مفارقات مفهوم الحق وشروط إمكان تفكير فلسفي في مسألة "حقوق الإنسان"
1- مفارقة مفهوم الحق:
إنّ الكينونة التاريخية للإنسان الحديث تتحدد بالتوتر بين مطلبين:مطلب الوجود الاستعجالي لدولة قوية تنتشل المجتمع من هشاشة حالة الطبيعة؛ ومطلب البحث عن الحرية عن طريق الإقرار بنظام حقوق الإنسان. ونظرا لكون الدولة الحديثة اتخذت من الحق أساسا للعلاقات الاجتماعية، ومعيارا لتقعيد تلك العلاقات وضبطها، فلقد صار الحق هو رهانا للتوتر، ومركزا للصراع داخل المجتمع الحديث. ويكشف المسار الممتد من بداية الحداثة إلى الآن، عن المفارقة التالية: فمن جهة تمّت تقوية الدولة إلى أن بلغت هذه الدولة أوجها في التجربة السياسية للأنظمة التوتالتارية؛ وهناك من جهة أخرى التنامي المتزايد للمطالب الحقوقية، والحاجة إلى إعادة تثمين خطاب حقوق الإنسان كواجهة مستقلّة لمواجهة اضطهاد الدولة وتعسّفاتها وخروقاتها. ويعكس هذان التوجّهان التوتر المحايث لبنية النظام الاجتماعي الحديث، إذ تتشكّل هذه البنية من ثنائي المجتمع المدني والدولة: حيث الفضاء الأول يغطّي مجال الإنتاج والتبادل بمختلف أشكاله الاقتصادي والاجتماعي والرمزي، إنّه نسيج معقّد من علاقات الشغل والحياة العائلية والاجتماعية والثقافية. بينما يجسّد الفضاء الثاني الذي هو فضاء الدولة، لحظة التجسيد لشرعية معترف بها ومتعاقد عليها، مهمّتها الأساسية التعبير عن "الإرادة العامة" وتدبير المصالح الخاصة وحماية المصلحة العامة المشتركة والحفاظ عليها، وتشريع القوانين وإعلانها.
ويعتبر التمايز والاختلاف بين المجتمع المدني والدولة تمايزا واختلافا أساسيا في التنظبم المجتمعي الحديث، بل إنّ العلاقة بينهما ظلت دائما علاقة إشكالية، خاصة فيما يتعلق بحدود كل منهما، وبطبيعة النتائج التي يمكن أن تترتّب عن طمس تلك الحدود والخلط بين المجتمع المدني والدولة.
فهذا "هوبز"- وهو أحد مؤسسي نظرية الدولة الحديثة- يقيم تعارضا بين ما يسمّيه "الجمهور" la foule وهو كثرة بلا كيف ولا تنظيم، مثير للحروب الأهلية؛ وبين "الشعب" le peuple بما هو مجموع منظّم وقار لا تقوم له قائمة إلا بالدولة. كما أنّ العكس صحيح حيث الدولة لا توجد إلا بواسطة المجتمع، وإذا حاولت أن تتماهى مع المجتمع أو تحلّ محلّه، فستتحوّل إلى نظام شمولي مبتلع للروابط الاجتماعية ومهدّم للعلاقات بين الأفراد.
هذا التوتر الموجود بين الدولة والمجتمع المدني هو الذي جعلهما يتعرّضان منذ القرن 19 لنقد جذري، يؤاخذ "الدولة" بكونها تمثّل جهازا قمعيا وأخطبوطيا، ويؤاخذ "الحقوق" التي يطالب بها المجتمع المدني بكونها حقوق مجرّدة ووهمية ومنحازة.
هذا التوتر سيعثر على انعكاسه في الطابع الملتبس لمفهوم الحق والذي سيشكّل موضوع سجال فلسفي وسياسي بين نظريتين هما: نظرية السيادة ونظرية الحق الطبيعي، وهما مصدران مؤسّسان للحداثة السياسية.
نظرية السيادة la théorie de la souveraineté التي يمثّلها كل من "ماكيافيل"، و"هوبز"، و"روسو"، تشدّد على أنّ الحقوق هي تلك التي تجسّدها قوانين الدولة، فتطالب باحترام تلك القوانين بالخضوع لها.
نظرية الحق الطبيعي la théorie du droit naturel التي يمثّلها كل من "مونتسكيو" و"جون لوك" تطالب بحقوق طبيعية لا تتوقف على الدولة ولا تختزل في القوانين. إنّ هذا التوتر ينطوي في ثناياه على صراع بين مشروعيتين، أو بالأحرى بين نموذجين من المجتمع: النموذج الأوّل هو سياسي- قانوني في شكله، حربي في عمقه؛ والنموذج الثاني هو اجتماعي- اقتصادي، ليبرالي في توجّهه. إنّ الاختلاف بين النظريتين يجد تعبيره في الطابع الإشكالي للدولة الحديثة. بالنسبة لماكيافيل وهوبز وروسو فإنّ ماهية الدولة متضمّنة في مفهوم السيادة الذي يتصف بطابع مطلق، إذ الدولة في نظرهم يجب أن تتوفر على سلطة مطلقة متجسّدة في حق التشريع وإعلان القوانين. فالحق المشرّع، الحق المتجسّد في القوانين هو التعبير الملموس عن هذه السلطة. فبفضل هيمنة هذه القوانين تمكّن الدولة المواطن من العيش في أمن وأمان. أمّا بالنسبة لمونتسكيو ولوك فهما ينفران من استعمال مفهوم السيادة، لما ينطوي عليه من إكراه وتجريد ومفارقة، ويدعوان إلى الفصل بين السلطات بهدف تحقيق نوع من التوازن بين الدولة والمجتمع المدني، بين القوانين والحقوق السابقة عليها.
إنّ هذا الاختلاف بين النظريتين يطال أيضا تصوّرهما للحق، فمكانة الحق لدى مونتسكيو ولوك غير قابلة للاختزال في صورته القانونية، حيث يتم التفكير فيه بكيفية تجعله مرتبطا بالتصور الأنتروبولوجي للإنسان أكثر من ارتباطه بالتصور القانوني للدولة أو للمواطن. فالإنسان يتحدد لدى لوك باعتباره الكائن الذي يتمتّع بحقوق من حيث هو كائن اجتماعي بطبعه، وبحكم ذلك فهي حقوق سابقة على الدولة والقانون. في حين نجد أنّ هوبز ومعه ماكيافيل يشدّدان على "الطبيعة اللاجتماعية" للإنسان، وعلى أنّ "اجتماعيته" ليست معطاة وإنّما يتم تنشئته عليها، بتعويده الخضوع لمؤسسات الدولة والامتثال لقوانينها.
إنّ الاختلاف بين النموذجين، "النموذج الحربي" و"النموذج الاقتصادي" يكتسي في موضوعنا هذا أهمية قصوى لفهم، ليس فحسب الانتقادات الجذرية التي تعرّضت لها صورة الدولة بل ومفهومها من قبل ماركس وهايدغر وفوكو..إلخ، بل وأيضا من أجل فهم السجال الفكري الساخن في الفكر المعاصر حول مفهوم الحق وحقوق الإنسان.
قلت إنّ معرفة الاختلاف الموجود بين التصوّرين المؤسّسين للدولة الحديثة هام جدّا، لأنه في الحالة الأولى، وعلى ضوء التصوّر الأوّل لنظرية السيادة، يبدو الحق كامتداد للفعل المؤسّس للحاكم في سلطته، أي يبدو كحق صادر عن من يمتلك السلطة العليا في إصدار القانون وفي تنفيذه. يقول ماكيافيل في كتابه "الأمير" Le prince :"هناك طريقتان في المقاومة، الواحدة تتم بواسطة القوانين، والأخرى تتم بواسطة القوة(…)لكن بما أنّ الأولى لا تكفي للمقاومة يجب اللجوء إلى استعمال الثانية. من هنا يبدو أنّه من الضروري للأمير أن يحسن ممارسة الإثنين معا". إنّ الحق هنا يتسم بطابع قانوني صرف، إنّه يتجسّد في الحق الوضعي القائم. أمّا في التصوّر الثاني للحق الطبيعي، فإنّ الحق يبدو كخاصية محدّدة لوضعية الكائن الإنساني، وهو امتياز فردي وحق طبيعي يوجد في استقلال عن انتماء الفرد للجسد السياسي.
إنّ هذا التوتر الملاحظ بين الدلالتين المختلفتين بل المتعارضتين للفظ الحق، نلمس حضوره وبشكل جلي في ديباجة إعلان حقوق الإنسان سنة 1789 إبّان الثورة الفرنسية. فعنوان الإعلان يتحدّث عن "حقوق الإنسان والمواطن"، أي يتحدّث عن حقوق لا هي بالقانونية الصرفة، ولا هي بالطبيعة الخالصة، فهي إذن تنطوي على الصعوبة المتمثّلة في إدراك الحق، من جهة باعتباره مرتبطا بالإنسان بما هو كائن طبيعي موجود بشكل سابق على أي تنظيم سياسي وأي نظام قانوني؛ ومن جهة أخرى باعتباره حقا صادرا عن هيئة قانونية مهمّتها تقعيد وتنظيم العلاقات بين الناس.
هكذا فالتقليد الماكيافيلي المتمحور حول نظرية السيادة- والذي تستلهمه فرنسا وأوروبا باستثناء بريطانيا- يمكّننا من إجلاء جينيالوجيا الدولة الحديثة في صورتها القانونية خلال القرن 19، كما يمكّننا من فهم طبيعة الانتقادات التي و













