شروط تأسيس فلسفة نقدية حول خطاب “حقوق الإنسان”

سبتمبر 5th, 2009 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والمجتمع



 

شروط تأسيس خطاب فلسفي نقدي حول "حقوق الإنسان"*

 

يبدو أنه من الضروري في اللحظات التاريخية الحاسمة التي يجتازها العالم بصفة عامة، والعالم العربي الإسلامي بصفة خاصة، أن نقف لحظة تساؤل حول ما يسمى بحركة حقوق الإنسان، لأنه إذا ما جعلناها مجرد شعار، فإننا سنعرّض هذه الحركة الحقوقية رغم جاذبيتها السياسية، إلى السقوط في حبال الإيديولوجيا، مما يعرّضها للسقوط والأفول.

من هذا الاعتبار يبدو لنا أن التساؤل الفلسفي حول الإحالة إلى الحق وعودة حقوق الإنسان بصفة عامة، ليس فقط تساؤلا مشروعا على المستوى الفلسفي، من حيث أنّ فعل التفلسف يتحدّد بما هو تفكير في الكائن وأنطولوجيا للحاضر؛ ولكنه ضروري أيضا على المستوى السياسي إذا سلّمنا أن التاريخ المعاصر قد كان في معظم الأحيان مسرحا لكثير من المشاريع التحرّرية التي انقلبت إلى أضدادها، لأنها لم تتخذ الحذر اللازم ولم تأخذ الوقت الكافي للتفكير.

لنحلّل في البداية وباقتضاب هذه الإحالة إلى الحق كممارسة عادت من جديد إلى الواجهة بعد ما كانت موضوعا للشبهة والرفض، لنبرز ما يمكن أن يشكّل داخلها موضوعا للسؤال والتفكير الفلسفيين. فهذه الممارسة أصبحت تشكّل اليوم بالنسبة لليسار السياسي أساسا صلبا لمواجهة الاضطهاد، وشمولية الأنظمة السياسية على أرضية الحق، أو للاعتراض على القوة باسم الحق.

فعلى مستوى العلاقات الدولية، على سبيل المثال، نجد أنّ إدانة التدخل الإمبريالي الأمريكي اليوم في أفغانستان والعراق تتم باسم حق الشعوب في تقرير مصيرها، هذا في الوقت الذي كان فيه نقد الإمبريالية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي لا يتم بالإحالة إلى مبادئ حقوقية، بقدر ما كان يصدر عن رؤية تستشرف المستقبل من خلال منظور غائي يبشّر بقدوم الاشتراكية.

إنّ الاحتجاج على القوة باسم الحق حاضر كذلك على مستوى العلاقات بين الأفراد أو بين المجتمع والدولة، وذلك من خلال نشاط الجمعيات الحقوقية المختلفة.

إنّ أهمية هذا التحوّل الذي طرأ على المشهد السياسي المعاصر، يمكن قياسه بسهولة بالمقارنة مع ما كان يهيمن في العقود السابقة على صعيد الممارسة التحررية والحركة المطلبية. لقد كانت الإحالة هنا تتم باسم موقف ماركسي ينتقد الحق باعتباره مجرّد وهم موجّه لتكريس واقع الاستغلال والتستر عليه.

إنّ التغيير الذي طرأ على المشهد الثقافي والسياسي المعاصرين، بالانتقال من السعي لتجاوز القانون وإقامة مجتمع لا طبقي، إلى إعادة الاعتبار للقانون وإلى الحق كقيمة عليا، هو إذن تغيير نوعي هام. ويمكن الإقرار بهذا التحوّل إذا ما أمعنا النظر في فكرة الحق، وفي التمثّل الذي تكوّنه حوله وتحمله معها هذه الدعوات إلى القيم الحقوقية. إذ لا يتعلّق الأمر هنا بالدعوة إلى مجرد تطبيق الحقوق التي يتضمّنها الدستور، حتى وإن كان هذا المطلب يشكّل الخطوة الأولى في إطار نقد داخلي لقوانين الدولة، وإنّما هو في عمقه واستراتيجيته دعوة لمشروع تحرّري يتم باسم حقوق الإنسان.

إذا كانت هذه الدعوات تأخذ شكل دعوة إلى حقوق الإنسان، فمن المؤكّد أن ذلك مفهوم لأنّ الشمولية أو التوتالتارية التي صارت بمثابة الظاهرة السياسية الخاصة بالقرن العشرين، تتحدّد من حيث هي نفي كلّي لحقوق الإنسان. غير أنه مع ذلك تنطوي هذه الدعوة على تناقض، بحيث لا يمكن لمن يفكّر اليوم في موضوع حقوق الإنسان أن يتخلّى عن كلّ ما تضمّنه النقد الماركسي للحق، وخاصة تشديده على ضرورة التسلّح بموقف الحذر إزاء الحق القائم، أي الحق الذي تحدّده القوانين الوضعية، والذي تبقى علاقته المتواطئة مع جهاز الدولة واضحة، تمنع من اتخاذه وبصفة دائمة قيمة مرجعية للدفاع عن الفرد أو المجتمع أو الشعب ضدّ هذه الدولة. فحتى يتسنى للحق أن يشتغل فعليا كقيمة مشتركة بين مختلف تنظيمات المجتمع المدني، أو بين مختلف المجتمعات، ولكي يكون بمثابة مرجع مشترك للحوار والنقاش وللتواصل، يجب أن يظهر في بعده الشمولي وكشكل من أشكال الكونية، فيما وراء المصالح السياسية والإيديولوجية الخاصة بهذا التنظيم أو ذاك، بهذا المجتمع أو ذاك. بمعنى يجب على الحق أن يظهر كمعيار مرجعي شمولي.

وحينما نتأمّل الحق القائم، أي الحقوق المعترف بها قانونيا نلاحظ أنه وعلى المستوى العملي لا يمكن أن يدّعي هذه الكونية، لأنّه على الأقل يتعارض مع حق الأقلّيات المضطهدة، والتي تضطر إلى إدانته للاعتراف بها. لكن يجب أن نشير إلى أن نقد هذه القوانين الظالمة يتم دوما وبصفة ضمنية باسم مبادئ أخرى للحق، والذي يعبّر عن نفسه في تقليد الحق الطبيعي ، الذي عثر على تتويجه التاريخي في إعلانات حقوق الإنسان، أي الحقوق الطبيعية للإنسان بما هو إنسان.

يجب أن نسجّل أوّلا، أنّ تلك الحقوق صادرة عن إعلانات وليس مؤسسات. وهي ليست مبتكرة من قبل دولة من الدول، بل هي في الأصل تصورات فلسفية تمّ تكريسها والمصادقة عليها لاحقا من قبل الدولة في مرسوم تنحصر مهمّته في إظهار حقوق معترف بها كحقوق كانت موجودة على الدوام. فهذه الحقوق إذن تستمدّ قيمتها في كونها تظهر مسبقا كحقوق خارج الدولة ومفروضة عليها من فوق. لهذا الاعتبار التاريخي الذي يوجد في أصل نشأة حقوق الإنسان، تفهم اليوم العودة إلى الحق وتفعيل المطالب الحقوقية باعتبارها دفاع عن الفرد والمجتمع المدني ضدّ الدولة وأجهزتها ومؤسساتها.

غير أنّ هذه الحركة التي تعمل على تنشيط الإحالة إلى حقوق الإنسان هي حركة متناقضة، وذلك من جهة، لأنّ حقوق الإنسان كانت قد اختزلت من قبل التحليل الماركسي مند صدور كتاب المسألة اليهودية إلى حقوق الإنسان الأناني المعزول عن الجماعة، وإلى حقوق تعبّر عن المصالح الخاصة بالمجتمع البورجوازي، ممّا يجعلها بحكم طابعها التاريخي–الطبقي ليست لا كونية ولا شمولية. ومن جهة أخرى، فإنّ تنصيب الإنسان كقيمة عليا وكمصدر للتقويم ولكلّ القيم من شأنه أن يكرّس تصوّرا ميتافيزيقيا للإنسان يجعل منه كائنا ذو ماهية وذو طبيعة ثابتة. وهذا يجعل الإحالة إلى حقوق الإنسان تنتمي بطريقة مباشرة إلى النزعة الإنسانية وهي أحد مخلّفات ميتافيزيقا الذاتية، بل هي مظهر إيديولوجي أساسي للمركزية الغربية، إذ باسمها تم تبرير استعمار الشعوب، وفرض الهيمنة على مقدراتها الاقتصادية، وباسمها اليوم، يتم تبرير التدخل في شؤون بعض الدول.

إنّ الإشكال الذي يطرح ذاته- ونحن بصدد تحديد الشروط النظرية لإمكان التفكير الفلسفي في موضوع حقوق الإنسان، ومن خلال ذلك تبيان في أي شروط يمكن للعمل الحقوقي أن يكون ذا مصداقية وفاعلية- هو كيف يمكن لخطاب حقوق الإنسان أن يتحرّر من التصور الماهوي للإنسان الذي يوجد في أصل إعلان حقوق الإنسان سنة 1792؛ ومن التصوّر التاريخاني للحقوق الذي يوجد في أساس فلسفات التاريخ الهيجلية والماركسية على حدّ سواء؛ وفي الوقت نفسه كيف يستطيع هذا الخطاب، أن يحافظ على البعد الكوني للحق، وعلى موقف الحذر من الحق الوضعي الذي يوجد في أساس النقد الماركسي للحق؟

إنّ توضيح هذه المفارقة يتطلّب منّا من جهة، أن نحرص على تحقيق نوع من التلاؤم بين خطاب حقوق الإنسان، وبين أبرز مكوّنات وخصائص الفكر المعاصر، والمتمثّلة أساسا في مناهضة النزعتين التاريخانية والإنسانوية.

إنّ التأصيل النظري الفلسفي لخطاب حقوق الإنسان يقتضي اليوم وضع موضع تساؤل ونقد جذريين، كلاّ من النزعة التاريخانية، والنزعة الإنسانوية، وذلك لل

المزيد


مشهد الفلسفة المعاصرة: الفلسفة الفرنسية كنموذج

أغسطس 19th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والمجتمع

 الفلسفة الفرنسية كنموذج: 
           
سنبدأ حديثنا عن المشهد الفلسفي الفرنسي المعاصر من خلال إثارة المفارقة التالية: إنّ "المسألة التي تبدو أكثر كونية وشمولية، هي في الوقت ذاته الأكثر خصوصية  وفرادة". إنّ هذا يشبه ما يطلق عليه هيجل "الكلّي الملموس". و يبدو أن تاريخ الفلسفة يجلي هذه المفارقة على نحو بيّن: فكلّ فلسفة هي من جهة كلّية وشمولية حيث تتوجّه إلى الجميع بدون استثناء؛ ولكن ومن جهة أخرى، في كلّ فلسفة يوجد الكثير من الخصوصيات الثقافية والقومية والتاريخية. هناك إذن لحظات للفلسفة في الزمان والمكان. فالفلسفة إذن هي من جهة نزوع شمولي للعقل، وهي في الوقت ذاته لا تتجلّى إلاّ عبر لحظات هي في مجملها خاصة وفريدة وأصيلة.
 يقدّم لنا باديو في محاضرة قيّمة[i]، مثالين أو لحظتين فلسفيتين بارزتين: لحظة الفلسفة الإغريقية ولحظة الفلسفة المثالية الألمانية. فالأولى التي تقع ما بين القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد والتي تمتدّ من بارمنيد إلى أرسطو، ثمثّل ما يمكن اعتباره لحظة التأسيس والإبداع الفلسفيين وهي لحظة استثناء قصيرة العمر في الزمان نسبيا.
 والمثال الثاني هو الذي تجسّده لحظة الفلسفة المثالية في ألمانيا ما بين القرنين – نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر- وهي التي تمتدّ من كانط إلى هيجل، ومن فيخته إلى شيلنغ. فهذه أيضا تمثّل لحظة فلسفية استثنائية كثيفة وخلاّقة، وتمثّل أيضا فترة قصيرة جدّا من الناحية الزمنية.
على غرار هاتين اللحظتين يمكن أن نتحدّث عن لحظة فلسفية فرنسية تتموضع ما بين النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين. يمكن مقارنتها مع اللحظات الفلسفية الآنفة الذكر.
لنأخد كمثال على هذه اللحظة، مؤلف "الوجود والعدم"- وهو المؤلف الأساسي لسارتر الذي ظهر سنة 1943، وآخر كتاب لدولوز "ما هي الفلسفة؟" الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن العشرين. ما بين سنة 1943 ونهاية القرن العشرين، تبلورت لحظة الفلسفة الفرنسية. ومابين سارتر ودولوز، يمكن أن نتحدّث عن باشلار، وميرلوبونتي، ولفي ستراوس، وألتوسير ، وفوكو، ودريدا، ولاكان.. مجموع هذه الكتابات التي تتموضع ما بين المؤلف الأساسي لسارتر وآخر مؤلفات دولوز، هي التي تشكّل ما اعتبرناه يمثّل لحظة الفلسفة الفرنسية المعاصرة. إنها تمثل بحقّ لحظة فلسفية جديدة، لا تخلو من أصالة وفرادة وخصوصية وإبداع، وفي الوقت ذاته تتسم بطابع الكونية والشمولية.
والمشكل الذي يواجهنا هنا يتمثّل في كيفية التعرّف على هذه الكلّية، وتحديد سمات وتقاطعات واختلافات هذا المجموع المتعدّد والمتنوّع من النماذج والمؤلفات والاهتمامات؟
لنبدأ - مقتفين في ذلك أهمّ خطوات محاضرة باديو المشار إليها آنفا- بطرح الأسئلة التالية: ما الذي طرأ على مستوى المشهد الفلسفي ما بين سنة 1940 ونهاية القرن 20؟ ما الذي تعنيه نعوت مثل الوجودية، البنيوية، التفكيكية؟ هل يمكن أن نتحدّث عن وحدة فكرية وتاريخية لهذه اللحظة؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما طبيعة تلك الوحدة ؟
يجيب باديو عن هذه الأسئلة انطلاقا من أربع كيفيات مختلفة يصيغها في أربعة أسئلة: السؤال الأول يتعلق بالأصل، والثاني يتعلق بالإجراءات، والثالث يتعلق بعلاقة الفلسفة بالأدب، والرابع يتعلق بعلاقة الفلسفة بالتحليل النفسي.
 
3-1- مسألة الأصل:
 للتفكير في أصل هذه اللحظة الفلسفية الفرنسية المعاصرة يجب الصعود إلى بداية القرن20 حيث حدث انقسام أساسي داخل الفلسفة الفرنسية، كان نتيجته تشكّل تياران مختلفان بشكل جذري. ومن بين معالم هذا الانقسام نجد المحاضرتين المشهورتين اللتان ألقاهما برغسون سنة 1911 في أكسفورد، وتم نشرهما في "مقتطفات برغسون" تحت عنوان "الفكر والحركة". وفي نفس التاريخ وبالضبط سنة 1912 ظهر كتاب برنشفيك الذي يحمل عنوان "مراحل الفلسفة الرياضية". هذان التدخلان قد تمّا قبل حرب 1914، أي بداية الحرب العالمية الأولى. وهما يشيران إلى وجود توجّهين مختلفين بشكل حاد. ففي حالة برغسون نكون أمام ما يمكن أن نطلق عليه "الفلسفة الجوانية"، أو "الباطنية الحيوية" Philosophie de l’intériorité vitale. يتعلّق الأمر بأطروحة التماهي والتطابق بين الوجود والتغير، بين فلسفة الحياة والصيرورة. إنّ هذا التوجّه سيحافظ على استمراريته طوال القرن 20، وسنجد له حضورا حتى في فكر دولوز.
 في كتاب برنشفيك نكتشف "فلسفة للمفهوم" ذات مرتكز رياضي. يتعلق الأمر هنا بإمكانية بناء صوري للفلسفة وبفلسفة للرّمزي. وهذا التوجّه بدوره استمرّ طوال القرن وخاصة مع كل من لفي ستراوس، وألتوسير، ولاكان.
 كخلاصة أولى إذن، عرفت بداية القرن 20 أوّل انقسام في الفلسفة الفرنسية المعاصرة: فمن جهة هناك "فلسفة الحياة"، ومن جهة أخرى هناك "فلسفة المفهوم". وهذا المشكل، أعني مشكل الحياة والمفهوم سيصبح هو المسألة المركزية للفلسفة الفرنسية حتى اليوم. فبموازاة النقاش الدائر حول الحياة والمفهوم، هناك نقاش حول "الذات". ويمكن اعتباره بمثابة النقاش المنظّم للمرحلة بكاملها. لماذا؟ لأنّ الذات الإنسانية هي جسد حي ومبدع للمفاهيم في الوقت نفسه. فالذات إذن هي القاسم المشترك بين التوجّهين، حيث يتمّ مساءلتها من حيث حياتها: حياتها الذاتية، حياتها البهيمية، حياتها العضوية هذا من جهة. ومن جهة أخرى يتمّ مساءلتها من حيث فكرها ومفاهيمها وتصوّراتها، ومن حيث قدرتها الإبداعية، وقدرتها التجريدية. فالعلاقة بين الجسد والفكرة، بين الحياة والمفهوم، هي النّاظم لصيرورة الفلسفة الفرنسية. وهذا الصراع الفكري حاضر مند بداية القرن مع برغسون وبرنشفيك. وإذا جاز لنا أن نستعير من كانط تعريفه للفلسفة كحقل لنزاع تدور رحاه بين الفلاسفة، فيمكن القول بأنّ المعركة المركزية للفلسفة في النصف الثاني من القرن 20 ستكون معركة تدور حول "مسألة الذات". ومن أهمّ معالمها يمكن أن نذكر ما يلي:
-       فألتوسير يعرّف التاريخ كصيرورة بدون ذات، كما يعتبر "الذات" مقولة إيديولوجية.
-       كما أنّ دريدا في تأويله لهايدغر، يعتبر "الذات" المقولة الأساسية للميتافيزيقا.
-       أما لاكان فهو– لكي يترك جانبا مركزية الذات لدى سارتر وميرلوبونتي- يبتكر مفهوما أصيلا عن الذات.
هكذا فالكيفية الأولى لتحديد "اللحظة" الفلسفية الفرنسية هي تحديدها باعتبارها معركة تدور رحاها حول مفهوم "الذات"، لأنّ السؤال الأساسي فيها هو العلاقة بين المفهوم والحياة، إنّه في آخر المطاف سؤال حول مصير الذات.
ونستشف من هذا الاستنتاج بأنّ الإشكال المعاصر يحمل أثر الديكارتية، وبأنّ الفلسفة الفرنسية للنصف الثاني من القرن 20 هي عبارة عن نقاش ممتدّ وموسّع حول ديكارت. بما أنّ هذا الأخير هو المؤسّس للذاتية في الفلسفة والمبتكر لمقولة الذات. بل أكثر من ذلك يمكن إرجاع انقسام الفلسفة الفرنسية والصعود بجذوره إلى الطابع المتناقض للإرث الديكارتي نفسه: فديكارت هو في الوقت نفسه صاحب نظرية الجسد الفيزيائي، الجسد/الحيوان/الآلة، ومنظّر للرّوح والتأمّل الخالص. إنّه يهتم بمعنى من المعاني ب"فيزياء الأشياء"، وب"ميتافيزيقا الذات". وهذا ما يجعلنا نعتبر بأنّ الفلسفة المعاصرة هي بشكل من الأشكال قراءة نقدية مستمرّة للإرث الديكارتي. بل إنّ لاكان لا يني يعلن بأنّه لا يفعل سوى العودة إلى ديكارت. ويوجد لدى سارتر مقال هام حول مفهوم الحرية لدى ديكارت. كما نجد لدى دولوز- أسوة بنيتشه- نوعا من "التوجّه" المناهض لديكارت. وهذا يدلّ على أنّ هذه المعركة الفلسفية هي في آخر المطاف معركة حول دلالة الديكارتية.
هكذا فالأصول تقدّم لنا تعريفا أوّليا لهذه اللحظة الفلسفية بما هي "معركة مفهومية" متمحورة حول سؤال الذات.
 
3-2- مسألة الإجراءات:
    في المرحلة الثانية سنحاول فيها تحديد إجراءات فكرية مشتركة لدى الفلاسفة المعاصرين. فهناك أربع إجراءات تحدّد الكيفية التي تمارس بها الفلسفة وهي إجراءات منهجية:
الإجراء الأوّل هو إجراء ألماني، أو بشكل أدقّ هو إجراء فرنسي حول الفلاسفة الألمان. فكلّ الفلسفة الفرنسية للنصف الثاني من القرن 20 هي مناقشة للإرث الألماني. وهناك لحظات جدّ هامة في هذا النقاش: نذكر، على سبيل المثال، مناظرة كوجيف حول هيجل في الثلاثينات والتي تتبّعها لاكان، وأثّرت بقوة على لفي-ستراوس.
 بعد ذلك هناك اكتشاف للفينومنولوجيا من قبل فلاسفة الثلاثينيات والأربعينيات، وذلك عبر قراءة هوسرل وهايدغر. فسارتر على سبيل المثال قد غيّر منظوره أثناء قراءته لنصوص كل من هوسرل وهايدغر- خلال إقامته في برلين. أمّا دريدا فهو قبل كلّ شيء قارئ ومؤوّل أصيل للفكر الألماني. ثمّ هناك نيتشه، الفيلسوف الأساسي بالنسبة لفوكو ودولوز.
يمكن القول إذن بأنّ الفرنسيين أخذوا يبحثون عند الألمان: عند كانط، هيجل، نيتشه، هوسرل، وهايدغر، عن شيء ما كانت تفتقر إليه فلسفتهم. ما هو هذا الشيء؟ إنّه بعبارة مركّزة: البحث عن علاقة جديدة بين المفهوم والوجود. ولقد اتخذ هذا البحث عدة نعوت وأوصاف: كالتفكيكية، الوجودية، الجنيالوجيا، الهيرمينوطيقا.. ولكن عبر جميع هذه الأسماء هناك رغبة وبحث مشتركين يتمثّلان في السعي إلى تحويل وتغيير وزحزحة العلاقة بين المفهوم والوجود، بين المعرفة والحياة. فكما أنّ سؤال الفلسفة الفرنسية منذ بداية القرن قد كان هو سؤال المفهوم والحياة، فإنّ هذا التحول في الفكر، في علاقة الفكر بتربته الحية قد شغل اهتمام الفلسفة الفرنسية. إنّه الإجراء الألماني: أي العثور في الفلسفة الألمانية عن أدوات وآليات جديدة لمقاربة ومعالجة العلاقة بين المفهوم والوجود. إذن فالإجراء الأوّل هو إجراء التملّك الفرنسي للفلسفة الألمانية. وبموجب هذا التملّك صارت الفلسفة الألمانية- في ترجمتها الفرنسية، وفي حقل معركة الفلسفة الفرنسية- شيئا جديدا.
الإجراء الثاني الذي لا يقلّ أهمية عن الأوّل يتعلّق بالعلم. لقد أراد الفلاسفة الفرنسيون في النصف الثاني من القرن 20 أن ينتزعوا العلم من حقل فلسفة المعرفة، بإظهار بأنّ العلم  نشاط مبدع ومنتج وليس مجرّد تأمّل

المزيد


مشهد الفلسفة المعاصرة: بين انزياح الصورة وسيرورة المفهوم

أغسطس 19th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والمجتمع

 
 
 
1- بين انزياح الصورة وسيرورة المفهوم:
 
"كل فلسفة تخفي فلسفة أخرى، وكلّ رأي هو مخبأ، وكلّ كلام ليس سوى قناع"                     نيتشه
" ليس هناك واقع فيما وراء الواقع الموجود، ليس هناك عمق يضيء، والظاهر بالنسبة لي ليس نقيض الوجود، ليس قناعا، بل إنّه الحياة وهي تسخر من نفسها لكي تجعلني أعتقد أو أشعر بأنّها مجرّد مظهر". نيتشه.
 
 تقديم:    
      يروم هذا المقال اتخاذ من الفلسفة المعاصرة فضاء لتشخيص أوّلي لما نعتبره يمثّل الوجه الإنتشائي للجسد الفلسفي المعاصر بما هو مسرح مشهده الأساسي لعبة قوى تتشابه في اختلافها وتختلف في تشابهها. قوى ما فتئت تستعير أقنعة ليس لحجب الرؤية وإخفاء الحقيقة، أولتوليد الاستيهام وإثارة الرغبة، وإنّما هي أقنعة موجّهة ضدّ الأقنعة وتستعمل لإبطال مفعولها. إنها أقنعة "حاجبة" للأقنعة، أو إنها " قناع القناع". سأستعير من نيتشه عبارة "ظاهر الظاهر"[1] لتأويل استعارة "قناع القناع" وتفكيك صورتها. بواسطة "ظاهر الظاهر" يتم إبطال مفعول القوى الهمجية للطبيعة وذلك بتوسط عالم "آلهة الأولمب"[2]. فأبولون سيستعمل كوسيط لإظهار ديونيزوس، إنه سيمنح لديونيزوس المظهر والكلام، أي الصورة والخطاب[3].
لا يمكن فهم عبارة نيتشه تلك إلاّ على ضوء مقارنتها بالعبارة الأفلاطونية. فهذه الأخيرة تقسّم الشيء إلى ظاهر ووجود، أو إلى سطح وعمق. فظاهر الشيء هو سطحه، وعمق الشيء هو وجوده أو ماهيته. وهكذا فالشيء له وجودان: وجود كنهي ووجود مزيف، والوجود الكنهي للشيء هو وجوده الحقيقي الشفاف، بينما الوجود الظاهر للشيء هو وجوده غير الحقيقي، أي هو وجوده المقنّع. وعليه فالظاهر ليس هو الوجود الأصلي للشيء، وإنما هو وجوده الشبيهي، ولذلك فهو إن كان نسخة للوجود الحق، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى النسخة الأيقونة بل هي مجرّد سيمولاكر، أي نسخة "خائنة". وعليه فالأفلاطونية ليست هي إقامة تقابل بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، بل هي التمييز والمفاضلة بين النسخ الأيقونة والنسخ الخائنة، بين الأيقونات والسيمولاكرات. الظاهر إذن هو قناع يحجب الماهية ويموّه الحقيقة.
 قلب الأفلاطونية لدى نيتشه لا يعني – كما ذهب هايدغر إلى ذلك – إحلال الظاهر محلّ الوجود، وإحلال عالم المحسوسات محلّ عالم المثل، وإنما القلب يستهدف إلغاء العالمين معا عالم المثل والماهيات، وعالم الظاهر والأعراض[4]. إنه ليس حذفا لعالم الحقيقة من أجل الإبقاء على عالم الظواهر والكذب، بل هو القول بأنّ ظاهر الوجود هو الوجود الظاهر، وأنّ السطح هو أعمق وجه في الشيء، وأنّ وراء كل كهف يوجد كهف آخر أعمق منه، وخلف هذا الكهف هناك كهف آخر..[5].فوراء كل ظاهر هناك ظاهر آخر، بحيث يمكن الحديث عن "ظاهر الظاهر"، كما أنّه وراء كلّ قناع يوجد قناع آخر، بحيث يمكن الحديث عن "قناع القناع".
 نحن هنا أمام جغرافية جديدة للفكر، فضاؤها ليس كهوف الفلسفة ماقبل السقراطية، وليس سماء المثل الأفلاطونية، وإنما هو سطح المحايثة والحدث، أو لنقل بلغة دولوز إنه "الواقع الافتراضي". ف"ظاهر الظاهر" إذن هو أعمق بعد في الشيء، إذ هو السر الفاضح لكل سر، أو السر الذي لا يبقى معه سر، أو السر الذي ليس بسر. "ظاهر الظاهر" النيتشوي ليس هو ظاهر الميتافيزيقا، وإنما هو "عمقها" بعد أن أخضع لزحزحة بموجبها تمّ انتشاله من أرضيته، ومعاودة إسكانه فضاء السطح. يتعلق الأمر بالانفصال عن الميتافيزيقا عبر الاتصال بها، ومجاوزتها عبر إعادة تملّكها، وذلك من خلال انتشالها من أرضيتها الأنطو-ثيولوجية وإعادة إسكانها أرضية الجنيالوجيا[6].
 إذا افترضنا الآن بأنّ الميتافيزيقا- ليس فحسب لدى نيتشه وإنما أيضا لدى هايدغر- هي بمثابة "قناع". وهي تشكّل قناعا لأنها تخفي آليات اشتغالها، وتحجب شروط انبثاقها. فمن بين الآليات التي توظفها الميتافيزيقا في إنتاج المعاني التي تشتغل داخلها كحقائق وماهيات، نجد اللغة. غير أنّ الخطاب الميتافيزيقي لا يكون خطابا ممكنا، أي خطابا يقول الحقيقة إلا إذا أخفى الطابع البلاغي والشعري للغته، أي إلاّ إذا ألغى الطابع الكثيف للعلامة، وكرّس التصور الأداتي للغة عبر إقامة تطابق بين الدال والمدلول[7]. كما أنّ شرط انبثاق الميتافيزيقا ونشأتها بما هي خطاب "ماهية" الوجود والحقيقة، هو إخفاء أصوله اللاهوتية والأخلاقية، أي ما يطلق عليه هايدغر بالبنية الأنطو-ثيولوجيا للميتافيزيقا[8]، أو ما يسمّيه نيتشه بالأرضية الأخلاقية للميتافيزيقا[9].
إن القيام بجنيالوجيا للميتافيزيقا أو بتقويضها يقتضي إماطة اللثام عن "قناع" الميتافيزيقا وفضح الأوهام التي تقوم عليها مثل وهم الحقيقة، والعقل، والماهية، إلخ. وبما أنّ "عالم الحقيقة" هو "مجرّد خرافة"[10]، وبما أنّ "الماهية" مجرّد وهم، فإنّ قناع الميتافيزيقا هو القناع الذي تستعمله الميتافيزيقا من أجل حجب حقيقتها بما هي خطاب يتوهّم أنه حقيقة، أي بما هي خطاب "وهم" حقيقة.
 لكن العمل الجنيالوجي لا يهدف إلى إزالة القناع لإثبات البعد الوهمي للحقيقة، وإنما بالأحرى لإثبات البعد الحقيقي للوهم. ولا يمكن إثبات "حقيقة" الوهم و"واقعية" الكذب إلا بحجب وهم الحقيقة ولا واقعية الكذب، أي إلا عبر التأكيد على أنّ القيام بجنيالوجيا للميتافيزيقا، يقتضي ليس إزالة القناع عن الميتافيزيقا وإنما مضاعفته، أي يقتضي القيام بحجب قناع الميتافيزيقا، أي ب"حجب الحجاب"، وب"قناع القناع".
 
1-    سيرورة المفهوم:
إنّ الفيلسوف اليوم يختلف بشكل جذري عن فيلسوف الأمس، فيلسوفالحقبتين معا القديمة والحديثة. فلا يستطيع اليوم الفيلسوف أن يكتب مؤلفا فلسفيا على غرار "جمهورية" أفلاطون، أو "تأمّلات" ديكارت، أو "فينومنولوجيا" هيجل. يمكن أن نترجم هذه الظاهرة باعتبارها أفولا للمحكيات الكبرى الغربية[11]. لا يجب أن يفهم هذا بأنّ الفيلسوف اليوم هو أقلّ ذكاء من فيلسوف الأمس وأسلافه السابقين. غير أنّ القول باستنفاذ المشاريع الكبرى ذاتها غير كاف لوحده لتفسير هذه الظاهرة، إذ يتعلق الأمر بخلخلة كبيرة هزّت أعماق الروح الفلسفية، حيث مسّت صورتها ودلالتها ووظيفتها.
 أعتقد بأنّ الفلسفة والعمل الفكري بصفة عامة قد تغيّرت صورته ووضعيته منذ نهاية القرن التاسع عشر. فالفلسفة الحديثة من ديكارت إلى ماركس قد عرفت مؤلفين كبار أبدعوا أنساقا فكرية كبرى تفسح المجال داخلها لمجالات واسعة للإيتيقا والاستيطيقا وفلسفة العلم والفلسفة السياسية، إذ هي كانت تأخذ في حسابها جميع أوجه النشاط الإنساني، أي ما نصطلح عليه بالفلسفة النظرية والعملية، حيث كانت تسعى إلى منافسة الدين في نقطة أساسية دقيقة وجوهرية تتعلّق بالأسئلة الكبرى النهائية، وخاصة تلك المتمحورة حول معنى الوجود. فحتى ماركس نفسه عمل على بلورة رؤية شمولية للعالم، رؤية تتعايش داخلها مختلف أوجه النشاط الفكري والثقافي للإنسان. كما أنّه سعى إلى تقديم حلّ نهائي لإشكالية معنى الوجود، بتوكيده على أنّ الخلاص على الأرض أصبح ممكنا مع قدوم المجتمع الخالي من الطبقات.
 إنّنا نعثر على هذه الظاهرة، أي على هذا "النزوع الشمولي" و"البحث عن الخلاص"، وإن بدرجات متنوّعة ومتفاوتة في كل الفلسفة الحديثة وخاصة لدى الفلسفة المثالية الألمانية.
 لكن ما نلاحظه اليوم هو غياب مثل هذا الادّعاء الشمولي لدى الفلاسفة، حيث نلاحظ منذ نيتشه حتى فلاسفة الستينات في فرنسا، أنّ الفلسفة أصبحت تفكيكا للمثالية الألمانية بصفة عامة، ولفلسفة الذاتية كما أسسها ديكارت وبلورها كل من ليبنتز وهيجل، وصولا إلى ماركس وهوسرل. يتعلّق الأمر بوضع موضع تساؤل جذري الطابع اللاهوتي والقيمي والطوباوي للأنساق الكبرى، وإماطة اللثام عما يمكن تسميته ب"الأوهام الميتافيزيقية". لقد صار عمل الفيلسوف كما يقول نيتشه "عملا جينيالوجيا" يروم إزالة الأقنعة عن أصول الأوهام المشكّلة للفلسفة الحديثة: كوهم العقلانية، والوحدة، والحرية، والمساواة، ووهم التطابق، والحقيقة، والجوهر، والذات، إلخ.
إنّ ما نشاهده لدى هؤلاء جميعا هو اختفاء نهائي لفكرة بناء الأنساق، واتسام فلسفتهم بطابع النسبية التاريخية، تلك النسبية التي تتمثّل في محاولة تفكيك طروحات الماضي وخلخلة مفهوم الحقيقة، ومفهوم الزمن، والكائن والكينونة.
يمكن أن نزعم اليوم بأنّ مهام التفكيك قد تحقّقت في الغرب على نطاق واسع. ويمكن توسيع العمل الجينيالوجي ليشمل تاريخ الأفكار والمؤسسات الحديثة كما فعل نيتشه ومن بعده فوكو. كما يمكن نقل التقويض الهايدغري للميتافيزيقا الحديثة إلى مجالات أخرى، كالمجال السياسي على غرار ما فعلته حناح آرندت بنقدها للتوتاليتارية[12].
وبصفة عامة يمكن القول بأن للفلسفة المعاصرة اليوم دورين تقوم بهما:
الدور الأوّل نظري يتمثّل في محاولة فهم ما يحد

المزيد


الفلسفة السياسية المعاصرة: تصور ميشيل فوكو

أغسطس 13th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والمجتمع

 
 
1 – رفض اختزال السلطة في الدولة وأجهزتها:
تصور فوكو للسلطة يتموضع على أنقاض نظريات التعاقد والسيادة والحق، وكذلك التصور الماركسي للسلطة. إذ لا ينبغي النظر إليها كملكية في يد جهاز، أو طبقة، أو فئة، أو فرد. لأنّ السلطة هي نتاج لاستراتيجيات الصراع الدائر بين القوى المشكّلة للمجتمع، وهي ليست متمركزة، ولا تصدر من مكان محدّد وخاص بها، إذ هي تمثّل مختلف علاقات القوة. لذلك فهي بقدر ماهي متكوثرة ومتعددة، فهي أيضا متشظية ومنبثّة في كلّ العلاقات الاجتماعية والرّمزية. كما أنها لا تفرض من القمة على القاعدة، وإنما مصدرها العمق والتحت، وهي منتشرة بمختلف نقط النسيج الاجتماعي. يقول فوكو في هذا الصدد: "إن السلطة بما هي علاقات قوة، فهي تنبع من التحت وليس مصدرها الفوق، وهي لا تنطلق من القمة إلى القاعدة، كما أنها لا تختزل إلى ثنائية العلاقة: مهيمن(بكسر الميم) ومهيمن(بفتح الميم) عليه".
إن السلطة هي نتاج لصراع لا يتوقف ولا ينتهي، كما أنها متحرّكة وليست مستقرة، إذ الصراع مستمر ودائم من أجل السلطة وبواسطتها. وامتلاك السلطة تتحكّم فيه شروط كثيرة متغيّرة، واستراتيجيات متقلّبة. لهذا فهي تتحدّد كعلاقات متغيّرة بين قوى.
إنّ السلطة بهذا المعنى لا تنضبط بما هو سياسي، بل تتجاوز باستمرار مجال السياسي وتخومه. وهذا يعني أنّ السلطة غير قابلة للاختزال إلى الدولة – كما ترى الماركسية- لأنّ الدولة ليست وحدها التي تحتكر السلطة، لأنّ هذه الأخيرة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لا مركز لها، كما أنها متشظّية ومبعثرة في كل أنحاء الجسد الاجتماعي. فهي توجد على صعيد الفرد الواحد، والمعرفة، والخطاب، والسلوك، كما توجد على صعيد الأسرة والمدرسة والمستشفى والقيم..إلخ.
إنّ هذا الطابع الميكروفيزيائي للسلطة يثبت تهافت التصورات السياسية التي تختزلها في أجهزة الدولة. إذ السلطة شبكة Un raiseau لا مركز لها، ولا تتجسّد في أي جهاز محدّد حتى ولو كان دلك الجهاز هو الدولة نفسها.
لا يعني هذا الكلام أنّ فوكو يقلّل من شأن سلطة الدولة، وإنّما يسعى أن يبيّن الطابع المنتشر للسلطة غير القابل للاختزال. وما ذلك إلا لأنّ الدولة لا يمكن أن تستنفد كل أشكال علاقات السلطة. ومن جهة أخرى فالدولة لا تستطيع القيام بوظائفها اعتمادا على ذاتها وقدراتها الخاصة، إذ هي في حاجة لخدمات الأسرة، والمدرسة، والشارع، والصورة، والمعلومة، والمعرفة، والرمز، ومختلف أشكال الإنتاج التقني والفنّي.
إذا كان الطابع الميكروفيزيائي للسلطة يشدّد على طابعها المتشظّي، فلأنّ السلطة تخترق كل العلاقات التكتيكية والاستراتيجية للأفراد والجماعات والمؤسسات والخطابات والمواقف والمسلكيات. وهذا الذي يجعلها تتسم بالتعدد والكثرة، وينفي عنها طابع الوحدة.
كما أن ميكروفيزياء السلطة يعني أنها لا تخضع للمراقبة ولا تختزل إلى عمليات التحكّم في الأجهزة والمؤسسات. إنّ السلطة لا تقاس سوى بمفعولاتها. فهناك صراع مستديم وحرب دائمة من أجل امتلاك السلطة، الشيء الذي يجعل علاقات القوة المشكّلة للسلطة عبارة عن علاقات بين قوى غير مستقرّة أقصى ما تستطيعه هو السعي الدؤوب إلى إدامة نفسها إلى حين، وذلك عبر عملية التمأسس l’institutionalisation  واستثمار ذاتها في مؤسسات.
إنّ الطابع الميكروفيزيائي للسلطة يجعل أيضا الصراع حولها غير قابل للحسم بواسطة التواصل والحوار(هابرماس وأوتو آبل)، أو التداول الديمقراطي للسلطة عن طريق التوافق والتعاقد أو الاقتراع(نظريات الحق والتعاقد). وهذا يعني أن السلطة، في ظل المنظور الميكروفيزيائي، هي سلطة فاقدة للمشروعية، طالما أنها ليست نتاجا للتوافق أو التعاقد، وطالما أن آلياتها الأساسية هي الغلبة، والتحكّم، والقوة، والمراقبة، والعقاب. إنّ هذا التصور هو الذي دفع دولوز إلى الربط بين تصور فوكو للسلطة وتصور نيتشه لها. وذلك لاعتبار أساسي يتمثّل في كون أنّ السلطة لديهما معا تتموضع فيما وراء الأخلاق، وخارج المعايير الحقوقية والقانونية التي ينظر إليها باعتبارها أوهاما وأقنعة تحجب الطابع التسلّطي للدولة. إنّ السلطة لا تني توظّف جميع آليات التوهيم والخداع والتضليل، وحينما لا تجدي هذه الآليات يتم اللجوء إلى العنف لإخضاع القوى المعارضة.
تتسم السلطة، في المنظور الفوكوي، بطابع سلبي وإيجابي في الوقت ذاته: فهي تجسّد من جهة طاقة سلبية تنفي كلّ من يعاديها ويعارضها باستخدام إجراءات تطويعية وتقنيات قمعية، ومن جهة أخرى فإنّ هذا القمع والتطويع يمارس بموازاة تشغيل إجراءات أخرى إيجابية كإجراء تحريض الذوات المسلوبة الإرادة على مزيد من الإنتاجية، والمردودية، والنجاعة.
توظّف السلطة عدّة تقنيات كالمراقبة والحراسة والعقاب. لكنّها أيضا تحثّ على الإنتاج، وتوظّف من أجل السيطرة والهيمنة، الجسد ورغباته، والقيم والمعارف. فأشكال مراقبة السلطة تشمل الإنتاج المعرفي والأشكال الثقافية، كما تطال التعبيرات الجسدية.
بيد أنّ السلطة في العصر الحديث لا تكتفي بالتحكّم في حركات الجسد ودوافعه وحوافزه، بل تسعى أيضا إلى التحكّم في حياته ومماته وتوالده وتكاثره. ومن أجل تحقيق ذلك تلجأ إلى استعمال تقنيات جدّ معقّدة بما في ذلك مراقبة السلوك البيولوجي للساكنة.
إنّ استراتيجيات السلطة في تنظيم وتدبير الحياة العضوية للناس يطلق عليها فوكو مصطلح "البيو-سياسي" La bio-politique. إذ ابتداء من القرن17 طوّرت السلطة استراتيجيات جديدة للتحكّم في الحياة العضوية وفي مقدّمتها استراتيجية التعامل مع الجسد باعتباره آلة. فترويض الجسد، وإنماء قدراته، وسلب قواه، ودمجه في نسق الرقابة الاقتصادية والفاعلية الإنتاجية، كلها يتم تكريسها عن طريق المراقبة. إنّها استراتيجية تقوم على ما يطلق عليه فوكو بمصطلح آخر "التشريح السياسي"L’anatomo-politique  للجسد الإنساني.
أمّا الاستراتيجية الثانية فهي مرتبطة بتقنيات الحياة وبخصائص الجسد، وهي تروم جعل الجسد قاعدة لسيرورات بيولوجية، مثل التوالد، والحياة والموت، ومستوى الصحة، ومعدّلات العمر..إلخ.  وهذه الاستراتيجية التي تسعى إلى مراقبة الجسد وترويضه وتطويعه توجد في انفتاح دائم على آخر ما استجدّ من تقدّم على الصعيد العلمي والتقني.
  
2- علاقة المعرفة بالسلطة:
تعتبر المعرفة عنصرا أساسيا في علاقات القوة. فهي مفعول للسلطة وشرط لها في الوقت ذاته، إذ كل من هما يستدعي الآخر ويشترطه. فليست المعرفة والعلم وسائلا محايدة، أو أدوات موضوعية، بل هي شكل من أشكال السلطة، وعناصر أساسية في استراتيجية الصراع حول السلطة. فهناك علاقة وطيدة بين الاختيار المعرفي أو العلمي واستراتيجية السلطة. من هنا النقد الذي يوجّهه فوكو للعلوم الإنسانية، إذ كلّها تساهم بدرجات متفاوتة في وضع استراتيجيات من أجل التلاعب بالعقول وترويض الأجساد. فنظام المعرفة وتشكيلات الخطاب تقوم على إرساء أشكال مختلفة من آليات التسلّط على البشر، مثل علم الاجتماع، والتحليل النفسي، والطبّ العقلي، وعلم النفس، والبيداغوجيا. فكلّ هذه المعارف والخطابات يتمّ تصريفها في ممارسات ومسلكيات، تروم تطويع الأجساد، ومراقبة الحياة، واستعمال المتع والرغبات.
هكذا يرفض فوكو اختزال السلطة في أجهزة الدولة القمعية، كما يرفض اختزالها في المؤسسات الإيديولوجية- كما يذهب إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي الرّاحل لويس ألتوسير.
مما يعني أنّ مفهوم فوكو للسلطة يتجاوز المجال السياسي كما يتجاوز المجال الإيديولوجي. إذ هي ليست جهازا بل علاقة، وهي غير مستقرّة ومتمركزة في مكان محدد، بل توجد مبعثرة في كلّ أنحاء الجسد الاجتماعي، إنّها توجد في كلّ الأمكنة وخصوصا في تلك التي لا يعتقد أنها من الممكن أن توجد بها. إنها كما يقول فوكو، "توجد في كلّ مكان ولا مكان بعينه"، لا مركز لها ولا أطراف لها، تحكم سيطرتها على كلّ شيء، وهي سيرورة بدون ذات، وليست مفعولا لذات فردية أو جماعية أو تاريخية أو رمزية، بل هي مفعول لنسيج من العلاقات والمؤسسات، مثل الأسرة والسجن والعيادة والمدرسة والحزب والمذهب..إلخ.
كما أن تصوّر فوكو للسلطة يقصي كلّ محاولة تروم تأسيسها على أسس مشروعة: كالتوافق أو التراضي، وكالحوار والتواصل. لا شيء باستطاعته الحدّ من استراتيجيات السلطة أو من علاقات القوة. فالسلطة لا يمكن إخماد فتيل نار حربها، ولا يمكن استئصال استراتيجيتها، كما أنّ محاولة مأسستها وتثبيتها، لا يمكن إيقاف جموحها نحو مزيد من التوسّع والانتشار والهيمنة والتسلّط.
3- رفض نظرية الحق والتصور القانوني للسلطة:
إنّ تصور فوكو للسلطة يعلن نهاية الإشكالية الحديثة للسلطة والتي تنتظم حول التقابل الرئيسي: بين المجتمع والحقوق من جهة، وبين الدولة والقانون من جهة أخرى. ويعلن من جهة أخرى بداية لبراديغم جديد للسلطة. فإذا كانت السلطة توجد في كل مكان وتخترق طرفيها المهيمن والمهيمن عليه، وأنّ الشرعية والاضطهاد هما وجهان لعملة واحدة إذ لا يختلفان من حيث الماهية. وإذا كانت الدولة لم تعد اللحظة الحاسمة ولا الدالة في السلطة، فإنّ هذا يقتضي بل ويستدعي بالضرورة إعادة التفكير من جديد في السياسة، وإعادة تعريف للسلطة[1].
كتب دولوز حول أعمال فوكو المتعلّقة بالسلطة قائلا:" إنّ القاسم المشترك بين الجمهوريين وبين المونارشيين في الغرب، يتمثّل في إعلائهما من شأن القانون إلى مرتبة مبدأ السلطة، وذلك من أجل جعل هذه الأخيرة تقدّم نفسها في صورة تمثّل قانوني متجانس". ويضيف دولوز قائلا: "إنّ فوكو لم يساهم بتاتا في تقديس "دولة الحق"، فهو يرى بأنّ التصوّر الذي يستند إلى الشرعية ليس بأفضل من التصوّر القمعي للسلطة. فنحن هنا أمام نفس التصور في الحالتين معا". " إنّ فوكو يبيّن بأنّ القانون لا يمثّل حالة سلم يمكن اعتبارها أفضل من تلك التي تفرضها حرب مربوحة. بل إنّ القانون يمثّل الحرب ذاتها، بل هو بالفعل استراتيجيتها".
إنّ ما قاله دولوز يعبّر عن طبيعة الموقف المعاصر المضاد "للنزعة القانونية"، وهو ذاته كما رأينا موقف كل من نيتشه وفوكو. يتأسس هذا الموقف على رفض للتقابل الذي أقامته الحداثة السياسية ما بين تصور تقليدي للقانون من حيث أنه يمثّل اللحظة الأساسية للحكم، وما بين فكرة "الحرب" الدائمة الملازمة لكلّ تنظيم اجتماعي. بل أكثر من ذلك، إذ يعتبر هذا الموقف - والذي يمكن أن ننعته بموقف مابعد حداثي position postmoderne - القانون باعتباره الشكل الراهن للحرب. ينتهي هذا التصور إلى تفكيك التحديد الكلاسيكي للحق. فلقد سبق لهوبز أن طرح القانون كنهاية للحرب، وكل المفكّرين الحداثيين من بعده سطّروا على هذه المسألة. أي مسألة اعتبار أ

المزيد


الفلسفة السياسية المعاصرة: تصور نيتشه

أغسطس 13th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والمجتمع

 
 النقد الجذري للدولة:
 
كثير من الباحثين يرجعون النزعة المضادة للقانون والنقد الجذري للدولة إلى فلسفة نيتشه بصفة عامة وإلى نص "هكذا تكلم زرادشت" ونص "جينيالوجيا الأخلاق" بصفة خاصة.
وفي الحقيقة فإذا كان التصور النيتشوي للنظام السياسي يتسم بالكثير من التعقيد واللبس. إلا أنّه مع ذلك هناك نقطتان أساسيتان في هذا التصور يمكن أن تساعدنا في تدليل الكثير من الصعوبات: الأولى تتعلّق بتصور نيتشه النقدي للدولة، والثانية تتعلّق باعتباره مفهوم "إرادة القوة" كمبدأ للعلاقات الإجتماعية.
نقد نيتشه للدولة يمكن توضيحه من خلال قولة وردت بنصه المشهور "هكذا تكلم زرادشت" والتي يمكن صياغتها على النحو التالي:"إنّ الدولة هي الشيء الأكثر برودة من كل الوحوش الباردة". لفهم المغزى العميق لهذه القولة يجب قراءة تتمتها في نفس نص "زرادشت" الذي يعلن " إنهم المبدعون الذين شكّلوا الشعوب وثبّتوا فوق رؤوسها اعتقادا وحبّا: وبهذه الكيفية أسدوا خدمة للحياة. ولكن الذين يزرعون الألغام أمام الكثرة الكبيرة ويسمّون عملهم هذا دولة، هم المخرّبون: حيث يضعون فوق رؤوسهم سيفا ومئات من الشهوات"[i].
إنّ الطابع الاستعاري للغة نيتشه في هذه الفقرة لا يجب أن يكون حافزا للقارئ لإصدار الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات المتسرّعة. بل يجب أن تكون مناسبة لإماطة اللثام عن المضمر في ظاهر الكلام. فزوج المفاهيم المستعملة هنا بشكل أساسي هما: الحياة والموت. فالدولة من حيث ماهيتها مميتة وقاتلة، إنها باردة مثل الجثث. إنها تعبير عن انتصار للقوى الارتكاسية ، أي القوى المهيمنة على الغرب والمحرّكة للتاريخ الغربي القديم والحديث. إنّها سمة أساسية للعالم الغربي في مرحلة الانحطاط. بل أفظع من ذلك، إنها، أي الدولة، تبدو كمصادرة "لقوى الحياة" الخلاقة، التي كانت في أصل بزوغ الحياة وميلاد الشعوب التي يجب تمييزها عن الدولة.
هناك تقابل أساسي يترتّب عن هذه التصريحات: فمن جهة، يبدو أنّ نيتشه يشير إلى وجود حركة مبدعة أصلية وأوّلية توجد في أصل نشأة شعب من الشعوب. وهذه الحركة الحاملة للحياة يمكن تقريبها وتشبيهها في فلسفة نيتشه برمز ديونيزوس، الإله المبدع الذي يوجد وراء كل الأشياء، وهو أيضا تعبير عن الحياة القوية الخلاقة التي سيطلق عليها نيتشه لاحقا إرادة القوة، هذا من جهة. ومن جهة ثانية هناك الدولة التي تعبّر عن مبدأ الموت الذي بهدّم ويقلب رأسا على عقب دافع الإبداع أو حافز الخلق. إنها تشبه صورة سقراط المضادة لديونيزوس التي يتحدث عنه

المزيد


الفلسفة السياسية المعاصرة: تصور هيجل السياسي

أغسطس 13th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والمجتمع

 
لا نبالغ إن قلنا بأنّ هيجل كان أحد الفلاسفة الأوائل الذي انتبه إلى ما يشكّله هذا الالتباس في مفهوم الحق من انعكاسات خطيرة على صعيد العلاقة التي يجب أن تسود بين الدولة والمجتمع. من هنا حاول أن يبلور تصوّرا جديدا لما ينبغي أن تكون عليه تلك العلاقة، تصور حاول من خلاله إقامة نوع من التلاحم الجدلي المتوازن بين الدولة والمجتمع المدني، بين السياسة والأخلاق.
لهذا وجدنا بأن تصور هيجل السياسي يقدّم ذاته باعتباره التتويج النهائي لنظرية الدولة، حيث في ثنايا ذلك التصور ستعثر الدولة على "مبرّر وجودها في التاريخ". لكن في الوقت ذاته وبموازاة ذلك، نجد بأنّ التحليل المتضمّن في التصور الهيجلي يسعى إلى تجاوز وجهتي النظر المتعارضتين الآنفتي الذكر في مقاربة علاقة الدولة بالمجتمع. لهذا يجب أن ننظر إلى فلسفة هيجل السياسية باعتبارها محاولة أصيلة وطريفة لتحقيق نوع من المصالحة بينهما، وذلك عبر إجراء نوع من التركيب بين الموقفين المتعارضين، الموقف الذي يستلهم "النموذج الحربي" في بناء نظريته للدولة، والموقف الذي يستلهم "النموذج الاقتصادي" في صياغة تصوره للدولة. الموقف الأول يمثّله أنصار نظرية السيادة، والموقف الثاني يجسّده أنصار نظرية الحق الطبيعي.
1- نقد هيجل لنظرية التعاقد:
ينتقد هيجل بشدة نظرية التعاقد لدى روسو، حيث يحمّلها المسؤولية عن الأخطاء التراجيدية الناجمة عن الثورة الفرنسية والتي كانت لها انعكاسات سلبية وخطيرة على المجتمع الغربي الحديث. لقد كان الغلط الأكثر خطورة هو ذاك الذي يتمثّل في الفكرة التي تروم تأسيس الدولة انطلاقا من الفراغ وابتداء من لاشيء. إنّ فكرة تأسيس الدولة على أساس البداية المطلقة هي فكرة آية في التجريد وتفتقر إلى المحتوى الملموس. لهذا كان تطبيقها على أرض الواقع، كما جسّدت ذلك ثورة 1789 في فرنسا، أفضى إلى ارتكاب الكثير من الفظاعة والعنف، وأشاع الكثير من الرعب والفزع مما أدّى إلى الإساءة إلى مفهوم الثورة والتوجّس من كلّ فعل جديد. إنّ هذا التصور العدمي يتأسس في نظر هيجل على الإفتراض التالي: وهو أنّ الأفراد المتّحدين تحت ظل عقد اجتماعي معين، هم وحدهم القادرين على تأسيس الدولة. لكن الدولة حتى إن كانت تعبّر عن إرادة ما، فلن تكون تلك الإرادة هي الإرادة الفردية، بل لابدّ من إرادة جماعية لتأسيس دولة. وهذا يقتضي إحداث تغيير في تصوّرنا لماهية الدولة. فالدولة ليست هي حاصل تجميع أجزاء مفصولة عن بعضها البعض، بل هي عبارة عن وحدة عضوية يمكن القول بأنها سابقة على الفرد والجماعة وليست لاحقة عليهما كما يتوهّم روسو في نظريته في التعاقد. إن الدولة عبارة عن كلّية تضمن لكل عضو فيها هوية ومكانة داخل المجتمع. وبتعبير آخر، الدولة ليست حاصل تجمّع أفراد، وليست حاصل فعل الأفراد، ولكن هي ما يمنح لهؤلاء شكل وجودهم وماهيتهم.
إنّ الفكرة الأساسية هنا في تصور هيجل، هي أنّ الدولة ليست بناء اصطناعيا ناجما عن عملية توافقية وتعاقدية، ولكنها وحدة عضوية أصيلة وراسخة. وفي الحقيقة فإنّ هيجل يعود بنا هنا إلى فكرة أرسطو التي تعتبر بأنّ المدينة أسمى من الفرد وسابقة عليه. لكن مع ذلك يجب أن نعرف بأنّ هيجل يتحدّث عن الدولة وليس المدينة. وهذا المفهوم يقتضي إقامة تمييز بين المدينة والدولة وهو التمييز الغائب عن التقليد الإغريقي. إنّ الدولة في صيغتها المكتملة هي نتاج لسيرورة ولتاريخ طويل زاخر بالأحداث والمغامرات.
 
2- تصور هيجل للمجتمع المدني:
لقد نشأ المجتمع المدني، حسب هيجل، حينما كفت الأسرة أن تكون غاية للفرد، حيث أصبحت ذاته ومصالحه هي الغاية من وجوده، كما أصبح كل فرد يعامل الآخرين على أنهم وسائل لتحقيق غاياته، وهذا كله كان وراء نشأة فكرة الاعتماد المتبادل بين الأفراد التي توجد في أساس المجتمع المدني. إنّ استقلال الأفراد عن الأسرة ودخولهم في علاقات خارجية بوصفهم ذوات اجتماعية متعددة ومستقلة يؤدي إلى تكوين المجتمع المدني. إنه يمثّل حالة اعتماد الأفراد على بعضهم البعض باعتبارهم شخصيات مستقلة. فعندما كان الفرد عضوا داخل الأسرة كانت غايته هي الأسرة وهي غاية كلّية، إذ هو لا يصارع من أجل نفسه فحسب، لكنه يكافح من أجل الكلّية التي تمثّلها الأسرة. لكنه الآن قد ارتدّ وأصبح ذرة اجتماعية ونظر إلى نفسه على أنها غاية، ولدا فإنّ كلية الأسرة تختفي لتحلّ محلّها الفردية أي الغاية الشخصية الذاتية. بيد أن كلية الأسرة هو العنصر الأخلاقي أو العقلي فيها، ومن ثم يبدو المجتمع المدني وكأنه فقد العنصر العقلي والأخلاقي، إذ كل فرد داخل المجتمع المدني يسعى إلى تحقيق غاياته الخاصة وهذه هي الجزئية واختفاء لحظة الكلية التي كانت متجسّدة في الأسرة.
يتميز المجتمع المدني بالتسيير الذاتي الذي تضبطه مؤسسات. وهو يتسم بالخصائص التالية: الاستقلالية، والحصانة الذاتية، والمساواة، والجمع بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية، والتجريد وتعميم العلاقات، والاستحقاق والمسؤولية.
إنّ الاستقلال الذاتي، يعني أنّ العلاقات بين الناس تتمتع بوجود مستقل بحيث لا تخضع لإرادات الأفراد. وهذه الاستقلالية هي التي تجعل "النسق الاجتماعي" يفرض نفسه على الأفراد ويفرض قواعده على تصرفاتهم. تعني الاستقلالية إذن بأن الوساطة الموجودة بين الأفراد والتي تفرض نفسها عليهم للخروج من القوقعة الفردية باتجاه خلق إطار عام ومشترك للعمل، فتنتقل بهم من الخصوصية الفردية إلى الشمولية المجتمعية، وبالتحام العنصرين معا يتحقق المجتمع المدني بما هو مجتمع للمساواة، أي مجتمع يسود فيه المستوى الواحد الأفقي الذي يكون من أهم نتائجه، إعادة الاعتبار لإنسانية الإنسان ولفرديته كقيمة أخلاقية. تقتضي المساواة إذن إحلال العلاقات الأفقية محلّ العلاقات العمودية، أي إلغاء الامتيازات الطبيعية وتلك التي لها علاقة بالجنس والسلالة والنسب. شرطها الأساسي إذن هو إلغاء عنصر القرابة كمتحكّم في الاقتصاد والسلطة. أي القضاء على عنصر القرابة كأساس لتنظيم المجتمع حيث لا يسمح للعائلة أو للقبيلة لتأهيل أفرادها لامتيازات معيّنة أو لحرمانهم منها.
ما يهم في تأسيس المجتمع المدني هو سيادة العلاقات الأفقية وإحلالها محلّ العلاقات العمودية بغضّ النظر عن مستوى تطور المجتمع. وإيجابية سيادة المستوى الأفقي هو أنه يلغي العنصر الطبيعي، عنصر القرابة.
الخاصية الأخرى للمجتمع المدني هي التجريد، أي تعميم العلاقات وإضفاء عليها طابع العمومية. فما يميز المجتمع المدني عند هيجل هو غياب المقدّس على جميع المستويات، وهو الذي يعني سيادة المستوى الواحد بالنسبة لجميع الأفراد.
كما يتميز المجتمع المدني عند هيجل بخاصية أخرى هي الجمع بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة، بين الإرادة الفردية والإرادة العقلية العامة، دون أن يعني ذلك إلغاء للإرادة الفردية بل تحقيق لها. إنّ هيجل هنا يدافع عن موقف هو على النقيض من الموقف السائد في الفكر السياسي الحديث. فهذا الأخير يقوم على الدعوة إلى الفصل بين السياسة والأخلاق، في حين يطالب هيجل بفرض الأخلاق داخل المجتمع المدني كما تفرض القوانين في مجال الحقوق. مبرّر الجمع بين السياسة والأخلاق، بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة يربطه هيجل من جهة، بالتقدم الذي حققه المجتمع الغربي حيث أصبح الصالح العام(أي مبدأ الخير) مجسّدا على أرض الواقع، لدا لا يمكن الإبقاء على حالة الفصل بين المصلحتين التي كانت سائدة من قبل. ومن جهة ثانية فإنّ الفصل بين الأخلاق والسياسة هو الوجه الآخر للفصل بين العقل والواقع، بين الفكر والوجود، في حين أنهما يشكّلان شيئا واحدا وهو الذي يجسّده لنا مفهوم الإنسان. فالفصل بينهما يعني تكريس التعامل مع الإنسان باعتباره مجموعة من الحاجيات والنزوات والأهواء. وهو الذي يعني اختزال الكائن الإنساني في المستوى الطبيعي الحيواني وفصله عن بعده العقلي الذي يوجد في أساس إنسانيته. فمهما كان مستوى التقدم الذي يمكن تحقيقه في ضبط تلك الحاجيات وإشباعها، فإننا نظل دائما دون المستوى المطلوب- بحكم لانهائية الرغبة وتجدّدها- إن لم نراعي البعد العقلي، بمعنى أننا سنحكم على المجتمع بالتقهقر نحو ماهو لا إنساني، فينقلب ضد أهدافه وضد روحه. بل إنّ هيجل يعتبر بأنّ الربط بين السياسة والأخلاق، هو الكفيل بتحصين المجتمع من النزعة التوسعية الاستعمارية، لأنه بدون ذلك الربط يعني ترك المجتمع يتطور وفق ذاته أي وفق حاجاته ورغباته، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى فيض في الإنتاج فيصبح في حاجة إلى أسواق خارجية وإلى مواد أوّلية.
بالإضافة إلى هذا الربط بين السياسة والأخلاق الذي يحققه المجتمع المدني، فهو أيضا ينتزع التربية من الأسرة ويعطيها طابعا مؤسسيا، بحيث لن تعود وظيفتها هي المراقبة والضبط، بل تصبح مهمّتها هي تنشئة الأطفال تبعا لطموحات المجتمع وأهدافه، وهذا هو البعد العقلي في التربية وفي المجتمع المدني لدا هيجل.
الخاصية الأخرى للمجتمع المدني الهيجلي هي المسؤولية لأنه مجتمع يقوم على الاستحقاق الذي هو أساس التدبير والتسيير. وتعني المسؤولية التمتع بالحقوق والقيام بالواجبات. والتوصل إلى هذا المستوى من التنظيم يعبّر عن تطور فائق في بنياته، إذ لا يقرّ المجتمع المدني بتساوي الأفراد في الفضيلة فحسب، بل وأيضا في الرذيلة(أي في الشر). وبحكم ذلك لا يتوفر الفرد على أي حصانة غير الحصانة التي يقرّها المجتمع. فلا يمكن أن تكون للفرد حصانة طبيعية أو عائلية. ولهذا يجب الاحتياط من الأفراد الذين توكل لهم مهام معينة خاصة. وهذا يعني أن المراقبة داخل المجتمع المدني يجب أن تكون أفقية وليست عمودية كما هو الشأن في المجتمع الذي يتأسس على عنصر القرابة. والطابع الأفقي للمراقبة يجعلها تؤدي بالمجتمع إلى التعاضد والالتحام والديمقراطية.
الخاصية الأخرى للمجتمع المدني عند هيجل هي العلاقة الوطيدة بين مبدأ الفردية ومبدأ الشمولية. فما يميز المجتمعات القديمة مثل اليونان مثلا، هو غياب مبدأ الفردية، حيث الفرد خاضع للقيم الجماعية ويجسّد الكلّ الشمولي. في حين يعتبر هذا المبدأ هو أساس المجتمع الغربي الحديث. لهذا يرى هيجل بأنّ السؤال المتعلّق بالعدالة وبالمدينة الفاضلة سؤال غير ذي موضوع في المجتمع الحديث الذي يسوده مبدأ الفردية. لكن هيجل يعتبر بأن الحرية الفردية في إطار المجتمع المدني لا تصبح طاغية لأنّ هناك ضوابط تجعلها معقولة ومسؤولة ولا تتناقض مع المصلحة العامة. فالفرد يفكّر فيما هو عام، وما هو عام يفكّر في الفرد. بل حتى الدولة ذاتها لا تجرأ على المسّ بهذه الحرية التي هي أساس المجتمع المدني. فهناك علاقة جدلية بين الدولة والمجتمع المدني، فالأولى تمثّل العقل والثانية تمثّل حرية الفرد، والدولة لا يمكن الاستغناء عنها لأنها تسهر على مصالح الأفراد وتحافظ على حرياتهم.  
هذه الخصائص تجلي الطابع الشمولي والمعقد لمفهوم المجتمع المدني عند هيجل. فهذا الأخير يستعمل هذا المفهوم للدلالة على تصور معيّن للدولة، وللنشاط المادي الاقتصادي للمجتمع. وهو يتجلى من خلال


المزيد


الفلسفة السياسية المعاصرة: الإشكال السياسي المعاصر

أغسطس 13th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والمجتمع

مما لاشكّ فيه أن الحياة داخل الجماعة تشترط وجود مبادئ وقواعد لتنظيم تلك الحياة وتدبيرها بالشّكل الذي يمكّن فيه الناس من التعايش في ظلّ شروط تاريخية معطاة. وبطبيعة الحال فإنّ الأشكال التي يمكن أن يكتسيها مثل ذلك التنظيم والتدبير متعدّدة ومتنوّعة في المكان، ومتطوّرة عبر الزمان، وبالتالي فهي تختلف باختلاف درجة تعقّد ذلك التنظيم وفعاليته، وتبعا لاختلاف المجتمعات المعنية.
وإذا كان الغرب الحديث قد استطاع أن يبني، وبكيفية تدرّجية عبر تاريخ حي متحرّك، نموذجا من الحياة المجتمعية السياسية بالرّغم من متغيّراتها، إلاّ أنّها تمكّنت من أن تحافظ على مستوى معين من التجانس والتلاحم النسبيين، ممّا جعلها تختلف جذريا عن جميع أشكال التنظيمات السياسية التي أفرزتها المجتمعات السابقة القديمة أو القروسطية.
صحيح أنّ هذا التطور الذي عرفه التنظيم السياسي في الغرب لم يكن تطوّرا بسيطا، ولم يتم بطريقة سهلة ومريحة، بل لقد عرف لحظات تراجيدية تخلّلتها تراجعات وارتدادات إلى الوراء، وحروب وأزمات حادة[5].
بيد أنّه مند سنة 1989، وهي السنة التي عرفت بداية انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، ظهر إلى الوجود كتاب لمستشار لرئيس الولايات المتحدة أعلن فيه الأطروحة التي استهلكتها وسائل الإعلام وأسالت الكثير من الحبر والتي مؤدّاها"إن الديمقراطية الليبرالية يمكن أن تشكّل النقطة النهائية للتطور الإيديولوجي للبشرية، والشكل النهائي لكل حكم إنساني، وبحكم ذلك فهي تشكّل نهاية التاريخ"[6].
لقد أثارت أطروحة "فوكوياما" سجالا ساخنا وحادا. لكن ما يهمّنا نحن من إثارة هذه المسألة ليس التساؤل عن مدى صلاحيتها المنطقية أو مصداقيتها العلمية- ربّما لأنّ قوّتها لا تتمثّل على مستوى مضمونها وإنّما في كون ظهورها تزامن مع حاجة العالم إلى أوهام جديدة تمدّه بمفاتيح لفهم العصر وتفسير ما يعتمل فيه من أحداث[7]- وإنّما يهمّنا منها بعض مظاهرها التشخيصية الدالة.
أوّلها أنّ النظام السياسي والاجتماعي الغربي المعاصر قد اكتسب درجة من القوة والرسوخ والبعد الاستثنائي، إلى درجة أصبح فيها يشكّل مرجعا يكاد يكون مطلقا على الأقلّ بالنسبة للخطاب السياسي اليومي.
وثانيا فإنّ هذا المجتمع الحديث ليس هو مجتمع "المدينة" الإغريقية، ولا مجتمع "العالم الإقطاعي". فالأوّل إن كان يقوم على المشاركة المباشرة والمساواة بين المواطنين في تدبير شؤون المدينة، إلاّ أنه يقوم أيضا على نظام اجتماعي نخبوي يقصي من نطاق "الحق في المواطنة" نماذج واسعة ومتنوّعة من السكان، مثل العبيد، والنساء، والغرباء..إلخ. أمّا النظام الإقطاعي فلقد قام على نظام اجتماعي تراتبي بامتياز، تنعدم فيه المساواة، وتضيق فيه بشكل كبير حدود المركزية، حيث تسود فيه العلاقات الشخصية، كما أنّه يحتكم في تدبير شؤونه إلى المسلّمات الدينية واللاهوتية، أي إلى مبادئ وقواعد مفارقة للوجود الإنساني.
في حين نجد بأنّ الحياة الاجتماعية الحديثة تنتظم وفقا لمبادئ وقواعد محايثة أساسها ثنائية المجتمع المدني والدولة، حيث الفضاء الأول يغطّي مجال الإنتاج والعلاقات الخاصة بين الأفراد المتمثّلة في الأشكال المختلفة من التبادل الاقتصادي والاجتماعي والرّمزي. فالإنسان الحديث يضطر لكي يعيش أن يندمج في نسيج معقّد من علاقات الشغل، والحياة العائلية، والحياة التعاونية والحرفية. بينما يجسّد الفضاء الثاني الذي هو فضاء الدولة، لحظة تمثيلية موحّدة، معترف بها ومتعاقد عليها، مهمّتها الأساسية التنسيق بين مختلف التدابير الخاصة، وتشريع القواعد وإعلانها، وحماية المصلحة المشتركة والحفاظ عليها.
كما أنّ الاختلاف والتمايز الموجود بين المجتمع المدني والدولة يعتبر اختلافا أساسيا في التنظيم المجتمعي الحديث، إلى درجة يبدو فيها من السهل جدّا إقامة تعارض بينهما: فعلى سبيل المثال نجد في الخطاب السياسي المعاصر أنّ البعض لا يتوقّف من انتقاد الدولة وكشف مثالبها وإدانة آلياتها في التضليل والمخاتلة والكذب، وتحميلها المسؤولية في كبح جماح الحرية الفردية وإعاقتها لتبلور المجتمع المدني: كأن يتم مثلا اتهام الدولة بمناهضتها لسياسة الشغل من خلال مضاعفتها للإكراهات القانونية والقيود التشريعية. غير أنه توجد هناك انتقادات أخرى هي أشبه بالمؤاخذات على تقصير الدولة وتنازلها عن سلطتها: إذ تطالب الدولة بمزيد من الحضور والفاعلية، وبتكثيف تدخلاتها في مجالات التربية والتعليم والضمان والتعويضات..إلخ[8].
لكن ما يهمّنا نحن من هذا التشخيص، هو تلك العلاقة الإشكالية التي توجد بين الدولة والمجتمع، بحيث يمكن اعتبارها بمثابة البنية المشكّل

المزيد


Modes de pensée: 3- La pensée philosophique

أغسطس 12th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والمجتمع

3- La pensée philosophique :
 
1-introduction :
 
Ce que nous croyons être la philosophie ne peut se définir à partir d’une perspective livresque et simplement culturelle. La philosophie est une activité qui s’est consacrée à l’histoire humaine.
Sa seule existence dispense d’avoir à en donner une justification radicale. D’autant plus que cette existence répond à une activité du cerveau humain dont le développement et l ‘affirmation ont suscité nombre de problèmes qu’on a appelé philosophiques: leur apparition résultait de la lutte de l’homme pour trouver place dans la société et dans la nature.
Il faut donc comprendre l’activité philosophique comme une lutte, comme l’acceptation d’un défi. Ce défi ne peut provenir que des deux grands domaines dans lesquels se développe la vie humaine : la nature et la société.
C’est au fur et à mesure qu’augmente la nécessité d’une insertion rationnelle dans l’une et l’autre que la lutte philosophique se fait plus créative et plus nécessaire.
Les grands moments de la réflexion philosophique-qui ont enrichi la pensée et la praxis humaines-sont ceux durant lesquels la nature et la société semblent devenir indépendantes et se dérober à la main de l’homme : situations critiques que révèlent l’hostilité croissante de la nature à la vie humaine et à son épanouissement, ou bien dans la société, le règne de la tyrannie, de l’injustice voire de l’absurde.
La philosophie doit se prononcer devant les menaces d’obscurantisme. La mettre en jeu pour que cette prise de position ne soit pas la dernière est une manière de la libérer de l’académisme dans lequel peuvent l’avoir fait tomber quelques-uns de ses pontifes professionnels, qui enseignent la philosophie comme on procède à une visite touristique, sans s’inquiéter de penser son rapport au monde qui les entoure.
Il faut aussi libérer la philosophie de ceux qui la déclarent anachronique ou même morte, du haut d’un scientisme dans l’apparence rigueur ne recouvre, chez ces professionnels de la clarté, que la sottise et l’inutilité les plus absolues.
Le rôle de la philosophie est certain : chaque fois que la société a vécu une mutation historique, la philosophie en a pris acte et a signalé les possibilités ouvertes, même si beaucoup n’ont pu se réaliser.
Sa fonction a, par conséquent, été dynamique ; un travail permanent, une compagnie indispensable.
Chaque fois que la philosophie a fait défaut ou s’est perdue dans le dogmatisme et dans les terminologies pseudo-scientifiques, la société s’est trouvée plus exposée à l’obscurantisme ou à la barbarie.
Aussi, la philosophie doit essayer de trouver aujourd’hui, sans être utopique, sa véritable mission, la justification qui doit être sienne et la vigueur dont elle a besoin.
Dans notre monde culturel, il y a une manifestation du savoir humain, appelée philosophie, qui remplit les pages de nombreux livres. Son existence nous amène à nous demander pourquoi l’homme a éprouvé le besoin de faire de la philosophie. Cette question peut certainement se poser à propos de n’importe travail humain ; mais ce qui nous intéresse ici est le domaine de la philosophie. Pourquoi philosophons-nous ? Pourquoi ont surgi, comme produits d’une activité déterminée, ces systèmes conceptuels dénommés philosophie ?
Ce qu’on pourrait dire en premier, c’est que la pensée philosophique trouve sa justification en ce qu’elle répond à des stimulations déterminées. Au début de sa Métaphysique, Aristote(384-322)mentionne la terreur comme origine de la philosophie. Cependant, cette terreur ne se serait pas manifestée s’il n’avait pas exister une incompatibilité entre l’homme et le monde qui l’entoure. Du fait de la structure particulière du cerveau humain, produit d’une longue phase d’accommodation, l’homme s’est petit à petit détaché, bien que partiellement de son comportement instinctif et s’est adapté aux situations nouvelles.
Pour que cette adaptation se réalise une disponibilité préalable était nécessaire, qui permette à l’homme de compléter, grâce à des interprétations et à du travail, le simple comportement instinctif insuffisant pour s’adapter à ces nouvelles situations.
Le langage fut sans doute le premier et le plus solide lien de solidarité dans le groupe humain ; en même temps il exprimait la capacité de création des hommes et leur aptitude à s’approprier le monde étranger quand cela leur était nécessaire. C’est ainsi que naquirent les mythes, les vieilles légendes des dieux et des héros, dans lesquelles on reconnaît l’effort fait pour établir un monde intermédiaire entre la nature et le monde, effort qui est également à l’origine de la philosophie. Cependant, dés le début apparut en celle-ci un élément qui la distinguait nettement des mythes ou de la religion.
De même que le travail est un moyen de dominer et d’assimiler la nature, la philosophie est une réponse par laquelle, à l’intérieure d’une société déterminée, l’homme interprète la réalité en fonction des présupposées et des intérêts exclusifs de la communauté à laquelle il appartient. Ce fut en Grèce que prit naissance cette activité qui plus tard, allait s’appeler philosophie. Comme les interprétations usuelles de cette activité ont faussé son sens, il convient d’y revenir, d’autant plus que le modèle que nous pouvons tirer de son analyse est valable pour comprendre tout le développement ultérieur de la quête philosophique.                  
Pour préciser d’une façon rigoureuse en quoi consiste cette activité humaine appelée philosophie, nous n’avons dans un premier temps que les données que nous fournit l’histoire ; c’est donc dans le cadre historique que la philosophie se présente. Il est parfaitement impossible de faire abstraction de ce cadre historique, de même que le scientifique qui étudie la composition d’un corps déterminée ne peut s’abstenir de le situer dans son milieu. Cependant, la philosophie n’est pas parvenue à se stabiliser, comme l’ont fait les sciences, en une série de travaux qui réunissent, sous la forme des traités, les découvertes des différends chercheurs. Les recherches scientifiques exigent bien entendu de nombreuses vérifications, lesquelles son souvent le moteur du progrès. Malgré tout, le progrès et l’accumulation de données semblent être deux des caractéristiques fondamentales qui permettent de mesurer la consistance du savoir scientifique. Or ce qu’on entend généralement par philosophie ne peut être jugé avec les mêmes critères que ceux qui servent à apprécier  les disciplines scientifiques.
Il ne semble pas que le progrès soit la principale caractéristique du discours philosophique. Il ne semble pas non plus possible de parler à son propos d’« accumulations de données ». Comme la philosophie est essentiellement liée à l’histoire est conditionnée par elle, elle est nécessairement soumise aux mêmes contradictions ; dépendante des hommes et des problèmes qui dominent chaque époque, elle suit les mutations qui jalonnent leur devenir. Les livres de philosophes restent pour les générations ultérieures, comme des témoignages sur un moment dépassé de la vie intellectuelle, et c’est ainsi qu’ils nous permettent de reconstruire a posteriori le monde des relation et des significations qui appartiennent en propre à la philosophie.
Nous voici donc devant un problème intéressent: d’ou vient cette difficulté à reconstituer, comme résultat d’une longue histoire d’expériences philosophiques, un corps de doctrine qui réponde spécifiquement au nom de philosophie ? Mais qu’entend-on au juste par philosophie ? Emprunter à un philosophe déterminé une définition de cette discipline, pour servir de fil directeur à notre recherche, serait parfaitement arbitraire. Car une telle définition n’a de sens et de justification que dans un contexte précis ; elle ne peut fonctionner qu’à l’intérieur du langage et de la pensée du philosophe concerné. Nous pourrions peut-être découvrir des traits communs dans l’œuvre de Platon, Descartes, Kant, Hegel, Nietzsche, Sartre, etc., qui nous permettent de faire une proposition de définition réunissant ces traits communs et délimitant le territoire des connaissances explorées par tous. Mais cela nous mènerait trop loin. Nous ne ferions que reproduire les lieux communs qui se sont transmis sur la philosophie et collaborer à la confusion régnante.     

المزيد


تصور أنّا آرندت للسياسة

أغسطس 12th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والمجتمع

- ملاحظة منهجية:
ترى أرندت أنه في مجال الشأن السياسي ليس هناك حقيقة ثابتة وشاملة، بحكم كون المجال السياسي ليس مجالا علميا، ولهذا فالمنظور الصالح لمقاربة المجال السياسي هو المنظور التعددي الذي ينظر إلى المسألة من زوايا متعددة تبعا لتعددية الإنسان وتنوعه واختلافه.
ولهذا وجدنا أرندت تتخذ من نظرية كانط في الحكم الجمالي معيارا أو إطارا نظريا لمقاربة المجال السياسي، تريد آرندت أن يظل مجال الحياة العامة مجالا للاستفهام والتساؤل لتجنب الرتابة الاجتماعية، ولتفادي السير في الدروب المألوفة والتي يتم التخطيط لها بشكل قبلي ومسبق.
ومن جهة أخرى فهي تريد أن تجعل من الفعل السياسي والأحكام المتعلقة به، فعلا واعيا بذاته وبعواقبه، أي فعلا مفكرا فيه، فعلا يجب أن يكون مقتسما مع الآخر هذا بالرغم من وجود قواعد ومعايير لضبط المجال السياسي.
كما أن إصدار الحكم في السياسة يقتضي التسلح بالحيطة والحذر ومعرفة تقدير نتائج الافتراضات التي يتم اقتراحها كعلاج للشر، وبصفة عامة فهي تلح في المجال السياسي على ضرورة تجنب انتهاج سياسات شمولية تدعي المعرفة المسبقة بالواقع وتدعي امتلاك الحلول النهائية.
2-مفاهيم وأسس تصور آرندت للسياسة:
تتمركز الحياة السياسية عند آرندت على مجموعة من المفاهيم، وأزواج المفاهيم مثل مفاهيم الحرية والوعي والعمل والخلق والفعل المبادر، ومثل الزوج الحياة الفاعلة /الحياة التأملية، الحياة العامة، الحياة الخاصة، الفكر / الفعل.
بيد أن مفهوم "الشرطية الإنسانية" يعتبر من أهم المفاهيم السياسية لدى آرندت إذ انطلاقا منه يمكن فهم التقابلات المؤسسة لتصورها السياسي.
2-1- الشرطية الإنسانية:
تتشكل الشرطية الإنسانية لدى آرندت من ثلاثة أنشطة أساسية هي على التوالي: الشغل، والصنعة، (أو الأثر الفني)، والفعل السياسي المبادر.
وتميز آرندت بين الشرطية الإنسانية التي تعتبرها أساس حياة الإنسان، وبين "الصبيعة الإنسانية". فالشرطية الإنسانية شرطية منفتحة ليس لها حدود تحدها على عكس الطبيعة الإنسانية".
2-2- التقابل بين الحياة التأملية والحياة النشيطة الفاعلة:
من أجل السمو والتعالي على "الشرطية الإنسانية، ابتكر الفلاسفة القدامى مفهوم "الحياة التأملية" وكانت إحدى نتائجه التمييز الفاصل بين "الكائن المفكر" والكائن الشغيل". الحياة الفاعلة وهي حياة كلها معاناة وتعب ومشقة، والحياة التأملية التي هي حياة وقت الفراغ والهدوء الخالص.
وتعتبر آرندت أن أي تصور جديد للفعل السياسي يقتضي تجاوز هذه القسمة وإعادة تثمين الحياة الفاعلة التي هي أساس "الشرطية الإنسانية". إن التقابل بين الحياة التأملية والحياة الفاعلة له قرابة وثيقة بتقابل آخر كالتقابل الموجود بين الخلود والأبدية، فالرغبة في الخلود كانت هي المحرك الأساسي في القديم للإنسان الحر والتي تجعله يهتم بشؤون المدينة، وكأن الفرد يعتبر ناجحا في الحياة حينما يصير بطلا في الحكايات" وفي المآثر، بينما الإنسان المنحط، الإنسان الفاني كان ينظر إليه كذلك الذي ينغمس في المتعة الجسدية، يصبح أسيرا في هموم الحياة المادية. بينما الفلاسفة المهتمون بالحياة التأملية، ينصرفون للبحث عن الخير والحق، أو يكتشفون الأبدية فيجعلون منها حياتهم المفضلة ومملكتهم الخاصة.
لكن إذا كانت الأنشطة الثلاثة المشكلة للشرطية الإنسانية، أقصد الشغل والصنعة والفعل السياسي المبادر، مترابطة فيما بينها ومتكاملة في وظائفها، إلا أن آرندت تمنح للنشاط المتعلق بالفعل المبادر أهمية قصوى في تصورها السياسي.
2-3- مفهوم الفعل المبادر:
لهذا يعتبر هذا المفهوم من أكثر المفاهيم قيمة ونبلا، لأنه يشكل في نظرها ماهية الإنسان، ولأنه هو الذي يجعل العيش المشترك ممكنا.
تؤكد آرندت في كتابها "شرطية الإنسان الحديث" على أن القول والفعل المبادر هما بمثابة ضرورة في الشرطية الإنسانية التي من أهم سماتها التعددية، بل إن هذا الترابط في الموقف السياسي بين القول والفعل هو الذي يميز ما هو إنساني في الإنسان، بما هو حيوان سياسي، وبما هو حيوان ناطق، فالقول والفعل يجعلان كل الناس متسا

المزيد


Typologie du Moi et de l’Autre

أغسطس 12th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , الفلسفة والمجتمع

 

1- Préface :

Le regard que porte le Moi sur l’Autre diffère selon les perspectives. Celles-ci vacillent entre deux positions diamétralement opposées et contradictoires : soit l’ouverture extrême sur l’Autre, soit le renfermement total sur soi. Le renfermé est celui qui perçoit l’Autre à travers sa propre identité, religieuse ou nationale, ethnique ou culturelle, etc.. Il ne le reconnaît, et ne s’identifie à lui que lorsque son identité est similaire ou proche de la sienne, sinon il le rejette en le considérant comme un apostat, ou comme un arriéré ou un sous-développé, étranger ou barbare, ou n’importe quelle qualification qui le traite comme altérité radicale ou différence sauvage.

Celui qui est donc renfermé sur soi et sur sa croyance, nie l’Autre et ne reconnaît pas son droit à la différence, étant donné que celle-ci est à ses yeux l’opposé de son identité voire sa négation ; si ce n’est pas ce qui le menace constamment et qui vise sa subordination.

C’est pourquoi dans cette perspective l’Autre est démuni de ses droits d’homme, étant donné qu’on le perçoit à travers des préjugés qui sont en fait des classifications étroites, ou des nominations préconçues, ou bien des certitudes absolues.

Tandis-que celui qui adopte une position d’ouverture, perçoit l’Autre différemment, comme son complément, et il peut même s’identifier à lui sans prendre en considération les différences multiples qui les distinguent, comme celles du langage, de race, de religion et de culture, etc.

Si le concept du Moi apparaît - au sein de cette perspective ouverte - inépuisable dans une identité déterminée, son être est inconsommable dans une qualité particulière, et qu’aucun nom ou symbole ne peut le contenir ; c’est parce que son identité est complexe, ses  figures différentes et ses dimensions variées.

Il n’existe, me semble t’il, aucune société ou culture ou croyance qui soient dépourvu de ces deux types cités dessus; même si le type ouvert, et qu’on va nommer le type actif, reste une rareté, et constitue une minorité voire un idéal future du devenir humain.

Quant au type enfermé, et qu’on va nommer le type réactif, il est représenté par un ensemble de penseurs, il commence – dans notre culture arabo-musulmane - par les traditionalistes, et il embrasse les grands savants comme : Al Achaari, Al Ghazali, Ibn Taymyya, etc..,et se débouche actuellement sur l’intégrisme à travers ses différentes couleurs, Islamiste, ou Marxiste, ou libérale, etc.

Le lecteur averti est conscient des différences multiples qui existent entre ces figures, notamment au niveau de la pensée, et en particulier entre les anciens et les nouveaux. Cependant, malgré ces différences, je les intègrent tous sous le même modèle réactif. Car ce qui importe – dans la perspective généalogique et typologique que j’adopte ici dans cette analyse – ce ne sont pas les différences de croyances  ou de doctrines, et non plus les contenus des textes ou les intentions discursives ; mais plutôt ce sont les mécanismes de pensée et les types psychiques des penseurs qui sont les plus déterminants.

Notre perspective entame une distinction au niveau théorique, entre deux types psychiques, ou deux personnages conceptuels : l’actif et le réactif ; et chaque type a ses caractères particuliers qui transcendent les différences d’identités intellectuelles qui peuvent exister entre les penseurs, qu’ils soient sunnites ou chiites, traditionalistes ou modernistes, orthodoxes ou rationalistes, des libéraux ou des marxistes, de droite ou de gauche.

Tous ces penseurs appartiennent – nous semble t-il – à un même type, parce qu’ils s’inspirent de la même mentalité, et utilisent les mêmes mécanismes de pensée, et c’est pour cette raison-là qu’ils constituent un mode d’être commun, dont la pensée appartient à la même typologie.

L’approche généalogique procède par une analyse des textes, des discours voire des positions, en les considérant comme des symptômes des forces qui les ont produits, et qui continuent à les utiliser et à les investir ; en distinguant entre deux types de forces actives et réactives, et en les classant dans deux types représentatifs à travers une remontée à leurs généalogies et aux conditions de leur apparition, et en déterminant la volonté de puissance qui les animent.

En somme l’approche généalogique finit par distinguer deux modes de volonté de puissance ou bien deux visions opposées vis-à-vis du Moi, de l’Autre et de la vérité : une vision qu’on peut qualifier comme auto-suffisante, qui considère le moi, le sujet comme l’unique source de toute connaissance et savoir ; l’autre vision souligne l’importance de l’intersubjectivité, de l’échange mutuel, et la nécessité de l’ouverture de soi sur l’autre, et de s’enrichir au niveau de son expérience, sa pensée et son savoir.

Pour être explicite nous allons procéder d’abord à l’explicitation du type réactif à travers sa genèse, la nature de sa structure, sa constitution, ainsi que ses caractères psychiques, éthiques voire esthétiques ; avant de clore cette analyse par la mise en lumière de sa logique, son raisonnement et la philosophie dont il s’inspirent dans l’élaboration de sa conception à l’égard du Moi, de l’Autre et de la vie.

Enfin j’avoue que cette analyse typologique repose sur la généalogie Nietzschéenne, en particulier sa « psychologie des profondeurs » comme elle a été élaborée dans son œuvre « La généalogie de la morale ». A vrai dire, cette inspiration de la philosophie de la différence – notamment comme elle a été mis en oeuvre dans les travaux de Nietzsche, Heidegger, Blanchot, Deleuze, Foucault, Derrida et les autres – comme le fait remarquer le philosophe marocain Al Khattibi, nécessite non seulement de s’ouvrir sur leurs styles de pensée, mais aussi d’adopter leur stratégie, et mettre leur « machine de guerre » à notre disposition dans notre lutte symbolique actuelle.

 

2- L’analyse du modèle réactif :

Selon Nietzsche, ce qui distingue l’homme des autres êtres vivants, c’est qu’il est le seul être dont la vie peut devenir pour lui un danger mortel. Il est le seul être qui a l’aptitude de devenir réactif. C’est à dire de résister à la vie, et déclarer la guerre contre ses conditions. Cette tendance réactive sous sa forme excessive se manifeste comme une négation voire une dépréciation de la vie. Pour comprendre ce devenir réactif de l’homme, il faut savoir que ce dernier se détermine comme l’être doué de la volonté et du désir, d’une volonté illimitée et d’un désir infini, d’ou le risque permanent de se perdre et de s’égarer, et dans cet éloignement de soi il y’a le risque de la déviation voire de l’aliénation, qui dans son excès devient « volonté de la volonté », c’est-à-dire volonté du néant ou désir de la mort.

Cette aptitude réactive de l’homme, prouve qu’il est animé par des forces réactives qui trouvent leurs appuis voire leurs sources dans le langage ou la conscience, la mémoire ou l’association[i]. La mémoire par exemple est une force active lorsqu’elle est une mémoire  de promesse et d’avenir[ii], c’est alors qu’elle devient source d’énergie nécessaire à la création et la nouveauté. Mais la mémoire peut devenir une force réactive lorsqu’elle devienne régressive, enchaînée au passé et ferme ses fenêtres sur le présent et l’avenir.

La conscience aussi peut devenir une conscience malheureuse lorsqu’elle devienne réactive et source du ressentiment.

Aussi existe t’il à l’origine de la vie au sein de la société, une volonté réactive qui prend la forme d’une xénophobie qui se propage à l’intérieur de chaque individu ; et c’est cette xénophobie qui pousse  ses individus à se constituer en grégarité comme immunité contre le contingent, le différend et l’imprévu. La société tente de surmonter cette xénophobie par le renforcement chez ses individus, des sentiments de sécurité, de sûreté et d’union d’un côté ; et de l’autre côté, la sensation d’appartenir à une même identité homogène. Ce processus se réalise grâce au rôle que remplie le langage, la grammaire, la logique et la morale. Nietzsche parle de la maladie native du langage, de la grammaire comme métaphysique du peuple, et il parle aussi du concept comme le sépulcre des intuitions.

Mais si l’être humain à l’aptitude de devenir réactive, alors dans quelles conditions devient t-il ainsi ? comment naît la possibilité de se perdre et de se séparer de la vie voire de la nier ? comment arrive t-il que les forces réactives dominent les forces actives ? comment se constituent-elles en type réactif imposant son pouvoir sur le comportement des individus, et leurs pensées ?

Dans la typologie Nietzschéenne on distingue deux modes de volonté de puissance, la volonté négative et la volonté affirmative. La première nie la vie et la déprécie, la deuxième l’affirme et l’apprécie. La première est issu d’une vie morbide caractérisée par la faiblesse, la fatigue et la fragilité, c’est pour cela qu’elle se trouve impuissante à affirmer la vie qui apparaît à ses yeux pleine de paradoxes, de contradictions, et source permanente de la douleur et du mal. Et c’est pour cette raison là, que la vie est à ses yeux dépourvu de valeur voire indésirable.

A l’opposé de cette première volonté, la seconde est issu d’une vie forte, saine et sauve. C’est pourquoi elle est ouverte sur la vie, et l’affirme avec ses différences et ses contradictions, ses malheurs et ses bonheurs, sans aucun complexe d’infériorité ou de culpabilité.

On constate donc que la première volonté est une volonté de faible, est que la deuxième est celle du fort ; mais les concepts de force et de faiblesse n’ont pas ici une connotation sociale-politique voire biologique, mais ils sont déterminés d’après le genre de rapport que l’homme entame avec la vie et l’être, et qui fait que le faible est celui qui nie la vie, tandis que le fort est celui qui l’affirme.

Donc la volonté de l’être humain devient réactive au fur et à mesure que son activité est dominé par le négatif et la négation[iii]. Celle-ci devient dominante lorsque la vie de l’homme s’affaiblit et devient impuissante à s’affirmer dans l’existence. Pour compenser ce manque, il s’accroche à des illusions qu’on lui présente sous l’image des valeurs sacrées ou des idéaux supérieurs au non desquels il déclare « la guerre sainte » contre la vie comme source du mal[iv].

Celui donc qui nie la vie et la déprécie, est celui qui ressent que sa vie est décadente et dégénérescente. Dés lors sa raison d’être est de conserver sa vie en permettant aux forces réactives de dominer les forces actives. Les forces réactives arrivent à dominer en s’alliant avec – ce que Nietzsche appelle – l’idéal ascétique ou la volonté du néant. Celle-ci est considéré comme la force productrice des valeurs et des idéaux supérieurs. Le mécanisme que les forces réactives mirent en œuvre pour triompher, consiste à séparer les forces actives de ce qu’elles peuvent[v]. Et chaque force active lorsqu’elle est séparée de ce qu’elle peut, se trouve priver des conditions nécessaires à son activité libre, et devient en raison de cette privation une force réactive. Autrement dit, chaque force se sent priver des conditions favorables à sa satisfaction et à son affirmation voire à son épanouissement, deviendra, sous le poids de l’insatisfaction et de la frustration, mais aussi sous l’effet du fantasme voire de mystification, une force retournée contre soi, et orientée contre la vie.

La force réactive se constitue en force dominante, à travers trois phases ou trois aspects complémentaires suivants : le ressentiment, la conscience malheureuse, l’idéal ascétique. Ces trois aspects forment ensemble le type ou le modèle réactif[vi]. Ce qui veut dire que, le modèle réactif se détermine comme le procès d’interprétation et d’évaluation de la vie, de l’être, en fonction du ressentiment, ou de la conscience malheureuse, ou de l’idéal ascétique. Et il est clair que de l’intérieur de cette perspective réactive, la vie apparaît coupable et pêcheuse, et source infini des douleurs et du mal. Ce caractère négatif de la vie réactive, la laisse dans une situation de manque et de besoin permanents à des justifications et à des illusions, pour ne pas succomber du dégoût voire du désespoir.

En somme, le type réactif se constitue par la domination des forces réactives sur les forces actives. Celles-ci triomphent en séparant les forces actives de se qu’elles peuvent. Et dans chaque cas, cette séparation repose sur une fiction, sur une mystification ou falsification. Et c’est la volonté de néant qui développe l’image négative et renversée. Autrement dit, cette séparation devient possible à l’aide de l’idéal ascétique producteur de l’illusion. Le procès de cette production se fait par la projection d’une image de contradiction à la place de la différence originelle entre les forces. Il s’agit donc de donner une image renversée de la différence naturelle qui existe entre les forces, en la substituant par une opposition morale, comme par exemple l’opposition entre le mal et le bien. L’élément différentiel et généalogique - vu du côté des forces réactives – apparaît à l’envers, la différence est devenu négation, l’affirmation est devenu contradiction. Une image renversée de l’origine accompagne l’origine : ce qui est « oui » du point de vue des forces actives devient « non » du point de vue des forces réactives, ce qui est affirmation de soi devient négation de l’autre[vii], c’est ce que Nietzsche appelle « le renversement du coup d’œil appréciateur »[viii].

  Plusieurs mécanismes sont mis en œuvre pour activer ce fantasme et cette illusion. Parmi ceux-ci on peut citer le mécanisme de « la causalité imaginaire », l’illusion grammaticale, le fantasme logique, l’interprétation morale de la vie, etc. Selon Nietzsche les théo

المزيد


التالي