجمالي باعتبارها تقوم على المصالحة بين الخاص والكلّي، أو بين الحساسية والمفهوم، وجعلها تقوم على نظرية التواصل، لتسهيل عملية نقلها إلى المجال السياسي وتطبيقها عليه.
ضد هذا "التأويل المحافظ" لفلسفة كانط، يؤكد صاحبا مقال "شرطة الفكر" على أن الطابع الأساسي لفكر كانط يقاوم ويمتنع على أن يندرج ضمن إطار "النزعة الإنسانية" أو "النزعة المضادة للإنسان".وما ذلك إلاّ لأن حقوق الإنسان لا تكتسي معناها إلاّ عبر تحييد وعزل كل معطى أنتروبولوجي يتعلق بالإنسان. فما يضفي الشرعية على حقوق الإنسان ويضمن طابعها الكوني واللامشروط، هو بالنسبة لكانط ما تفتقر إليه حقوق وامتيازات الجماعات التاريخية الملموسة، أي يكمن في كونها مستنبطة من الأمر الأخلاقي بما هو عطاء أو هبة برانية عن القانون. فإضفاء الشرعية على حقوق الإنسان يشترط إبراز اللحظة اللاإنسانية للقانون، وإصدار حكم لصالح ما هو غير إنساني. فسذاجة الإنسانويين –حسب ليوتار-تتمثّل في رغبتهم تأسيس حقوق الإنسان على تصوّر ماهوي للإنسان بما هو شخصية عاقلة ومستقلّة. وكأنّ هذه الماهية/الإنسان هي معيار للتمييز بين ما هو عادل وغير عادل، بين ما هو إنساني وغير إنساني. بينما تميل دينامية الحداثة إلى جعل تلك المعايير متأرجحة ومتوترة، معرّضة لمجازفة المختلف، وخاضعة للعبة غير محدّدة بشكل جذري. وهذا ما يمنع كل ذات، أو أمّة، أو ثقافة، أو حتى شخصية تاريخية، أن تجعل من نفسها مرجعا للحق، أو سلطة مطلقة.
يقوم المسعى الأساسي للنزعة النقدية ل"فكر68"، على تحديد قبلي لحقوق الإنسان، مما يؤدي إلى تجميدها ويحول دون مساءلة قواعدها وآلياتها، وبالتالي إلى ممارسة الحظر على المختلف، تحت ذريعة الحفاظ على الوحدة والإجماع، وإخضاع الفرادة إلى المعايير المشتركة. وفي هذا تتلخّص مهمّة "شرطة الفكر". وحسب ليوتار وصحبه، فالعصر الذي يعيش فيه الإنسان اليوم، يثير- بمؤشّراته الكثيرة والمتنوّعة، وبأحداثه الفظيعة والمرعبة- تساؤلات جذرية تتعلق بمدى مصداقية قيم التنوير والحداثة وفي مقدّمتها: قيم العقلانية، والديموقراطية، وحقوق الإنسان[4]. فالمتسامي- في نظرهما- يوجد جنبا إلى جنب، إن لم نقل في قرابة ضيقة مع المسخ البشع، وهذا ما تشهد عليه تجربتي الفن والكتابة في هذا القرن.
 
النص المترجم:  
 
فليطمئنّ أنصار لوسيان فلوريي Les Lucien Fleurier في زماننا: ف"صحّتهم المعنوية" بمنآى عن الخطر: لقد عاد الصبي المشاغب le Babouin est de retour [5]. فبعد أن ظل المشهد الفكري طوال عشرات السنين المنصرمة، واقعا تحت هيمنة " سفسطائيين معادين للنزعة الإنسانية "، و"غوغائيين وقحين"، و"عدميين رومانسيين" آخرين؛ يبدو الآن أن هيمنتهم تلك قد انتهت. فمنذ سنة تقريبا وجّهت سلسلة من الانتقادات الانتقامية، استهدفت الهيئات الأكثر بروزا في "الفكر الفرنسي في الستينات "، أمثال "لاكان"، و"فوكو"، و"دريدا"، وأيضا "بارت"، و"بلونشو"[6]. أكيد أن مرجعيات ( هؤلاء النقاد) غير متطابقة، لكن الذي يوحّد بينهم –على الرغم من اختلافاتهم- هو أنهم يصدرون عن رؤية أو منظور مشترك، وتحرّكهم ردود فعل واحدة ضد من يعتبرون الطليعة الأكثر رادكالية للحداثة، وضد المبادئ والقيم التي كانت تشكّل فيما مضى أجمل أيام الجامعة وأزهى ندواتها الفكرية.
يتعلق الأمر أيضا بوحدة نمط أسلوب، وبرفض لقراءة النصوص ومواجهة الكثافة الخصوصية للمؤلفات. يصل هذا بأصحاب الرقابة "الصارمة" إلى درجة تجعلهم لا يعرفون الأعمال المنتقدة إلا عبر ما يقال ويتردد عنها. هكذا فالسيد "بوفريس" Bouvresse الذي أعلن الحرب على دولوز، وفوكو، ودريدا، يكاد لا يرجع بتاتا إلى كتاباتهم. فهو مثلا بدلا من أن يقيم حوارا مباشرا مع فوكو Foucault، يكتفي بالتعليق على تعليق Manfred Frank على فوكو. كما أن تفنيده لدريدا Derrida يتم عبر الاستشهاد بالانتقادات التي وجهها رورتي Rorty، أو سيرل Searle لدريدا. إنه يستعمل نفس الوقاحة التي استعملها بطل رواية لAntonio Machado الذي يعلن: "بلزاك كاتب تافه لدرجة لم أكترث بقراءته".
للنظرة الأولى، يبدو الكتاب الأخير ل"فيري" Ferry، و"رونو" Renaut، أقلّ تسرّعا وسطحية. لقد استقبله الانشغال الصحفي باعتباره مؤشّرا على "عودة الجدّة الفلسفية" (يمكن الرجوع إلى Libération du 22.11.85). لكن النظرة المتمعّنة للكتاب تجعلنا ندرك بأن القاعدة التي يخضع لها، هي السّجال السافل، والافتراء الكاذب، والاختزال الدّغمائي. وكل هذا يتم باسم الحق والحقيقة والنقاش الديمقراطي والصرامة الأخلاقية…حيث الكبرياء تجاه المعنى المضاد يصل أحيانا بأصحابه إلى حدود العظمة. فالقارئ يكتشف مثلا بأن "دريدا" في عرضه حول "نهايات الإنسان"، يدعو إلى "رفع تحدي النزعة الإنسانية"(ص19). بينما النص المتهم (المحال إليه) يميل على العكس إلى وضع موضع تساؤل مبرّر مثل ذلك الرفع. و"لاكان" لم يكن أكثر إنصافا من دريدا: حيث يتم اكتشاف في ممارسته التحليلية مراهنتها على "زيف الحساسية الإنسية، وإعلانها بأن: الأنا يجب تقويضه مهما كلّف ذلك من ثمن"(ص261). فقبل عشرين سنة مضت، أجاب "لاكان" عن سؤال لطلبة يسألونه عن الوسائل المستعملة لإخراج المرء من وعيه إلى اللاوعي، بقوله: لن أجيبكم على غرار Alphonse Allais الذي سيجيبكم قائلا:ذمّروه "[7]. ترى ! ماذا سيكون ردّه اليوم على من يتهمه بالسعي إلى "هدم الأنا" ؟
 Le coup du Babouin:
وبعد هذا، فالعلامة الأكثر تمييزا لهذه الأهجية le libelle يجب البحث عنها في أسلوبها (…) حيث يتم التهكم على "بهلوانيات اللفظ" لدى دريدا (ص39)، و"قدرته الماهرة على إجراء تنويعات أدبية حول تيمة مستعارة من حقول مختلفة، غالبا ما تكون بسيطة وجدّ متواضعة "(ص185). وقبل أن يختتم النقد، يسجّل بامتعاض "السذاجة المسرفة لمثل هذه المحاولة"(ص193)، حيث " الملل الذي تثيره مماثل لذلك الذي تثيره في مجال الصباغة بعض مسوخات النزعة التكعيبية". وعلى ما يبدو، فهذا الكتاب (يقصد كتاب فيري ورونو) لا يكترث بتحليل المؤلفات، أو مناقشة الأسئلة الفلسفية التي تثيرها [8]. ذلك لأنه يسعى قبل كل شيء إلى إعدام خصومه، والطعن في مصداقيتهم باستخدام كلّ الوسائل.
"إن النقد- النقدي La critique-criticiste على طريقة "فيري" و"رونو" هو بمثابة شرطة للفكر".
وهم لا يتورّعون يعترفون بابتهاج بصنيعهم هذا: هدفهم الوحيد المعلن يتمثل في "التعرّف على مواقف معينة"، و"إماطة اللثام عن تناقضات" تكمن خطورتها في "طابعها التبسيطي والملغّم "(ص288). وبالأحرى كان من الأفضل القول: "أن التعرف على موقف ما" يعني في دلالتهم اختزال مؤلفات متنوعة وغير متجانسة إلى"أنموذج" هويته "مثالية" ومجردة . وبهذه الكيفية يصبح من السهل " إزالة الأقنعة عن تناقضات" هذا النموذج. الإجراء الأول(للنقد)يتلاءم مع التقنية البوليسية المجرّبة، تقنية البورتري التقريبي portrait-Robot [9]. والإجراء الثاني نعيّنه كممارسة للحجة-المطرقةl’argument-matraque . وبالفعل، يتعلق الأمر بتوجيه اعتراضات فظّة وعنيفة تربك الخصم وتذهله، فتمنعه من بلورة ردوده بشكل معقول. نحن نعرف على سبيل المثال أن أعمال "دريدا" تسائل التصور التقليدي "للمؤلف"، وكذا وهم الذات التي تحكم سيطرتها على النص الذي تخطّه. لكن المحتالين سرعان ما يصيحون: هيا بنا ! فبما أن كتب "دريدا" تحمل توقيعه، إذن فهو صاحبها، وبالتالي فهو يناقض نفسه (p.194). مثال آخر: "هيدغر" لا يني يحذّرنا من هيمنة "القيم " في الميتافيزيقا الحديثة . (وهنا أيضا يصيح أصحابنا) يجب التوقف هنا ! إنها دعوة ل "اللاأخلاقية" ! وإذا كان "هيدغر" مناهضا للقيم، أفلا يعدّ هذا أفضل دليل على أنه لازال يقوّم ؟ إنه إذن يناقض ذاته،الخ .[10] وهذه الحجة الخشنة أو الفظة argument rustique راقت كثيرا السيد "تودوروق"Todorov، وحاول تطبيقها على حالة "بلونشو". لقد دعا هذا الأخير فيما مضى إلى " تحرير الفكر من تصور القيمة"، وهذا ما أغاظ الفاضل Trissotin وجعله يبوح لنا بهلعه: "إنكار القيم هو دعوة إلى "العدمية"، وإلى "تغليب القوة على حساب الحق"  (cf.critique de la critique,p.71-7. وطالما بدا الأدب "كخطاب موجّه نحو الحقيقة والأخلاق"(ص189)، وأن "علاقته بالقيم هي علاقة محايثة"، فيجب أن نخلص إلى أن "الإيديولوجيا النسبية" و"الظلامية" التي ينادي بها "بلونشو" تناقض ذاتها، وتفشل في تحقيق مرماها…إذا أردنا أن نقدّم أجوبة لمثل هاته الحماقات inepties، فإن الأمر سيحتاج بالضرورة الإتيان في كل مرة بتفسيرات طويلة.يقتضي الأمر لمواجهة الخلط الساذج بين الإيتيقا والقيم، الرجوع إلى كانط على الأقل ، لتبيان بأن الواجب الأمري بقدر ما ينطوي على إلزام لا مشروط، بقدر ما لا يقبل أن يختزل إلى "قيم" معيّنة، أي إلى الأشياء المفضّلة من قبل الذوات الإمبريقية . وبهذا المعنى يصبح من المهم تحرير الفكر من استحواذ القيم، ليس للدفع به نحو العدمية، ولكن لتمكينه من الانفتاح على البعد الأكثر جذرية للإيتيقا – وهو نفس البعد الذي قد يكون متضمّنا في مجازفة الكتابة . بيد أن وظيفة آلية الحجة-المطرقة، تكمن أساسا في السعي إلى قطع مجرى كل تحليل يقظ.
وحينما تبدو هذه الآلية قاصرة، تلجأ شرطة الفكر إلى إجراءات أخرى. مثلا، نحو بناء "أنموذج مثالي" يتيح جميع ألوان الخلط والتشويه والاستهزاء. وكمثال بارز على ذلك، البورتري التقريبي الذي هو أنموذج "فيلسوف الستينات" philosophes des sixties،والذي يتميز ب"رفضه للوضوح"، و"ميله للإثارة بواسطة الغموض"، و"البحث عن الهامشية وشبح التواطؤ" (ص39). يضاف إلى هذا "ممارسته التصعيدية لشذوذه الفكري"، و"لهذيانه التأويلي" (ص129)، وبهذا تكتمل اللوحة العيادية: هؤلاء "السفسطائيون" الارتيابيون ، يجب حجزهم. وإلى جانب الإجراءات الآنفة الذكر، يوجد إجراء آخر مفضّل لدى ضباط النقد: فبعد عملية اللّم والتوحيد الاعتباطي لمؤلفات معاصرة وإرجاعها إ

المزيد


الترجمة كا ستراتيجية للفكر

أغسطس 11th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الترجمة

 
إن الفكر لا يكون فكرا إلا إذا أفصح عن رغبته في الخروج عن ذاته، وعن لغته الأصلية. أمّا إذا اكتفى بذاته، وظل سجينا داخل شرنقة لغته، وحبيسا لثنائيات ثقافته وبداهات حسّها المشترك، فإنه يتجمّد ويموت، أي يتوقّف عن الصيرورة والتجدّد والحياة. وبما أنّ الترجمة قد برهنت راهنا على أنها الآلية التي لا يمكن الاستغناء عنها في تجديد حياة الفكر وإخصاب المساءلة الفكرية عبر توليد الاختلافات، وإقحام عناصر المغايرة والغرابة والمفاجأة والهجانة؛ فلقد غدت اليوم أكثر من أي وقت مضى "قضية الفكر" بامتياز. بل لقد أصبحت الترجمة اليوم استراتيجية للفكر في محاولته لإعادة قراءة تراثه وتجاوزه، وفي محاولة انفتاحه على آخره الذي ليس سوى لا مفكّره، واختلافه.
هكذا تتّحد استراتيجية الفكر باستراتيجية الترجمة، فإذا كانت استراتيجية الفكر اليوم هي استراتيجية جينيالوجية وتفكيكية: حيث تسعى من جهة إلى إزالة الأقنعة عن الأصول وفضح الأوهام التي تنطوي عليها وتتغذى منها، كما تسعى من جهة أخرى إلى تفكيك اللغة الواحدة، والمعنى الواحد، والهوية الواحدة؛ فإنّ استراتيجية الترجمة اليوم هي استراتيجية "لتوليد الفوارق، وإقحام الآخر في الذات"، وإقامة فكر الاختلاف.
لكن الترجمة لم تصبح بمنزلة استراتيجية للفكر، إلا بعد أن تمّت خلخلة بنائها الميتافيزيقي وجذرها اللاهوتي، أي إلا بعد أن تمّ تحريرها من لاهوت الأصل، وميتافيزيقا التطابق والاستنساخ. فصارت الترجمة ترتكز-كما يقول دريدا- على الإحساس بالفقد الذي تعاني منه ثقافة ما في لحظة من تاريخها. أو كما قال هولدرلين، لقد صارت تحمل "العنصر الغريب" الذي من شأنه أن يحفّز ظهور "العنصر الخصوصي" المتعلّق بالثقافة المنقول إليها.
يتأسّس المفهوم الميتافيزيقي-اللاهوتي للترجمة على القول بأنّ "الترجمة ممكنة" شريطة أن تتحكّم فيها نظرة أخلاقية قوامها الوفاءللأصل[1]، ومعيارها هو تحلّي المترجم بأخلاق الفناء والتنسّك والانمحاء[2].
إنّ الترجمة ممكنة، لأنه مادام المهمّ فيها هو نقل المعنى، ومادام المعنى سابق على الكتابة واللغة، فبإمكانه أن ينتقل من لغة إلى أخرى، ومن دال إلى آخر. عملية الترجمة إذن كنقل لمحتوى دلالي من شكل في الدلالة إلى شكل آخر، عملية ممكنة. أمّا الصعوبات التي قد تطرحها عملية النقل هاته، فيمكن قهرها بسهولة. فإذا كانت الصعوبة تتمثّل في كون أنّ الترجمة تريد أن تضع نصّا "يقول الشيء ذاته"، ويروم الإمساك بالماهية ذاتها. إذا كانت الصعوبة التي تواجه الترجمة كعملية نقل للمعنى من لغة إلى أخرى ومن ثقافة إلى أخرى تتمثّل في تعدّد اللغات، وتباين الثقافات، فإنّ هذه الصعوبة يمكن قهرها من خلال إنكار أو حجب "المسافة الزمنية" التي تفصل النصّ عن ترجمته، والأصل عن نسخته، وذلك عن طريق وفاء المترجم للأصل، عبر محو اسمه ليسمح لكاتب النصّ الأصلي أن يتكلّم بلغة أخرى دون أن يفقد هويته، ودون أن يضيّع معناه.
هكذا يمكن قهر الصعوبة التي تطرحها عملية إنتاج "نسخة طبق الأصل" للنصّ المصدر، إذا استطاع المترجم أن يكتب النصّ باسم صاحبه الأصلي، وهو يستطيع ذلك إذا تمكّن من كتابته دون توقيعه.
إنّ عملية إدراك المعنى الأصلي للنصّ، وبلوغ حقيقته، ثمّ العمل على نقلها واستنساخها عبر ترجمة وفية ومخلصة لهويته الطاهرة، تشكّل البنية الميتافيزيقية واللاهوتية للترجمة، بل إنها تمثّل "ماهيتها الأفلاطونية". وليست الترجمة في صورتها الأفلاطونية سوى محاولة لضمان انتصار "النسخة الأيقونة" عن "النسخة السيمولاكر". ليست الأفلاطونية سوى محاولة لتأسيس المجال الذي يعجّ بالنسخ الأيقونة، الذي هو مجال التمثل، حيث يتمّ استبدال العلاقة الخارجية، علاقة النص بالحدث وبالواقع، بالعلاقة الداخلية الباطنية، علاقة النص مع الأصل والنموذج والأساس.
إنّ ما يشكّل بنية الترجمة بما هي "أفلاطونية"، هو إمكانية وجود نسخ أيقونات، أي نسخ تترجم الأصل وتنقله. "فمادام الأيقون يهدف إلى كشف الخفي وإيضاحه، سواء كان الأيقون لغة أم رسما أم نحتا،(…) فإنّ الكشف والإبراز يجب أن يكونا في أتمّ شكل وأوفاه لتجذير التمام والكمال وترسيخ القدسي وتجسيد الفضائل. وفي ضوء هذا المنظور يصبح عنصر المماثلة أو المشابهة أحد المكوّنات الجوهرية للأيقون"[3].
تفترض الترجمة كبنية أفلاطونية عالما نموذجيا هو عالم الأصول، أي تفترض نصّا أصليا تريد هي أن تكون نسخة عنه، شبيهة به ومماثلة له، أمينة في نقله، أي بكلمة واحدة، نسخة أيقونة. وهذا الفهم الميتافيزيقي للترجمة، يضعنا في المناخ الأخلاقي الذي تطرح فيه عملية الترجمة حيث ينظر إليها إمّا كوفاء أو كخيانة.
إنّ هذا الفهم االميتافيزيقي للترجمة يقوم على عدّة افتراضات أساسية تتعلّق بمفاهيم النص والكتابة واللغة والهوية والحقيقة والزمان…
فالترجمة بهذا المعنى الميتافيزيقي تفترض وجود "نصّ أصلي" يحمل معنى واحدا يشكّل ماهيته. وأنّ هذا النصّ كتب من أجل حفظ المعنى وصونه أثناء نقله وتبليغه. فهو نصّ موقّّع يحمل إسم صاحبه. نصّ له هوية ينبغي ألاّ تضيع في عملية الترجمة. نصّ ينتسب إلى أصل أوّل، ولغة أمّ منهما يستقي مميزاته ويبقى بقربهما وجوارهما حتى يحصّن هويته ضدّ الضياع والإتلاف والذوبان.
يتّضح من خلال هذه الافتراضات بأن الميتافيزيقا واللاهوت يريدان أن يقاوما تعدّد الألسن واختلاف الثقافات عبر التقريب بينها، اعتقادا منهما أنّ هناك أصلا ووحدة يجب أن يرتدّ إليها تعدّد اللغات والثقافات؛ ذلك لأن كلّ لغة أو ثقافة تنطوي في أصلها على وحدة. لكن ما القول إن كان الأمر على العكس، إن كانت كلّ لغة، وكلّ ثقافة تنطوي على تعدّد، وأنه في الأصل يوجد الاختلاف؟ أليس واقع مجتمعاتنا وثقافاتنا وألسننا يخبرنا بأننا نعيش لغات داخل اللغة الواحدة، وثقافات داخل الثقافة الواحدة؟ ترى-إذا كان الأمر كذلك- هل تستطيع الترجمة أن توحّد هذا التعدد، وأن تختزله إلى أصل واحد؟
هناك دوما نصوص أخرى تكون في أغلب الأحيان من اللغة نفسها ليست حاضرة في النص الأصلي ولكنها مرتبطة به. هذا ما يطلق عليه بلونشو"الترجمة الخاصة بالنص الأصلي". إذ كلّ نصّ ينطوي صراحة أو ضمنا على نصوص مخالفة. بهذا المعنى فكلّ نصّ وإن ظلّ غير مترجم فهو في أصله ترجمة، "وليست الترجمة عملا ثانويا يأتي ثانية بعد كتابة النص". بل إنّ فكرة الترجمة- كما يقول دريدا-هي في أصلها مطلب صميمي لكل نصّ، إنها إلزام بالبقاء لما كان مخطوطا في بنية الأثر نفسه، الذي يطمح إلى النمو في اللغات الأخرى، لهذا فهو يشكّل طلبا بالمعنى القوي للكلمة: فهو يشترط ويوعز وينادي ويوجّه، مما يجعل من النصّ (الأصلي) المدين الأوّل: مدينا بإزّاء المترجم. وعليه، فكلّ نصّ غير مترجم "يبكي" مترجمه ويعيش حداده عليه. وكما في كلّ فعل هبة وإعادة وإيصال وتحويل، يبزغ هنا نوع من التناقض الوجداني: مزيج من الكره والمحبّة لا بإزّاء شخص الكاتب المترجم، بل بإزّاء النص نفسه ولغته. وهذا كلّه توجّهه أمنية قران أو زفاف بين لغتين عبر نصّ يظل في الترجمة هو نفسه ويصير في الآن ذاته شيئا آخر[4].
هكذا فالمترجم مبدع في اللغة، ومن أجل ذلك، فلا يكون عليه أن ينقل النص وينسخه، ولا أن يهتمّ بتبليغ معناه الأصلي، إذ "لا علاقة للترجمة بالتبليغ والإخبار". بل إن الترجمة هنا هي تأويل بالمعنى الهايدغري، وتحويل بالمعنى الدريدي:
 فالترجمة كما يؤكّد ذلك هايدغر، هي العملية الفكرية التي نمثل عن طريقها أمام فكر الآخر ولغته nous-traduire ، كما يمثل المتهم أمام المحكمة. ففي كل ترجمة وكتابة، ليس هناك تملّك للحقيقة، وإنما هناك الاستيهام، أي الرغبة في تملّك الحقيقة دون أن يكون هناك معنى حقيقي.
كما أنّ الترجمة بالمعنى الدريدي هي تحويل، لكنه تحويل ليس في اتجاه واحد: فالترجمة لا تحوّل النصّ المترجم فحسب، فهي عندما تحوّله تحوّل في ذات الوقت اللغة المترجمة كذلك. فالمترجم، كما يقول "والتر بنيامين": "يفجّر الأطر المنخورة للغته، فهولدرلين وفاوست ودورج…كلّهم عملوا على توسيع حدود اللغة الألمانية".
إنّ هذا النوع من الممارسة للترجمة بما هي تحويل وتأويل، يفترض بطبيعة الحال نوعا من "العنف"، إذ هو يقتضي تكسير نحو اللغة المنقول إليها وحفر فيها بنية لاستقبال اللغة الأخرى[5]. لقد كان الجاحظ، في معرض تكذيبه في مؤلفه "الحيوان" لإمكان الضلوع في أكثر من لسان، وبالتالي لإمكان "الترجمة بلا خسارة"، قد أطلق عبارة بالغة الدلالة والحيوية في الفترة المعاصرة: " ما دخلت لغة على لغة أخرى إلاّ وأدخلت عليها الضيم". لغة تعنّف اللغة الأخرى وتحرجها وتتسلّط عليها. ومثل هذا العنف لا يمكن تفاديه في التعدد اللغوي أو الثقافي، وفي الترجمة. والذي يجب هو الوعي به والاضطلاع به بمعرفة. بفضله تدفع اللغات لقول أفضل ما فيها. إنه عنف يراه دريدا شبيه بالعنف الذي تولّده "قراءة القصيدة". فالقصيدة تمارس في البدء عنفا على لغتها وتعنّف لسانها الأصلي. فالشاعر هو القادر على أن يجبر لسانه على أن "يحبل" بدلالات أخرى وإمكانات أداء أخرى، يستولدها منه أو فيه، ولو كان ثمن ذلك إخضاع لسانه لعملية قيصرية. وعلى غرار هذا العنف الأصلي، تمارس الترجمة عنفا على لغة كتابتها، وعلى اللغة المترجم منها، لتجعلهما يسمحان بأكبر استقبال ممكن لزفافهما، إذ "ليست الترجمة غير خاتم الزفاف" هذا. لكن مع ذلك، على الترجمة كتأويل وتحويل ألاّ تجرّد النصّ من أسلحته، أو من حججه، بأن تهتك جميع أسراره، وألاّ تسقط في الادّعاء العقيم باستنفاد القول بخصوصه. فهذا النمط من العنف لا معنى له، وليس يمكن اغتفاره، لأنه في كل عمل هناك رصيد لا يقبل المساس.
هكذا نستنتج بأنّ المفهوم التقليدي للترجمة بما هو "محاكاة للنص الأصلي"، هو مفهوم يوحي بكثير من الجمود. وفي هذا السياق يقول "جون جونستون" في مقال له يحمل عنوان "الترجمة صورة زائفة": "إن المفهوم التقليدي للترجمة بصفتها محاكاة لنص أصلي أو نقلا له إلى لغة ثانية يبرهن ليس على أنه غير كاف في التطبيق فحسب، بل أيضا أنه يقوم على نظرة جامدة ومغالطة للغة. والافتراض القائل بأنّ اللغة لا تتغير وبأنّها تعرّف بشكل تام، وبأنّ العمل الفردي كامل ومطابق لذاته، افتراض لا يمكن الدفاع عنه. ذلك لأنّ التغييرا

المزيد