2- الجينيالوجيا والكتابة:
إن تقويض الميتافيزيقا وتجاوزها، يقتضي إعادة الاعتبار للكتابة وبلورة سياسة جديدة لها. إنه يقتضي انعتاق الكتابة وتحرير الدال من تبعيته للمدلول؛ وهي المسألة التي ستحققها الجنيالوجيا ولأوّل مرة في تاريخ الفلسفة. يقول دريدا: "لقد كتب نيتشه ما كتبه، كتب بأن الكتابة–وكتابته على الخصوص-ليست خاضعة للوغوس والحقيقة. وبأن هذا الإخضاع قد تم في مرحلة محدّدة " [i].وهكذا فمع نيتشه سينبثق تصور جديد للكتابة، من حيث أنه يمثّل حسب دريدا أول فيلسوف قام بتحرير الدال من تبعيته للمدلول، ومن اشتقاقه من اللوغوس[ii] . يتعلق الأمر هنا بكتابة/قراءة جديدة لا تميّز بين النص وكاتبه، قراءة فعالة تنتج النص اللامكتوب والذي لا يكون مجال الكتابة إلا علامة عليه وعرضا من أعراضه. إنها كتابة/قراءة تحاول أن تنتج العملية الفعلية للكتابة الميتافيزيقية ذاتها، والتي ليست هي عملية إظهار وتملّك المعنى الوحيد كما تريد الميتافيزيقا، وإنما عملية لتوليد الاستعارات procés de métaphorisation . ولا شك أن الكتابة الملائمة للمشروع الجنيالوجي–بما هو مشروع يروم تقويض الميتافيزيقا وسنّ سياسة جديدة للفلسفة تساؤلا وتفكيرا وتأويلا وتقويما وكتابة[iii]- هي الكتابة الشذرية aphoristiqueأو المقطعية التي تنبذ الاستمرار والوصل . كتابة تقحم داخل النص زمان العود الأبدي [iv] بدلا من الزمن الخطي الميتافيزيقي، وهو زمن ينخر الحضور ذاته ويجعل الهوية مفعولا لاختلاف، والوحدة نتيجة لتعدد، والعمق فعلا لسطح[v]. كتابة تحاول أن تقضي على الوهم الأفلاطوني لمعرفة/ذاكرة، لتنظر إلى النسيان في قوته الفعالة. ولهذا فهي كتابة بدون ذات، لكنها غنية من حيث أنها لا تعطينا نفسها إلا فيما تحجبه عنا "وبالضبط فيما تحمله في طياتها من رخاوة، خلف مظهر أقوى الحقائق بداهة، في الصمت الذي يتخلل خطابها، والنقص الذي يعوز مفاهيمها ، والبياض الذي يتسلل إلى سواد كتابتها الدقيقة" [vi].
وفي الحقيقة فإن هذا الشكل الشذري المفكك هو ما يجعل النص الحنيالوجي يدشّن أسلوبا جديدا في الكتابة، لا يني نيتشه يلقّبه بالسياسة الكبرى في الفلسفة la grande politique [vii]. وينعته بنعوت مختلفة، كالمحاولة أو التجريب أو الاختبار. ويعني هذا أن أسلوبه يركّز على الملاحظة والحدس والتساؤل أكثر مما يسعى إلى بناء نسق مغلق. ولقد لاحظ هيدغر بأن "المحاولة" versuch هي بمثابة العودة إلى المعطى العيني والملموس والذي تم إهماله وإقصاؤه من مجال الفلسفة بدعوى أنه ليس بفلسفي[viii].إنه رمز لفكر متاهي يشتغل بهدوء وصبر، ويواجه العالم باعتباره لغزا، ويستغني عن المطلق كضامن للحقائق الأبدية. ولهذا فهو مجازفة بل ومخاطرة تتطلب من صاحبهاالكثير من الجرأة للسير في الطرق التائهة غير المسلوكة التي لم يطأها أي تفكير بعد ولم يتم استكشاف أراضيها البكر. يقول نيتشه: "إلى حد الآن فإن كل ما يمنح لونا للوجود ليس له تاريخ، لأنه أين سنعثر عن تاريخ للحب، للجشع، للرغبة، للضمير الأخلاقي، للرحمة للقساوة ؟ (…) فهل نعرف المفاعيل الأخلاقية للأغذية ؟ وهل هناك من فلسفة للتغذية ؟(…)فهذه القضايا تحتاج إلى محاولة واختبار، حيث جميع المغامرات والبطولات ممكنة"[ix].
وفي الحقيقة فإن نيتشه يستعمل الشذرة بمعنى يناقض أصلها الاشتقاقي، إذ هي لا تتوخى التحديد المنطقي لما تتحدّث عنه، بقدر ما تسعى إلى اتخاذ المسافة الضرورية من المعاني والقيم التي تم تكريسها كحقائق، وإذا اقتضى الأمر فهي تخضعها إلى فحص نقدي جديد. فالشذرة تروم تحريك الفكر، وخلخلة يقينياته وعاداته، وتكسير المجرى العادي للأشياء. ولها قرابة مع التراجيديا إذ تشترك معها في هتك حرمة الخطاب[x]. كما تتسم الشذرة بطابع الذاتية والفردية لأنها موجهة أساسا ضد الإجماع القائم. ولأنها من جهة أخرى تحمل بصمات تجربة صاحبها، وتروي سيرته، وتعبّر عن معاناته في الوجود ومع الحقيقة. والشذرة تستمدّ فعاليتها من البلاغة والشعر أكثر مما هو منطقي وبرهاني. وهي تراكم الأسئلة وتثير الإشكاليات أكثر مما تقدّم الأجوبة وتبحث عن الحلول. وظيفتها الأساسية لا تتمثّل في إقامة التعالقات والتعميمات، بل في العمل على كشف وعزل مظاهر فريدة ومتميزة من شأنها أن تلقي بضوء جديد على تساؤلات أخرى أكثر عمقا وأهمية[xi]. وأخيرا وليس آخرا فالشذرة تحقق القطيعة مع الماضي ومع النسق، وموجّهة ضد السفالة والتفاهة، وتستمد قوّتها من تعدد المنظورات التي تسمح بها، وكذا من طبيعتها الترحالية والمتنقّلة. إنها كما يقول "دولوز" بمثابة آلة حربية وقوة رحالة يتعذّر تفكيك سننها من قبل القانون والعقد والمؤسسة[xii].
وفي الحقيقة فإن هذا الطابع البلّوري للكتابة النيتشوية والذي يسم النص الجنيالوجي بالتعدد يكتسي أكثر من دلالة: فهو من جهة يبيّن المقاومة التي يبديها الفكر النيتشوي لكل تقنين وتقعيد يسعى إلى ضبط ماهيته، أو تثبيت هويته، أو اعتقال حيويته. ومن جهة أخرى يشير إلى المناعة والحصانة الذاتية التي يتمتع بها ذلك الفكر نظرا لطبيعته الترحالية، ونظرا لكونه استطاع ابتكار أسلوب جديد في التفكير والكتابة يجعله غير قابل للتقنين، لأن سننه مستعصية على التفكيك. وهذا ما يجعلها تتحول إلى آلة حربية قادرة على اختراق آليات الضبط والمراقبة والمنع التي تمارسها سلطة الحقيقة على التفكير والكتابة، وذلك عن طريق التشويس على أجهزة الرقابة النظامية، والعمل على تمرير وتسريب عبر كتابة شذرية، مفاهيم ورموز واستعارات ملغّمة، وحدها القوى الجديدة هي القادرة على تفجيرها. ألم يصرّح نيتشه في أحد رسائله الأخيرة بأن حياته الفكرية كلها بمثابة ديناميت[xiii].
وبالإضافة إلى السمات الآنفة الذكر التي تميز الكتابة الشذرية لدى نيتشه، يضيف "موريس بلونشو" الخصائص التالية:
أولا، للشذرة النيتشوية علاقة مفتوحة بالفضاء الخارجي[xiv]. على عكس الأسلوب الفلسفي الميتافيزيقي الذي تكون علاقته بالخارج متوسطة من قبل الداخل، حيث يتم الإدراك من دواخل الوعي والروح. فالحركة الآتية من الخارج مختلفة عن الحركة الخيالية للتمثلات، أو الحركة المجردة للمفاهيم[xv]. إذ لا يكفي الكلام أو الحديث عن الأشياء التي توجد في الخارج، كالهواء الطلق والحياة والسياسة..لجعل التفكير مشدودا إلى الخارج ومخترقا بحركته. وقد تكون هذه الخاصية هي المقصودة حين يؤكد دولوز على أنه من حق النص الجنيالوجي المطالبة بمعنى مختلف بل ومضاد [xvi]. وليس هذا المعنى المختلف سوى دعوة لمعالجة الشذرة باعتبارها إمكانا ينتظر مجيء قوى جديدة لتوظيف معانيه أو لتفجيرها[xvii]. ذلك لأن النص - في نظر صاحب "هكذا تكلم زرادشت"- هو لعبة قوى متخارجة. ونيتشه يقولها بصريح العبارة: "إذا أردتم معرفة ما أقوله، فاعثروا على القوة التي تعطي المعنى، وعند الحاجة تعطي معنى جديدا لما أقوله"[xviii]. إن هذا الانفتاح على الخارج، والذي هو شبيه بعملية "الانشيال من الأرضنة"[xix]، هو ما يجعل منها كتابة ليست ب"كتاب"، أي ليس لها مدخل ومخرج، ومقدمة وخاتمة. وهذا ما يجعلها أشبه بالمتاهة (وهو مفهوم يتكرر بكثرة في نصوص نيتشه). لأنها كتابة بدون معالم، أو بدون ذات متعالية-على النمط الكانطي- تحيل إليها كمصدر أو كأساس. ولهذا فهي كالعنقاء تقبل موتها وفناءها وتهيئ الأرض لانبعاثها من جديد في هويات مختلفة وأسماء جديدة[xx].
وثانيا، فالشذرة لها علاقة بالتدفقات والإحساسات. ويعني هذا أن نصوص نيتشه بماهي حالات وجود وتجارب معاشة، فهي غير قابلة أن تترجم إلى مفاهيم وتمثلات. فهي بمثابة علامات تندرج في إطار هيئات متعددة المعاني والدلالات. وفي هذا الصدد يقول "أدورنو": " إن الفيلسوف اليوم يوجد في مواجهة لغة مفككة، ومواده هي بقايا الألفاظ التي يربطه التاريخ بها، ولا يمتلك من الحرية غير ما تمنحه له هيئاتها الخاضعة للحقيقة داخلها، وليس مسموحا له أن يفكّر بأن لفظا ما معطى له بكامله، أو أنه يستطيع أن يخلقه من جديد"[xxi].
وثالثا، تقيم الشذرة أيضا علاقة خاصة مع الضحك والسخرية والتهكم. فمن يقرأ نصوص نيتشه بدون أن يضحك، بل وبدون أن يضحك كثيرا فكأنه لم يقرأ نيتشه. وفي الحقيقة فإن خاصية المرح هذه تنسحب على كل كتّاب الثقافة المضادة ومفكّري ما بعد الحداثة. فهناك فرح غير قابل للوصف ينبثق من النصوص الكبرى حتى حينما تتحدّث عن أشياء تافهة وتبعث على الاشمئزاز والقرف. لأنه يستحيل ألا يضحك المرء حينما تتعرّض السنن والشفرات للعبة التشويش.
وخلاصة القول، فالكتابة الشذرية هي ما به يعثر النص الجنيالوجي على امتداده في الخارج، أو ما به يتمتع النص بحريته وكينونته في استقلال عن المؤلف، ليغدو واقعة خطابية لها حقيقتها ونمطها من الوجود. ويرى "بلونشو" بأن نيتشه من أكثر الفلاسفة الذين يكون "خوفهم من الخوف" أقل، ويجعلون من خوفهم مستقرّهم، ويعرّضون ذواتهم للخارج بشكل أقوى. وهذا ما يجعل كتابته وتفكيره عبارة عن توتر دائم ومستمر بين التشكّل والتشظّي، بين البناء والهدم، بين الواحد والكثير، بين الهوية والاختلاف[xxii].
لهذا يستحيل أن يكون سؤال الأسلوب والكتابة في فلسفة نيتشه مجرد سؤال جمالي خالص. لأن الجنيالوجيا لا تكترث بإقامة تلاحم منطقي، أوانسجام مفاهيمي على غرار البناء المعماري للخطاب الميتافيزيقي المحكوم بمنطق الهوية الذي يقصي التعددية الملازمة لحدوده، فيقيم تطابقا أحادي الدلالة بين الدال والمدلول، وتسلسلا صارما بين المفاهيم في إطار نسق برهاني مغلق. فجل المفاهيم التي تستعملها الجنيالوجيا تحيل إلى أنظمة استعارية متعددة المصادر. وإلى كنايات مستمدة من مجالات ثقافية مختلفة دينية وفلسفية وفنية: كديونيزوس، وأريان، والمتاهة، والعود الأبدي، وزرادشت…إلخ. وهذا ما يجعل مفاهيم فلسفة نيتشه تقاوم كل محاولة تروم أن تؤسس عليها خطابا عقلانيا نسقيا[xxiii]. بل هذا أيضا ما يجعل نصه ذا بنية مطاطية تقوم على الانزياح والاستبدال، حيث العقل والرغبة والمتعة والذوق والقوة والمعرفة مفاهيم متداخلة ومتعالقة فيما بينها في إطار منظور يمزج بين الفلسفة والشعر، بين الحقيقة والخطأ، بين الجدّ واللعب، بين الواقع والوهم. ويسعى إلى التفكير في الجنيالوجيا والجسد. إن هذا التداخل الدلائلي المميز للنص الجنيالوجي – بما هو استعمال لأنظمة استعارية متعددة، وبما هو مزج بين أشكال كتابية وأساليب تعبيرية مختلفة ومتنوعة (الشذرة، القصيدة، الرسالة، المحاورة، القصة، المسرح، السيرة، الرقص، الموسيقى..) يولّد القدرة على الانتقال بين الإشارات والرموز والصور، والقدرة على الترحال بين الفضاءات والأزمنة[xxiv]. فالكتابة في لحظة انكتابها تولّد نسيانا مضاعفا: نسيانا للدلالات الأصلية للألفاظ المستعملة، ونسيانا للنظام النحوي والمنطقي الذي تقوم عليه. وهذا ما يجعل النص الجنيالوجي جسدا حيا، ويجعل مفاهيمه وألفاظه مخترقة بدينامية حيوية تمنحها قدرة على التناسل، وعلى قول الحياة والصيرورة. لأن اللغة الجنيالوجية حينما تتكلم عن الأشياء والكائنات فهي لا تقول ماهيتها وإنما تتحدث عن تدفقاتها وإيقاعها، وعن مجاز لا عن حقيقة، وعن غائب لا عن حاضر[xxv]. وهذا يعني أن الكتابة الجنيالوجية تعتمد على استراتيجيات اللغة ونظمها الاستعارية في تحويل مضامينها إلى كائنات كلامية: فالشمس والقمر والكواكب والنجوم ليست أشياء فلكية في السماء، ولكنها الدفء والأنس والرفيق، والاقتصاد ليس علم سياسة المال والتجارة، ولكنه الغنى والفقر، والصحة والمرض، والسعادة والشقاء…إلخ. ويترتب عن هذا الفهم الجديد للكتابة تصور في غاية الأهمية والخطورة يجعل الغياب في اللغة هو الأصل وليس الحضور. وهذا هو معنى الطابع المخاتل للغة، وخبث الدليل. منطلق نيتشه في الكتابة الفلسفية يتمثل في الإقرار بالواقع التالي: عجز الفلسفة على قول الجسد والحياة وتأويلهما. وهذا ما جعل تاريخ الفلسفة- يبدو لنيتشه- كتاريخ سوء فهم للجسد. بل إن الخطاب الميتافيزيقي لا يتشكّل إلا كإنكار للجسد والدال وكبت لهما[xxvi]. وليست الكتابة الاستعارية سوى آلية للتحايل على اللغة وقول ما لا يقوله القول، ولإظهار ما لا يظهره المفهوم. من هنا يجب التمييز في الجنيالوجيا بين كتابتين أو لغتين: "لغة حول الجسد"، وهي لغة المفهوم والتمثل وتندرج ضمن ما يسمّيه نيتشه بالتمثيل المسرحي[xxvii] الذي يعمل على إنتاج نمط من الجسد قد تم إخضاعه وتحويله إلى موضوع، فيولّد الوهم بأن هذا الجسد-الموض













