الاسم: محمد أندلسي
البلد: المغرب
التصنيفات : خاصة,سياسة وأخبار,ثقافة وفن,أدب وكتب,ديانات,ألحان وأنغام,عام
أظهر كافة المعلومات
| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||

أغسطس 13th, 2002 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية,
سبتمبر 4th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية,
أ-الفلسفة القديمة:
أ-1-التصور السفسطائي:
لقد نشأت السفسطة داخل مجتمع يسوده النظام الديمقراطي ابتداء من القرن6.ق.م. وتعتبر نظرية بروتاغوراس السياسية أهم مساهمة في بناء النظرية الفلسفية في السياسة. لكن هذا الموقف لا تعرّف عليه إلا من خلال محاورة "بروتاغوراس" لأفلاطون.
السجال الذي يدور بين بروتاغوراس وسقراط - الناطق بلسان أفلاطون - في هذه المحاورة، يندرج ضمن السجال السياسي الإغريقي. مما يعني أن الفلسفة السفسطائية اكتشفت بشكل مبكّر التجربة السياسية كإشكال فكري تجلّى في تعدّد أشكال ممارسة السلطة. لقد أدركت هذه الفلسفة أن الفضاء السياسي هو فضاء الصراع من أجل السلطة، وذلك بحكم نزوع كل فرد داخل المدينة إلى إشباع رغباته المتنوعة والمتجدّدة. وهذا ما يجعل تلك الرغبات هي رهان الصراع السياسي: إذ كل فرد يرغب في ذات الإمتيازات التي يرغب فيها الآخرون مثل:الثروة، الحظوة، المكانة…وهذه مصدر الصراعات المختلفة داخل المدينة.
الإشكال الفلسفي السياسي الذي كان مدار السجال بين بروتاغوراس وسقراط يمكن صياغته على النحو التالي: هل الولوج إلى السلطة السياسية يجب أن يكون حقا مشاعا بين مختلف أعضاء المدينة وبدون استثناء، أم أن هذا الحق هو خاص، وأن السلطة يجب أن تكون من اختصاص النخبة التي لها دراية بالمجال السياسي؟
لقد كان موقف بروتاغوراس يقوم على التأكيد على ضرورة المساواة بين المواطنين في الحقوق السياسية، بحيث يكون من حق كل فرد مواطن أن يشارك في اتخاذ القرار السياسي داخل المدينة. لهذا وجدناه يعارض موقف سقراط الذي يحصر السلطة في النخبة. وهذا الموقف هو الذي سيدافع عليه أفلاطون في الجمهورية. وهو موقف يقوم على تقريظ الفيلسوف باعتباره المؤهّل الشرعي لحكم المدينة، لأنه يجسّد في نظره، الأساس العقلاني الذي تقوم عليه المدينة. رهان السجال السياسي إذن، يتعلق بمدى كفاءة المواطنين السياسية. مما يعني أن السجال يضع موضع تساؤل الأساس الذي تتأسس عليه الديمقراطية الأثينية: هل من حق جميع المواطنين أن يتلقوا تربية وتنشئة تمكّنهم من المشاركة في تدبير الشأن العام للمدينة، أم أن هذا الحق أرستقراطي يجب أن يظل محصورا في ذوي الكفاءة؟ بتعبير آخر: ما هو النموذج الفكري والمعياري الذي يجب استلهامه في تدبير الشأن السياسي: هل هو النموذج التقني، الذي يقوم فيه التدبير والفكري في إيجاد الحلول لمشكل المدينة بالاحتكام إلى آراء ذوي الاختصاص والخبرة، أم أنه يجب أن نعتبر بأن كل فرد عاقل مسؤول وبالتالي فمسألة التدبير هي مسؤولية الجميع؟
في الجزء الثاني من المحاورة، يقدّم لنا بروتاغوراس موقفه النهائي من هذه المسألة. فكل المواطنين-في نظره- يجب أن يساهموا بطريقة كفأة ومسؤولة في تدبير شؤون المدينة، لأن الشأن العام مسألة تهم الجميع، إذ فيها يتم تقرير مصير الإنسان. ولأنه بدون مشاركة الجميع لن تكون هناك "المدينة" بما هي الفضاء الذي تسوده الروح المشتركة. فالمدينة في منظور بروتاغوراس السفسطائي، ليست مثالا لا يمكن بلوغه، وإنما هي نموذج في متناول الجميع، يمكن تعليمه وتلقينه وتنشئة الناس عليه. فالفضيلة السياسية ليست فطرية تولد لدى البعض دون الآخرين، إذ الإنسان لا يولد وهو حيوان سياسي، بل هو يكتسب الفضيلة السياسية وبالتالي فن التدبير المشترك للحياة العامة.
ب- 2-التصور السقراطي:
يعارض سقراط هذا التصور السفسطائي بالسؤال التالي: ما هي الغاية من الفعل السياسي؟ وهل السياسة يجب أن تتأسس على الرغبة؟ وإذا افترضنا بأن ذلك ممكنا، فهل تستطيع السياسة أن تؤدي إلى إشباع الرغبة الإنسانية؟
حسب سقراط فإن الموقف السفسطائي ينتهي إلى إقامة تماهي بين الإنسان والحيوان، وذلك حين يجعل من الرغبة غاية الفعل السياسي. فمن المعروف أن الحيوان يتحدد باعتباره الكائن الذي تحرّكه الرغبة. ثم إن السلطة السياسية كيف ما كان نوعها لا تستطيع أن تشبع الرغبة الإنسانية لأنها متناقضة من حيث طبيعتها، وبا
سبتمبر 4th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية,
- مفارقات الديمقراطية: محنة سقراط
إن تلك المفارقات الملازمة للديموقراطية هي التي تجعل العلاقة بينها وبين الفلسفة علاقة إشكالية. ويمكن صياغة ذلك الإشكال على النحو التالي: إذا كانت الديموقراطية هي الموطن الأصلي للفلسفة - على النحو الذي سنراه فيما بعد-، وهي الفضاء الوحيد الذي يصلح لإقامة الفلسفة، فهل العلاقة التي أقامتها الفلسفة بالديموقراطية هي علاقة تلاؤم وانسجام، أم أنها علاقة لا تخلو من توتر وتناقض وصراع؟
إن تاريخ العلاقة بين الفلسفة والديموقراطية تبين لنا بالملموس بأنها لم تكن علاقة تعايش وتوافق، بل كانت علاقة نقد وتوتر وصراع، تصل أحيانا إلى مستوى من العنف الحاد. وهذه العلاقة المتوترة والعنيفة، هي ما تشهد عليه تجربة الفيلسوف سقراط داخل المدينة الإغريقية التي كانت تمثّل آنذاك أول فضاء لاستنبات تجربة التدبير الديموقراطي للشأن السياسي. فهل استطاعت هذه المدينة الديموقراطية أن تحتضن الفيلسوف داخلها؟ وهل استطاع سقراط أن يستشعر بنوع من الرضى، وأن يحس بنوع من الحرية داخل الديموقراطية الإغريقية؟
إن مشكل سقراط، وشخصيته الفلسفية تطرح في الحقيقة على الفلسفة تحديا كبيرا، ومشكلا غريبا مليئا بالدلالات. فالسقراطية تهيمن على تاريخ الفلسفة إلى درجة التحكم فيه، ولكنها في الوقت ذاته تنفلت من ذلك التاريخ. بتعبير آخر، هناك لحظة تاريخية لسقراط، ولكن لا وجود لتاريخ لسقراط. إن تاريخ الفلسفة بكامله محكوم باسم سقراط، لأن ذلك التاريخ يتحدد انطلاقا من سقراط، فهو يشطره إلى شطرين: ما قبل سقراط وما بعد سقراط. وهذه الأهمية التي يحتلها سقراط راجعة لكونه محرّك ذلك التاريخ ومحوره، إذ مع سقراط سينتهي عصر وسيبتدئ عصر آخر جديد، سواء أخذنا هذه الطفرة أو هذا الانعطاف بمعناه الإيجابي لدىميرلبونتي أم أخذناه بمعناها السلبي النيتشوي.
لكن ما هي طبيعة فكر سقراط؟ حينما نطرح هذا السؤال فنحن لا نستطيع العثور على جواب عنه. وما ذلك إلا لأن سقراط هو- كما يقول جاك دريدا- "الفيلسوف الذي لا يكتب". إذ كل ما نعرفه عنه قد وصل إلينا بطريقة غير مباشرة عبر تلامذته ومعاصريه. والمشكل الذي يواجه الباحث في فكر سقراط، يتمثل في كون أن الشهادات المتعلقة به، إما أنها تبالغ في رسم صورة سقراط، أو أنها متحاملة تحطّ من شأنه، وتقلّص من باعه. إن هذه الصعوبة المتعلقة بالإحاطة بماهية فلسفة سقراط ومواقفه، هي التي جعلتنا نؤكد على المفارقة الملازمة للظاهرة السقراطية: فسقراط "واقع تاريخي يفلت من التاريخ"، وتأثيره في تاريخ الفلسفة قد
أغسطس 23rd, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية,
أغسطس 13th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية,
أغسطس 13th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية,
أغسطس 12th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية,
أغسطس 12th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية,
1- تحديد المفهوم:
لفظ الفينومينولوجيا لم يظهر مع هوسرل، بل لقد ظهر قبله في أعمال كانط وهيجل وهارتمان وغيرهم. ففي كتاب "فينومينولوجيا الروح" يستعمل هيجل لفظ الفينومينولوجيا للدلالة على التجليات المختلفة للروح، والتي تتخذ شكل فكرة مطلقة داخل الوجود. وفي تشمل عدة مستويات متدرّجة من المعرفة الحسية المباشرة إلى المعرفة العقلية الشاملة، مرورا بالمستويات المختلفة للفكرة المطلقة وما تشهده من تناقضات وصراعات وتطورات.
بعد هيجل استعمل هارتمان اللفظ بشكل متميز، بل إنه يقرن بالفينومينولوجيا لأنه اعتمد في دراساته الميتافيزيقية على النظرة الوصفية خصوصا فيما يتعلق بنظرية المعرفة. إذ راح يصف ظاهرة المعرفة انطلاقا من عنصرين: الذات والموضوع، مميزا كل عنصر وواصفا دور كل منهما في عملية المعرفة. تدلّ الفينومينولوجيا في هذا الاستعمال على عملية وصف المعرفة مع التخلي عن الأحكام المسبقة. إنها عودة إلى الأساس الأول الأنطولوجي للمعرفة، أي الأساس المؤسس للموجودات والمعرفة، وعدم اختزال الظواهر فيما يظهر بل الرجوع بها إلى الوجود الخفي الذي هو بمثابة الماهية الموجودة والحاضرة في كل الأشياء.
أما من الناحية الاشتقاقية، فإن لفظ الفينومينولوجيا يتكون من كلمتين: "فينومين"و"لوغوس"، ويعني حرفيا "علم الظواهر". والفينومين في أصله الإغريقي يفيد-حسب هيدغر-معنى الإبانة والظهور، كما يعني المنجلي أو الذي يحضر داخل شيء من الأشياء. كما يفيد الشيء الذي يبين عن نفسه. فالظاهرة هي إذن كل ما يمكن أن يظهر أو ينجلي إلى الضوء والنور، وهو إذ يظهر ويتجلى فهو يظهر على وجه مخصوص وعلى شاكلة معينة. لهذا فهو يشكّل ظهورا مقنّعا. أما اللوغوس فهو يفيد عنده الكلام وعملية إظهار ما يتكلم عنه الكلام وتمكينه من الانجلاء والظهور. اللوغوس إذن هو الكلام الذي يسمح بانجلاء ما يتحدث عنه فيتيح ملاقاته. وعليه فالفينومينولوجيا بمعناها المركّب تفيد جعل الموجود يظهر من تلقاء ذاته. مما يجعل المنهج هنا وصفي، لأنه منهج للوصف والإبانة أو الإظهار وليس منهجا للبرهنة. فأن تمارس الفينومينولوجيا هو أن تساعد الشيء على الظهور وتمكينه من الإفصاح عن نفسه بغية إدراكه. وكأن الفينومين هو الشيء المنسحب والمختفي لأنه لا يتجلى بذاته. وهذا ما يجعله معرّضا للنسيان والتجاهل، لأنه لا يظهر إلا عبر لعبة الأقنعة المستعارة. الفينومين- في المنظور الهيدغري- ليس هذا الموجود أو ذاك، ولكنه وجود الموجود c’est l’être de l’étant . لهذا وجدنا المنهج الفينومينولوجي يستجيب لمطلب إظهار المستتر في كنهه، أي إظهار المنسحب أو المنسي أو المقنّع.
2- المنهج الفينومينولوجي لدى هوسرل:
2-1 هدف المشروع الفينومنولوجي:
هناك سمتان طبعتا المسار الفكري لهوسرل: حرصه الشديد على الدفاع عن مواقفه وطروحاته في مواجهة نقاده وخصومه، ومن جهة أخرى ممارسته للنقد الذاتي واستعداده الدائم لمراجعة فكره وإعادة النظر في أفكاره عندما تبدو غير مؤسسة بشكل كاف. هاتان السمتان تجعل الخاصية الأساسية للفينومينولوجيا الهوسرلية هي الحركة الدائبة للهدم وإعادة البناء. وستبلغ هذه الحركة أوجها في كتاب هوسرل الأخير :"أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية". وهو الكتاب الذي سيعلن فيه عن الغاية من مشروعه الفينومينولوجي، بما هو الفلسفة القادرة على إخراج الفكر الغربي الحديث من "أزمة المعنى والتوجه". وهي أزمة يربطها بسيطرة العلوم الحديثة ذات النزعة الموضوعية. لقد أصبحت نظرة الإنسان الحديث إلى العالم ابتداء من النصف الثاني من القرن 19 تتحدد بكيفية شبه تامة من قبل الأسلوب الذي تتبعه تلك العلوم في تناول موضوعاتها ومعالجتها. ولقد نجم عن ذلك التخلي عن الأسئلة الحاسمة بالنسبة للإنسان واتخاذ موقف اللامبالاة منها. وهي في عمقها أسئلة مرتبطة بمصير الإنسان، وبمعنى وجوده، وبطبيعة علاقته بالمحيط، ودور العقل في الحياة. إن العلوم الطبيعية لا تهتم بهذه الأسئلة لأنها واقعة في أسر النزعة الموضوعية التي تقوم على استبعاد كل ما هو ذاتي من اهتماماته. إذ العلمية حسب المعيار العلمي السائد، تقتصر على ملاحظة الوقائع وتسجيلها، وهذا ما يؤدي إلى استبعاد الأسئلة الأساسية المتعلقة بالوجود الإنساني، ويجعل تلك العلوم عاجزة عن مساعدة الإنسان في إعطاء معنى لحياته وأفعاله وتوجيهها.
المظهر الثاني لأزمة العلوم الحديثة يتمثّل في افتقارها إلى الوحدة وإلى الرابط الموحّد بين مختلف تخصصاتها. وهذا المظهر الثاني يربطه هوسرل باستقلال العلوم عن الفلسفة، وهو يعكس في الوقت ذاته أزمة الفلسفة ذاتها والناجمة عن تخليها عن معناها الأصلي والدي يجعل منها معرفة صارمة ومؤسسة على منطلقات راسخة، معرفة تنفذ بعمق إلى كل أشكال الحياة الإنسانية وتطبع ميادينها، فتقوم بوظيفتها المتمثلة في توجيه حياة الإنسان وفقا لمعايير العقل وفي استقلال عن الأحكام المسبقة. إن فقدان الثقة في الفلسفة بما هي علم كلّي منذ عصر النهضة، هو الذي أدى إلى فقدان الثقة في العقل وفي قدرته التوجيهية للممارسة التاريخية للإنسان. وتحتد أزمة الفلسفة مع هيمنة النزعة الموضوعية على العلم ووضع الطابع العلمي والصارم للفكر الفلسفي موضع شك. وخطورة مثل هذا الموقف حسب هوسرل تتمثّل في كون أن التشكيك في علمية الفلسفة هذا يؤدي إلى الطعن في مصداقيتها مما يترتب عنه التخلي عن القضايا التي تنتمي إلى دائرة الفلسفة، وهو الذي يعني التخلي عن الأسئلة الكبرى للوجود البشري، أسئلة الحرية والمعنىوالتاريخ، والوقوع في أسر الحاجات اليومية للحياة العملية وآفاقها الضيقة. أزمة أوروبا إذن هي أزمة فقدان المعنى وتحديد الغاية، وهي في الوقت ذاته أزمة الفلسفة والعلم بما هما المبدأين المؤسسين للحضارة الغربية.
إن إثبات إمكانية تحقيق الفلسفة كعلم صارم، وإثبات ضرورتها في زمن سيادة العلم، تطلّب من هوسرل الكشف عن جذور النزعة الموضوعية التي تطبع العلوم الحديثة، والعمل على تعرية افتراضاتها غير المعلنة. تقوم هذه النزعة على تأويل خاطئ للعلم، مؤداه أن علم الفيزياء الرياضي الحديث هو النموذج الوحيد للعلمية، وهو صالح بل وملزم لجميع العلوم والمعارف بما في ذلك العلوم الإنسانية والفلسفة. وهذا ما جعل هوسرل يبرز حدود النموذج الرياضي الفيزيائي واستحالة تعميمه على كل المجالات، وذلك عبر القيام بتحليل فينومينولوجي تكويني عمل على التذكير بالإنجازات والحوافز الأصلية التي انبثقت عنها الفيزياء والتي تم نسيانها من قبلها. هذا الأساس المنسي للعلم والذي يوجد في أصل أزمته هو ما يسعى التحليل الفينومينولوجي إلى الكشف عنه بجعله يتكلم ويفصح عن نفسه. فماضي العلم-منظورا إليه من زاوية فينومينولوجية- يعيش في حاضره على شكل ترسبات. ومنطلق التحليل الفينومينولوجي للعلم هي وحدات المعنى التي تم بناؤها في الوعي، حيث يجب استنطاقها ومساءلتها عن تكوينها وتاريخها وذلك عبر الصعود إلى الإنجازات والحوافز الأصلية التي انبثقت عنها تلك الوحدات الدالة والبداهات الأولى التي استندت إليها. ليس التحليل الفينومينولوجي إذن سوى محاولة تأويلية تريد النفاذ إلى القصدية الحية التي توجد في أساس علم ما، وتعرية للمسبقات وكشف للافتراضات الخفية التي تحملها قصدية العالم والتي تحدد مسار تفكيره وأبحاثه دون أن يكون واعيا بها.
2- 2- دلالات وخطوات المنهج الفينومينولوجي:
يقدّم المنهج الفينومينولوجي ذاته باعتباره مجهودا لتجاوز الثنائيات الميتافيزيقية وفي مقدمتها ثنائية الذات والموضوع. ويقوم هذا المسعى من جهة على رفض النزعة الموضوعية التي تختزل المعنى في الموضوع المعطى، كما تقوم من جهة أخرى على رفض النزعة السيكولوجية التي تختزل المعنى في الذات. ولهذا فهي كمنهج تسعى إلى الربط بين الذات والموضوع بحيث المعنى لا يوجد في العالم بشكل مستقل عن الذات، كما أنه لا يوجد في الذات أو الوعي بشكل مستقل عن العالم. بل المعنى يتشكّل في انفتاح الذات عن العالم. هكذا فموضوعات الإدراك والتفكير والإحساس لا توجد بشكل موضوعي خالص، كما لا توجد بشكل ذاتي خالص، بل توجد كما يقول هوسرل في العلاقة التي يقيمها الإنسان مع العالم. وفي هذه العلاقة ومن خلالها يتم التفكير في المعنى، معنى الأشياء، ومعنى الحياة الإنسانية. وهي معاني يتم الولوج إليها عير إدراك الوجود والحياة في ماهيتهما السابقة على كل معرفة وإدراك. وهي معاني تعطى للإنسان في تجربته المعيشية اليومية. لهذا فالمسعى الفينومينولوجي من حيث دلالته العامة، يتحدد باعتباره مجهودا موجها كله نحو استرجاع الماهية الثاوية وراء الأشياء، ولكن الحاضرة في التجربة التي يكونها الإنسان عنها. لهذا كان المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه هذا المنهج، يتمثّل في الدعوة إلى"الرجوع إلى الأشياء ذاتها"، أي إلى حدوسها الأصلية. وتعني هذه العودة رفض كل ادعاء بامتلاك الحقيقة أو العلم، ورفض اختزال الإنسان إلى أي حقيقة كيفما كانت بيولوجية أم سيكولوجية أم سوسيولوجية؛ لأن كل ما يعرفه الإنسان عن الحياة والوجود يتم انطلاقا من منظور معين، وزاوية خاصة، وتجربة فريدة. وأساس المعرفة والعلم هو عالم العيش هذا، أو عالم التجربة المعيشية الأولى. العودة إلى الأشياء ذاتها هي عودة إلى هذه التجربة التي هي بمثابة ماهية قبلية حيث كل معرفة وكل علم يكون لاحقا وتابعا لها على غرار تبعية علم الجغرافيا إلى تجربة المشهد أو المنظر، حيث معاني الغابة والسهل والجبال والوديان يتلقاها الإنسان في تجربته المعيشية قبل العلم بها بواسطة الجغرافية. يدعونا مبدأ العودة إلى الأشياء في ذاتها إلى الإخلاص لتجربة الإنسان في الحياة ومحاولة وصفها دون البحث عما يجعلها ممكنة أو حقيقية. فالعالم ليس هو ما أفكر فيه أو ما أدركه، وإنما هو الفضاء الذي أعيش فيه وأحياه في الوقت نفسه. فأنا منفتح على العالم وأتواصل معه لكنّي لا أمتلكه لأنه غير قابل للاستنفاد. فمعنى الأشياء والعالم يخترق لغاتنا وخطاباتنا ومواقفنا، ويجب أن نعرف كيف نلتقط هذا المعنى. المنهج الفينومينولوجي إذن هو دراسة للمعاني، أي للماهيات. والماهية توجد كإمكانية، أي أنها مجال لبناء المعنى انطلاقا من تعدد المظاهر التي يقدّمها لنا الشيء موضوع الإدراك. والقول بأن الماهية هي بمثابة إمكانية الهدف منه هو نزع عنها صفة الوجود الموضوعي الخالص، وإثبات لها صفة الوجود القبلي أو البينذاتي الذي يجعلها لا تنكشف إلا في علاقة الموضوع بالذات. إنها أشبه بعقل أو لوغوس محايث للوجود، أو هو أشبه بالمعنى القبلي الذي تسعى الذات أن تدخل في إطاره الوجود. وعليه فالماهية لا توجد منفصلة عن الموضوع أو الظاهرة ولكنها تؤسسه وتشرطه وتسبقه. ولتحديد الماهية ووصفها، يلتجئ هوسرل إلى أحد المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها المنهج الفينومينولوجي والذي استعاره من برنطانو وهو مفهوم القصدية. ويفيد هذا المفهوم في الاستعمال الهوسرلي أن الوعي هو دوما وعي بشيء ما toute conscience est une conscience de quelque chose ، فمن غير الممكن دراسة الوعي بشكل مستقل عن الموضوع ولا دراسة الأشياء في استقلال عن الوعي، إذ الموضوع يستمد معناه من الوعي الذي يقصده. وعليه تصبح الماهية مرتبطة بانفتاح الوعي على الموضوع ولا وجود لها خارج ذلك الوعي. وهذا ما يجعل الفينومينولوجيا تحدث خلخلة
جذرية في مطرح السؤال الفلسفي حيث تنقله من سؤال الماهية إلى سؤال القصدية. لكن الماهية التي يقصدها التحليل الفينومينولوجي ليست ثابتة بل تتميز بطابع دينامي، فهي ليست مستقلة عن الوعي الذي يقصدها ولا عن الموضوع الذي تؤسسه. فهي تقتضي إذن الإقرار بوجود تلازم بين الذات والموضوع، وهذا التلازم هو الذي تطلق عليه الفينومينولوجيا "القصدية الأصلية". وللولوج إلى هذه القصدية يوظف هوسرل مفهوما آخر أساسيا هو مفهوم "الاختزال الفينومينولوجي". فانفتاح الوع
أغسطس 11th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية,
أغسطس 11th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية,










