نحو سياسة جديدة للكتابة في الفلسفة:الجينيالوجيا والكتابة

أغسطس 19th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والأدب

 
2- الجينيالوجيا والكتابة:
إن تقويض الميتافيزيقا وتجاوزها، يقتضي إعادة الاعتبار للكتابة وبلورة سياسة جديدة لها. إنه يقتضي انعتاق الكتابة وتحرير الدال من تبعيته للمدلول؛ وهي المسألة التي ستحققها الجنيالوجيا ولأوّل مرة في تاريخ الفلسفة. يقول دريدا: "لقد كتب نيتشه ما كتبه، كتب بأن الكتابة–وكتابته على الخصوص-ليست خاضعة للوغوس والحقيقة. وبأن هذا الإخضاع قد تم في مرحلة محدّدة " [i].وهكذا فمع نيتشه سينبثق تصور جديد للكتابة، من حيث أنه يمثّل حسب دريدا أول فيلسوف قام بتحرير الدال من تبعيته للمدلول، ومن اشتقاقه من اللوغوس[ii] . يتعلق الأمر هنا بكتابة/قراءة جديدة لا تميّز بين النص وكاتبه، قراءة فعالة تنتج النص اللامكتوب والذي لا يكون مجال الكتابة إلا علامة عليه وعرضا من أعراضه. إنها كتابة/قراءة تحاول أن تنتج العملية الفعلية للكتابة الميتافيزيقية ذاتها، والتي ليست هي عملية إظهار وتملّك المعنى الوحيد كما تريد الميتافيزيقا، وإنما عملية لتوليد الاستعارات procés de métaphorisation . ولا شك أن الكتابة الملائمة للمشروع الجنيالوجي–بما هو مشروع يروم تقويض الميتافيزيقا وسنّ سياسة جديدة للفلسفة تساؤلا وتفكيرا وتأويلا وتقويما وكتابة[iii]- هي الكتابة الشذرية  aphoristiqueأو المقطعية التي تنبذ الاستمرار والوصل . كتابة تقحم داخل النص زمان العود الأبدي [iv] بدلا من الزمن الخطي الميتافيزيقي، وهو زمن ينخر الحضور ذاته ويجعل الهوية مفعولا لاختلاف، والوحدة نتيجة لتعدد، والعمق فعلا لسطح[v]. كتابة تحاول أن تقضي على الوهم الأفلاطوني لمعرفة/ذاكرة، لتنظر إلى النسيان في قوته الفعالة. ولهذا فهي كتابة بدون ذات، لكنها غنية من حيث أنها لا تعطينا نفسها إلا فيما تحجبه عنا "وبالضبط فيما تحمله في طياتها من رخاوة، خلف مظهر أقوى الحقائق بداهة، في الصمت الذي يتخلل خطابها، والنقص الذي يعوز مفاهيمها ، والبياض الذي يتسلل إلى سواد كتابتها الدقيقة" [vi].
وفي الحقيقة فإن هذا الشكل الشذري المفكك هو ما يجعل النص الحنيالوجي يدشّن أسلوبا جديدا في الكتابة، لا يني نيتشه يلقّبه بالسياسة الكبرى في الفلسفة la grande politique [vii]. وينعته بنعوت مختلفة، كالمحاولة أو التجريب أو الاختبار. ويعني هذا أن أسلوبه يركّز على الملاحظة والحدس والتساؤل أكثر مما يسعى إلى بناء نسق مغلق. ولقد لاحظ هيدغر بأن "المحاولة" versuch هي بمثابة العودة إلى المعطى العيني والملموس والذي تم إهماله وإقصاؤه من مجال الفلسفة بدعوى أنه ليس بفلسفي[viii].إنه رمز لفكر متاهي يشتغل بهدوء وصبر، ويواجه العالم باعتباره لغزا، ويستغني عن المطلق كضامن للحقائق الأبدية. ولهذا فهو مجازفة بل ومخاطرة تتطلب من صاحبهاالكثير من الجرأة للسير في الطرق التائهة غير المسلوكة التي لم يطأها أي تفكير بعد ولم يتم استكشاف أراضيها البكر. يقول نيتشه: "إلى حد الآن فإن كل ما يمنح لونا للوجود ليس له تاريخ، لأنه أين سنعثر عن تاريخ للحب، للجشع، للرغبة، للضمير الأخلاقي، للرحمة للقساوة ؟ (…) فهل نعرف المفاعيل الأخلاقية للأغذية ؟ وهل هناك من فلسفة للتغذية ؟(…)فهذه القضايا تحتاج إلى محاولة واختبار، حيث جميع المغامرات والبطولات ممكنة"[ix].
وفي الحقيقة فإن نيتشه يستعمل الشذرة بمعنى يناقض أصلها الاشتقاقي، إذ هي لا تتوخى التحديد المنطقي لما تتحدّث عنه، بقدر ما تسعى إلى اتخاذ المسافة الضرورية من المعاني والقيم التي تم تكريسها كحقائق، وإذا اقتضى الأمر فهي تخضعها إلى فحص نقدي جديد. فالشذرة تروم تحريك الفكر، وخلخلة يقينياته وعاداته، وتكسير المجرى العادي للأشياء. ولها قرابة مع التراجيديا إذ تشترك معها في هتك حرمة الخطاب[x]. كما تتسم الشذرة بطابع الذاتية والفردية لأنها موجهة أساسا ضد الإجماع القائم. ولأنها من جهة أخرى تحمل بصمات تجربة صاحبها، وتروي سيرته، وتعبّر عن معاناته في الوجود ومع الحقيقة. والشذرة تستمدّ فعاليتها من البلاغة والشعر أكثر مما هو منطقي وبرهاني. وهي تراكم الأسئلة وتثير الإشكاليات أكثر مما تقدّم الأجوبة وتبحث عن الحلول. وظيفتها الأساسية لا تتمثّل في إقامة التعالقات والتعميمات، بل في العمل على كشف وعزل مظاهر فريدة ومتميزة من شأنها أن تلقي بضوء جديد على تساؤلات أخرى أكثر عمقا وأهمية[xi]. وأخيرا وليس آخرا فالشذرة تحقق القطيعة مع الماضي ومع النسق، وموجّهة ضد السفالة والتفاهة، وتستمد قوّتها من تعدد المنظورات التي تسمح بها، وكذا من طبيعتها الترحالية والمتنقّلة. إنها كما يقول "دولوز" بمثابة آلة حربية وقوة رحالة يتعذّر تفكيك سننها من قبل القانون والعقد والمؤسسة[xii].
وفي الحقيقة فإن هذا الطابع البلّوري للكتابة النيتشوية والذي يسم النص الجنيالوجي بالتعدد يكتسي أكثر من دلالة: فهو من جهة يبيّن المقاومة التي يبديها الفكر النيتشوي لكل تقنين وتقعيد يسعى إلى ضبط ماهيته، أو تثبيت هويته، أو اعتقال حيويته. ومن جهة أخرى يشير إلى المناعة والحصانة الذاتية التي يتمتع بها ذلك الفكر نظرا لطبيعته الترحالية، ونظرا لكونه استطاع ابتكار أسلوب جديد في التفكير والكتابة يجعله غير قابل للتقنين، لأن سننه مستعصية على التفكيك. وهذا ما يجعلها تتحول إلى آلة حربية قادرة على اختراق آليات الضبط والمراقبة والمنع التي تمارسها سلطة الحقيقة على التفكير والكتابة، وذلك عن طريق التشويس على أجهزة الرقابة النظامية، والعمل على تمرير وتسريب عبر كتابة شذرية، مفاهيم ورموز واستعارات ملغّمة، وحدها القوى الجديدة هي القادرة على تفجيرها. ألم يصرّح نيتشه في أحد رسائله الأخيرة بأن حياته الفكرية كلها بمثابة ديناميت[xiii].
وبالإضافة إلى السمات الآنفة الذكر التي تميز الكتابة الشذرية لدى نيتشه، يضيف "موريس بلونشو" الخصائص التالية:
أولا، للشذرة النيتشوية علاقة مفتوحة بالفضاء الخارجي[xiv]. على عكس الأسلوب الفلسفي الميتافيزيقي الذي تكون علاقته بالخارج متوسطة من قبل الداخل، حيث يتم الإدراك من دواخل الوعي والروح. فالحركة الآتية من الخارج مختلفة عن الحركة الخيالية للتمثلات، أو الحركة المجردة للمفاهيم[xv]. إذ لا يكفي الكلام أو الحديث عن الأشياء التي توجد في الخارج، كالهواء الطلق والحياة والسياسة..لجعل التفكير مشدودا إلى الخارج ومخترقا بحركته. وقد تكون هذه الخاصية هي المقصودة حين يؤكد دولوز على أنه من حق النص الجنيالوجي المطالبة بمعنى مختلف بل ومضاد [xvi]. وليس هذا المعنى المختلف سوى دعوة لمعالجة الشذرة باعتبارها إمكانا ينتظر مجيء قوى جديدة لتوظيف معانيه أو لتفجيرها[xvii]. ذلك لأن النص - في نظر صاحب "هكذا تكلم زرادشت"- هو لعبة قوى متخارجة. ونيتشه يقولها بصريح العبارة: "إذا أردتم معرفة ما أقوله، فاعثروا على القوة التي تعطي المعنى، وعند الحاجة تعطي معنى جديدا لما أقوله"[xviii]. إن هذا الانفتاح على الخارج، والذي هو شبيه بعملية "الانشيال من الأرضنة"[xix]، هو ما يجعل منها كتابة ليست ب"كتاب"، أي ليس لها مدخل ومخرج، ومقدمة وخاتمة. وهذا ما يجعلها أشبه بالمتاهة (وهو مفهوم يتكرر بكثرة في نصوص نيتشه). لأنها كتابة بدون معالم، أو بدون ذات متعالية-على النمط الكانطي- تحيل إليها كمصدر أو كأساس. ولهذا فهي كالعنقاء تقبل موتها وفناءها وتهيئ الأرض لانبعاثها من جديد في هويات مختلفة وأسماء جديدة[xx].
وثانيا، فالشذرة لها علاقة بالتدفقات والإحساسات. ويعني هذا أن نصوص نيتشه بماهي حالات وجود وتجارب معاشة، فهي غير قابلة أن تترجم إلى مفاهيم وتمثلات. فهي بمثابة علامات تندرج في إطار هيئات متعددة المعاني والدلالات. وفي هذا الصدد يقول "أدورنو": " إن الفيلسوف اليوم يوجد في مواجهة لغة مفككة، ومواده هي بقايا الألفاظ التي يربطه التاريخ بها، ولا يمتلك من الحرية غير ما تمنحه له هيئاتها الخاضعة للحقيقة داخلها، وليس مسموحا له أن يفكّر بأن لفظا ما معطى له بكامله، أو أنه يستطيع أن يخلقه من جديد"[xxi].
وثالثا، تقيم الشذرة أيضا علاقة خاصة مع الضحك والسخرية والتهكم. فمن يقرأ نصوص نيتشه بدون أن يضحك، بل وبدون أن يضحك كثيرا فكأنه لم يقرأ نيتشه. وفي الحقيقة فإن خاصية المرح هذه تنسحب على كل كتّاب الثقافة المضادة ومفكّري ما بعد الحداثة. فهناك فرح غير قابل للوصف ينبثق من النصوص الكبرى حتى حينما تتحدّث عن أشياء تافهة وتبعث على الاشمئزاز والقرف. لأنه يستحيل ألا يضحك المرء حينما تتعرّض السنن والشفرات للعبة التشويش.
وخلاصة القول، فالكتابة الشذرية هي ما به يعثر النص الجنيالوجي على امتداده في الخارج، أو ما به يتمتع النص بحريته وكينونته في استقلال عن المؤلف، ليغدو واقعة خطابية لها حقيقتها ونمطها من الوجود. ويرى "بلونشو" بأن نيتشه من أكثر الفلاسفة الذين يكون "خوفهم من الخوف" أقل، ويجعلون من خوفهم مستقرّهم، ويعرّضون ذواتهم للخارج بشكل أقوى. وهذا ما يجعل كتابته وتفكيره عبارة عن توتر دائم ومستمر بين التشكّل والتشظّي، بين البناء والهدم، بين الواحد والكثير، بين الهوية والاختلاف[xxii].
لهذا يستحيل أن يكون سؤال الأسلوب والكتابة في فلسفة نيتشه مجرد سؤال جمالي خالص. لأن الجنيالوجيا لا تكترث بإقامة تلاحم منطقي، أوانسجام مفاهيمي على غرار البناء المعماري للخطاب الميتافيزيقي المحكوم بمنطق الهوية الذي يقصي التعددية الملازمة لحدوده، فيقيم تطابقا أحادي الدلالة بين الدال والمدلول، وتسلسلا صارما بين المفاهيم في إطار نسق برهاني مغلق. فجل المفاهيم التي تستعملها الجنيالوجيا تحيل إلى أنظمة استعارية متعددة المصادر. وإلى كنايات مستمدة من مجالات ثقافية مختلفة دينية وفلسفية وفنية: كديونيزوس، وأريان، والمتاهة، والعود الأبدي، وزرادشت…إلخ. وهذا ما يجعل مفاهيم فلسفة نيتشه تقاوم كل محاولة تروم أن تؤسس عليها خطابا عقلانيا نسقيا[xxiii]. بل هذا أيضا ما يجعل نصه ذا بنية مطاطية تقوم على الانزياح والاستبدال، حيث العقل والرغبة والمتعة والذوق والقوة والمعرفة مفاهيم متداخلة ومتعالقة فيما بينها في إطار منظور يمزج بين الفلسفة والشعر، بين الحقيقة والخطأ، بين الجدّ واللعب، بين الواقع والوهم. ويسعى إلى التفكير في الجنيالوجيا والجسد. إن هذا التداخل الدلائلي المميز للنص الجنيالوجي – بما هو استعمال لأنظمة استعارية متعددة، وبما هو مزج بين أشكال كتابية وأساليب تعبيرية مختلفة ومتنوعة (الشذرة، القصيدة، الرسالة، المحاورة، القصة، المسرح، السيرة، الرقص، الموسيقى..) يولّد القدرة على الانتقال بين الإشارات والرموز والصور، والقدرة على الترحال بين الفضاءات والأزمنة[xxiv]. فالكتابة في لحظة انكتابها تولّد نسيانا مضاعفا: نسيانا للدلالات الأصلية للألفاظ المستعملة، ونسيانا للنظام النحوي والمنطقي الذي تقوم عليه. وهذا ما يجعل النص الجنيالوجي جسدا حيا، ويجعل مفاهيمه وألفاظه مخترقة بدينامية حيوية تمنحها قدرة على التناسل، وعلى قول الحياة والصيرورة. لأن اللغة الجنيالوجية حينما تتكلم عن الأشياء والكائنات فهي لا تقول ماهيتها وإنما تتحدث عن تدفقاتها وإيقاعها، وعن مجاز لا عن حقيقة، وعن غائب لا عن حاضر[xxv]. وهذا يعني أن الكتابة الجنيالوجية تعتمد على استراتيجيات اللغة ونظمها الاستعارية في تحويل مضامينها إلى كائنات كلامية: فالشمس والقمر والكواكب والنجوم ليست أشياء فلكية في السماء، ولكنها الدفء والأنس والرفيق، والاقتصاد ليس علم سياسة المال والتجارة، ولكنه الغنى والفقر، والصحة والمرض، والسعادة والشقاء…إلخ. ويترتب عن هذا الفهم الجديد للكتابة تصور في غاية الأهمية والخطورة يجعل الغياب في اللغة هو الأصل وليس الحضور. وهذا هو معنى الطابع المخاتل للغة، وخبث الدليل. منطلق نيتشه في الكتابة الفلسفية يتمثل في الإقرار بالواقع التالي: عجز الفلسفة على قول الجسد والحياة وتأويلهما. وهذا ما جعل تاريخ الفلسفة- يبدو لنيتشه- كتاريخ سوء فهم للجسد. بل إن الخطاب الميتافيزيقي لا يتشكّل إلا كإنكار للجسد والدال وكبت لهما[xxvi]. وليست الكتابة الاستعارية سوى آلية للتحايل على اللغة وقول ما لا يقوله القول، ولإظهار ما لا يظهره المفهوم. من هنا يجب التمييز في الجنيالوجيا بين كتابتين أو لغتين: "لغة حول الجسد"، وهي لغة المفهوم والتمثل وتندرج ضمن ما يسمّيه نيتشه بالتمثيل المسرحي[xxvii] الذي يعمل على إنتاج نمط من الجسد قد تم إخضاعه وتحويله إلى موضوع، فيولّد الوهم بأن هذا الجسد-الموض

المزيد


برغسون(الفصل الخامس:محاضرة2):La pensée et le mouvant

أغسطس 23rd, 2006 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والأدب, كتب

 Vous m’avez prêté hier une attention si soutenue que vous ne devrez pas vous étonner si je suis tenté d’en abuser aujourd’hui. Je vais vous demander de faire un effort violent pour écarter quelques-uns des schémas artificiels que nous interposons, à notre insu, entre la réalité et nous. Il s’agit de rompre avec certaines habitudes de penser et de percevoir qui nous sont devenues natu­relles. Il faut revenir à la perception directe du changement et de la mobilité. Voici un premier résultat de cet effort. Nous nous représenterons tout changement, tout mouvement, comme absolument indivisibles.
 
Commençons par le mouvement. J’ai la main au point A. Je la transporte au point B, parcourant l’intervalle AB. Je dis que ce mouvement de A en B est chose simple.
 
Mais c’est de quoi chacun de nous a la sensation immédiate. Sans doute, pendant que nous portons notre main de A en B, nous nous disons que nous pourrions l’arrêter en un point intermédiaire, mais nous n’aurions plus affaire alors au même mouvement. Il n’y aurait plus un mouvement unique de A en ; il y aurait, par hypothèse, deux mouvements, avec un intervalle d’arrêt. Ni du dedans, par le sens musculaire, ni du dehors par la vue, nous n’aurions encore la même perception. Si nous laissons notre mouvement de A en B tel qu’il est, nous le sentons indivisé et nous devons le déclarer indivisible.
 
Il est vrai que, lorsque je regarde ma main allant de A en B et décrivant l’intervalle AB, je me dis : « l’intervalle AB peut se diviser en autant de parties que je le veux, donc le mouvement de A en B peut se diviser en autant de parties qu’il me plaît, puisque ce mouvement s’applique sur cet intervalle. » Ou bien encore : « à chaque instant de son trajet, le mobile passe en un certain point, donc on peut distinguer dans le mouvement autant d’étapes qu’on voudra, donc le mouvement est infiniment divisible. » Mais réfléchissons-y un instant. Comment le mouvement pourrait-il s’appliquer sur l’espace qu’il parcourt ? comment du mouvant coïnciderait-il avec de l’immobile ? comment l’objet qui se meut serait-il en un point de son trajet ? Il y passe, ou, en d’autres termes, il pourrait y être. Il y serait s’il s’y arrêtait ; mais, s’il s’y arrêtait, ce n’est plus au même mouvement que nous aurions affaire. C’est toujours d’un seul bond qu’un trajet est parcouru, quand il n’y a pas d’arrêt sur le trajet. Le bond peut durer quelques secondes, ou des jours, des mois, des années : peu importe. Du moment qu’il est unique, il est indécomposable. Seulement, une fois le trajet effectué, comme la trajectoire est espace et que l’espace est indéfiniment divisible, nous nous figurons que le mouvement lui-même est divisible indéfiniment. Nous aimons à nous le figurer, parce que, dans un mouvement, ce n’est pas le changement de position qui nous intéresse, ce sont les positions elles-mêmes, celle que le mobile a quittée, celle qu’il prendra, celle qu’il prendrait s’il s’arrêtait en route. Nous avons besoin d’immo­bilité, et plus nous réussirons à nous représenter le mouvement comme coïncidant avec les immobilités des points de l’espace qu’il parcourt, mieux nous croirons le comprendre. À vrai dire, il n’y a jamais d’immobilité vérita­ble, si nous entendons par là une absence de mouvement. Le mouvement est la réalité même, et ce que nous appelons immobilité est un certain état de choses analogue à ce qui se produit quand deux trains marchent avec la même vitesse, dans le même sens, sur deux voies parallèles : chacun des deux trains est alors immobile pour les voyageurs assis dans l’autre. Mais une situation de ce genre, qui est en somme exceptionnelle, nous semble être la situation régulière et normale, parce que c’est celle qui nous permet d’agir sur les choses et qui permet aussi aux choses d’agir sur nous : les voyageurs des deux trains ne peuvent se tendre la main par la portière et causer ensemble que s’ils sont « immobiles », c’est-à-dire s’ils marchent dans le même sens avec la même vitesse. L’« immobilité » étant ce dont notre action a besoin, nous l’érigeons en réalité, nous en faisons un absolu, et nous voyons dans le mouvement quelque chose qui s’y surajoute. Rien de plus légitime dans la pratique. Mais lorsque nous transportons cette habitude d’esprit dans le domaine de la spéculation, nous méconnaissons la réalité vraie, nous créons, de gaieté de cœur, des problèmes insolubles, nous fermons les yeux à ce qu’il y a de plus vivant dans le réel.
 
Je n’ai pas besoin de vous rappeler les arguments de Zénon d’Élée. Tous impliquent la confusion du mouvement avec l’espace parcouru, ou tout au moins la conviction qu’on peut traiter le mouvement comme on traite l’espace, le diviser sans tenir compte de ses articulations. Achille, nous dit-on, n’attein­dra jamais la tortue qu’il poursuit, car lorsqu’il arrivera au point où était la tortue, celle-ci aura eu le temps de marcher, et ainsi de suite indéfiniment. Les philosophes ont réfuté cet argument de bien des manières, et de manières si différentes que chacune de ces réfutations enlève aux autres le droit de se croire définitives. Il y aurait eu pourtant un moyen très simple de trancher la difficulté : c’eût été d’interroger Achille. Car, puisque Achille finit par rejoindre la tortue et même par la dépasser, il doit savoir, mieux que personne, comment il s’y prend. Le philosophe ancien qui démontrait la possibilité du mouvement en marchant était dans le vrai : son seul tort fut de faire le geste sans y joindre un commentaire. Demandons alors à Achille de commenter sa course : voici, sans aucun doute, ce qu’il nous répondra. « Zénon veut que je me rende du point où je suis au point que la tortue a quitté, de celui-ci au point qu’elle a quitté encore, etc. ; c’est ainsi qu’il procède pour me faire courir. Mais moi, pour courir, je m’y prends autrement. Je fais un premier pas, puis un second, et ainsi de suite : finalement, après un certain nombre de pas, j’en fais un dernier par lequel j’enjambe la tortue. J’accomplis ainsi une série d’actes indivisibles. Ma course est la série de ces actes. Autant elle comprend de pas, autant vous pouvez y distinguer de parties. Mais vous n’avez pas le droit de la désarticuler selon une autre loi, ni de la supposer articulée d’une autre manière. Procéder comme le fait Zénon, c’est admettre que la course peut être décomposée arbitrairement, comme l’espace parcouru ; c’est croire que le trajet s’applique réellement contre la trajectoire ; c’est faire coïncider et par conséquent confondre ensemble mouvement et immobilité. »
 
Mais en cela consiste précisément notre méthode habituelle. Nous raisonnons sur le mouvement comme s’il était fait d’immobilités, et, quand nous le regardons, c’est avec des immobilités que nous le reconstituons. Le mouvement est pour nous une position, puis une nouvelle position, et ainsi de suite indéfiniment. Nous nous disons bien, il est vrai, qu’il doit y avoir autre chose, et que, d’une position à une position, il y a le passage par lequel se franchit l’intervalle. Mais, dès que nous fixons notre attention sur ce passage, vite nous en faisons une série de positions, quittes à reconnaître encore qu’entre deux positions successives il faut bien supposer un passage. Ce passa­ge, nous reculons indéfiniment le moment de l’envisager. Nous admettons qu’il existe, nous lui donnons un nom, cela nous suffit : une fois en règle de ce côté, nous nous tournons vers les positions et nous préférons n’avoir affaire qu’à elles. Nous avons instinctivement peur des difficultés que susciterait à notre pensée la vision du mouvement dans ce qu’il a de mouvant ; et nous avons raison, du moment que le mouvement a été chargé par nous d’immobilités. Si le mouvement n’est pas tout, il n’est rien ; et si nous avons d’abord posé que l’immobilité peut être une réalité, le mouvement glissera entre nos doigts quand nous croirons le tenir.
 
J’ai parlé du mouvement ; mais j’en dirais autant de n’importe quel chan­gement. Tout changement réel est un changement indivisible. Nous aimons à le traiter comme une série d’états distincts qui s’aligneraient, en quelque sorte, dans le temps. C’est naturel encore. Si le changement est continuel en nous et continuel aussi dans les choses, en revanche, pour que le changement ininter­rompu que chacun de nous appelle « moi » puisse agir sur le changement ininterrompu que nous appelons une « chose », il faut que ces deux change­ments se trouvent, l’un par rapport à l’autre, dans une situation analogue à celle des deux trains dont nous parlions tout à l’heure. Nous disons par exemple qu’un objet change de couleur, et que le changement consiste ici dans une série de teintes qui seraient les éléments constitutifs du changement et qui, elles, ne changeraient pas. Mais, d’abord, ce qui existe objectivement de cha­que teinte, c’est une oscillation infiniment rapide, c’est du changement. Et, d’autre part, la perception que nous en avons, dans ce qu’elle a de subjectif, n’est qu’un aspect isolé, abstrait, de l’état général de notre personne, lequel change globalement sans cesse et fait participer à son changement cette perception dite invariable : en fait, il n’y a pas de perception qui ne se modifie à chaque instant. De sorte que la couleur, en dehors de nous, est la mobilité même, et que notre propre personne est mobilité encore. Mais tout le mécanis­me de notre perception des choses, comme celui de notre action sur les choses, a été réglé de manière à amener ici, entre la mobilité externe et la mobilité intérieure, une situation comparable à celle de nos deux trains, – plus compliquée, sans doute, mais du même genre : quand les deux changements, celui de l’objet et celui du sujet, ont lieu dans ces conditions particulières, ils suscitent l’apparence particulière que nous appelons un « état ». Et, une fois en possession d’« états », notre esprit recompose avec eux le changement. Rien de plus naturel, je le répète : le morcelage du changement en états nous met à même d’agir sur les choses, et il est pratiquement utile de s’intéresser aux états plutôt qu’au changement lui-même. Mais ce qui favorise ici l’action serait mortel à la spéculation. Représentez-vous un changement comme réellement composé d’états : du même coup vous faites surgir des problèmes métaphysi­ques insolubles. Ils ne portent que sur des apparences. Vous avez fermé les yeux à la réalité vraie.
 
Je n’insisterai pas davantage. Que chacun de nous fasse l’expérience, qu’il se donne la vision directe d’un changement, d’un mouvement : il aura un sentiment d’absolue indivisibilité. J’arrive alors au second point, qui est très voisin du premier. Il y a des changements, mais il n’y a pas, sous le change­ment, de choses qui changent : le changement n’a pas besoin d’un support. Il y a des mouvements, mais il n’y a pas d’objet inerte, invariable, qui se meuve : le mouvement n’implique pas un mobile [1].
 
On a de la peine à se représenter ainsi les choses, parce que le sens par excellence est celui de la vue, et que l’œil a pris l’habitude de découper, dans l’ensemble du champ visuel, des figures relativement invariables qui sont censées alors se déplacer sans se déformer : le mouvement se surajouterait au mobile comme un accident. Il est en effet utile d’avoir affaire, tous les jours, à des objets stables et, en quelque sorte, responsables, auxquels on s’adresse comme à des personnes. Le sens de la vue s’arrange pour prendre les choses de ce biais : éclaireur du toucher, il prépare notre action sur le monde exté­rieur. Mais déjà nous aurons moins de peine à percevoir le mouvement et le changement comme des réalités indépendantes si nous nous adressons au sens de l’ouïe. Écoutons une mélodie en nous laissant bercer par elle : n’avons-nous pas la perception nette d’un mouvement qui n’est pas attaché à un mobile, d’un chan

المزيد


نحو سياسة جديدة للكتابة في الفلسفة:1-الميتافيزيقا والكتابة

أغسطس 19th, 2005 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والأدب

 
"نحن نروم ونستهدف أرضا بكرا لا أحد وضع حدودها، إنه ما وراء كل الأراضي والخبايا المعروفة إلى حدود الآن. عالم يفيض بأشياء جميلة، غريبة، مرعبة، إشكالية. وهناك كثير من الأراضي البكر التي يجب اكتشافها. لقد حان الوقت أيها الفلاسفة فلترضعوا مدادكم ." ف.نيتشه .                 
"لا أحب من الكتابات كلها ، إلا تلك التي تكتب بالدم الشخصي . أكتب بالدم وستعلم أن الدم روح." ف.نيتشه .
 
1- الميتافيزيقا والكتابة:
لم تكن الميتافيزيقا عبر تاريخها سوى خطاب موجّه ضد الكتابة، ونسق دفاعي ضد ما تشكّله من تهديد. وكأن الكتابة بخمارها الأسود تشكّل فضاء سديميا يهدّد وحدة المعنى وشفافية الدلالة بالتبعثر والتلاشي والفوضى، ويحول دون البناء النسقي للفكر والمعماري للعقل. فما الذي يا ترى، يجعل الكتابة ترتبط في ذاكرة الميتافيزيقا بالخوف والعنف والتهديد ؟ وكيف نفسّر موقف الميتافيزيقا الحائر والمتذبذب، موقف الرافض للكتابة والمتشبّث بها في الوقت ذاته ؟ وفي مقابل ذلك، كيف نفسر عشق النص الجنيالوجي للكتابة الذي يصل به حدّ الوله بل الجنون ؟ ما الذي يميّز الكتابة الجنيالوجية عن الكتابة الميتافيزيقية ؟ وما هي رهانات الكتابة اليوم في الفلسفة المعاصرة؟
يقول دريدا: "على الرغم من أن النص الميتافيزيقي هو دوما نص مكتوب، إلا أنه ينطوي على الرغبة في أن يمّحي ليدع المجال للمحتوى الذي ينقله ، ويسعى في الأغلب الأعم إلى تعليمه. وهذا بالضبط ما يجعل منه نصا ميتافيزيقيا"[1]. فإقصاء البعد الكتابي للخطاب، وحجب دلائله وعلاماته هو ما يعتبر حدّا للميتافيزيقا. بل إنّه ذاته التعريف الذي يقدّمه نيتشه لسقراط بما هو نموذج للفيلسوف الميتافيزيقي، "فسقراط هو الفيلسوف الذي لا يكتب ".
رفض الميتافيزيقا للكتابة يمكن أن يؤوّل بكيفيتين متظافرتين: فهو من جهة يختزلها إلى مجرد أداة أو وسيلة، وبمنحها وظيفة ثانوية، حيث هي مجرد أداة لنقل الكلام وترجمة الفكر، ومجرد تقنية توجد في خدمة معاني النص. فالكتابة ليست سوى جسر يسمح بمرور المعاني وتمثيلها، كما يسمح بحضورها ومثولها . رفض الميتافيزيقا للكتابة يتخذ هنا شكل نفي لكثافة الدليل وماديته، ونفي للبعد البلاغي للغة الفلسفية واختزال لطابعها الاستعاري، وتحويلها إلى مجرد أداة لاستحضار المعاني الأصلية التي توجد داخل الذهن أو في عالم مفارق.
ومن جهة أخرى، يتأسس ذلك الرفض على منح الميتافيزيقا للمدلول أسبقية زمانية ومنطقية على الدال، أي اعتبار أن الفكر سابق على اللغة، وأنه من طبيعة روحانية خالصة، بينما اللغة بما هي جسم مادي، فهي تلطيخ لروح الميتافيزيقا الطاهرة وتلويث لمعانيها الخالصة. لهذا تعمل الميتافيزيقا كل ما في وسعها للإبقاء على العقل في "صورته الخالصة" عبر مقاومة غواية اللغة الشعرية. لأن"وظيفة الفلسفة-كما يراها فتجنشتاين – تتمثّل في إعلانها الحرب على تهلل العقل بآليات اللغة"[2].
إن هذا الرفض الميتافيزيقي للكتابة يعتبره نيتشه شرطا لا غنى عنه لقيام الميتافيزيقا ولتشكّلها كخطاب دال وممتلئ . وهو يربطه بوهم الشفافية الذي تولّده وتغذّيه اللغة الميتافيزيقية حين تظهر بأنّ كلماتها المستعملة ليست علامات ودلائل ، أي ليست تسميات اعتباطية ، وإنما هي حقائق تتعلق بالأشياء التي تحيل إليها . لكن مع ذلك يظل موقف الميتافيزيقا من الكتابة لا يخلو من مفارقة، فهي في الوقت الذي ترفضها من حيث أنها تلطيخ شهواني للروح الميتافيزيقية ولمعانيها الصافية ، فهي في الوقت نفسه تقبل أن تسجن معانيها فيها . علة ذلك أن الكتابة ليست مجرد وسيلة تعبير وتمثيل أو نقل ، وإنما أساسا مستودعا لحفظ المعاني ضد فعل الزمن وعبث التاريخ وضد النسيان . لهذا تلجأ الميتافيزيقا إلى الكتابة لمنح معانيها طابع الخلود وصفة الحضور الدائم " ويتم ذلك إما عن طريق تقليص الزمن إلى التملك اللحظي للمعنى ، وهذا ما يفعله ديكارت حينما يجعل الحدس أداة لإدراك المعنى الحاضر في الذهن ا

المزيد