أفول المتعالي وأزمة الحداثة الغربية: العدمية وتجاوز الميتافيزيقا

أغسطس 13th, 2002 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية

2- العدمية وتجاوز الميتافيزيقا:
ليست مسألة العدمية مشكلة تاريخية. أي ليست واقعة تاريخية عادية على غرار الوقائع التاريخية الأخرى في تاريخ الإنسان، بل هي صارت اليوم مسألة مصيرية. وإذا كانت العدمية لازالت شغالة وفاعلة وراهنية، فإن هذا يمنع كل محاولة تريد تقديم الحصيلة النهائية والحصاد الكامل. لكن تبقى مسألة البحث والمساءلة والسعي لفهم إلى أي مدى وصلت العدمية ؟ وما هي الاختيارات التي تقودنا نحوها ؟ وما هي الحلول التي تدفعنا باتجاهها ؟ تبقى مسائل وتساؤلات مشروعة وواجبة. ويمكن أن نحدد موقفنا من العدمية، انطلاقا من الموقف الذي بلوره نيتشه في فلسفته والذي يطلق عليه عبارة "العدمية المكتملة" le nihilisme accompli[1]. وتمثّل هذه الشكل الرابع للعدمية في فلسفة نيتشه[2]. وهو شكل العدمية الذي يعتبره نيتشه إيجابيا وفاعلا، ولا يتردد الإعلان عن انتمائه إليه. فهو يقول عن نفسه بأنه بمثابة أكبر عدمي في أوروبا، إنه "الذي جرّب العدمية وعاشها، وذاق مرارتها، وأحسها واستشعرها في داخله، ومن حوله، ومن تحته، ومن فوقه"[3]. تحت مظهرها الإيجابي تؤكد هذه العدمية ليس ما هو معطى وسائدا، وليس مثالا أو نموذجا مفارقا (المثل الأعلى الزهدي )؛ ولكن مبدأ حيويا لتقدير القيم. أي إرادة قوة بما هي معيار جديد للتقويم والتأويل، وبما هي تيبولوجيا وسيميولوجيا تتعامل مع الخطابات والنصوص والظواهر كشبكات من الاستعارة والمجاز، أو كنسيج من العلامات والأعراض، أو كألاعيب من القوة والرغبة، أو كأفخاخ من الخدع والفجوات. ويرى نيتشه بأن العدمية حينما تدرك على هذا النحو، فإنها تكون قد عثرت على ماهيتها التوكيدية، فيصبح لها مفعولا تطهيريا يمكّنها من تصعيد كل المظاهر التي تجعلها غير مكتملة. وهي ثلاثة مظاهر أساسية: الذّحلle ressentiment والوعي الشقي la conscience malheureuse والمثل الأعلى الزهدي l’idéal ascétique[4]. بل إنّ العدمية حينما تصل إلى هذا المستوى من التحول والتصعيد يمكن أن تشكّل فضاءا جديدا للتفكير[5]، وإمكانا جديدا للحياة والوجود [6].
إن العدمية بهذا المعنى الإيجابي الجديد، تعتبر آخر فرصة تتاح للإنسان، لكنها لا تخلو من مجازفة. فهي تشير إلى الوضعية التي "يتدحرج فيها الإنسان خارج المركز"[7]. وهذا التعريف الجديد الذي يقدّمه نيتشه للعدمية، يجعلها تلتقي مع تعريف هيدغر لها، بما هي العملية التي من خلالها وفي نهايتها "لا يصير هناك شيء" بالنسبة للوجود[8]. لا يتعلق الأمر هنا بمسألة نسيان الوجود من قبل الإنسان –وهي المسألة المحددة للميتافيزيقا عند هيدغر-، إذ العدمية ليست مجرد تيه، وليست أحد مخلفات التيه، ليست مجرد كذبة أو وهم معرفي. فالمسألة تتجاوز الإنسان وليست محصورة في الجانب السيكولوجي أو السوسيولوجي. فإذا كان الإنسان يتيه خارج المركز في اتجاه اللامكان، فلأنه لم يعد هناك وجود أو مأوى للإنسان. وفي هذه الحالة تصبح العدمية حالة عامة للوجود ومحمولة عليه، وليست محصورة في الإنسان وحده. هكذا وفيما وراء الأسس النظرية المختلفة يلتقي نيتشه وهيدغر في تصورهما لمضمون العدمية وأنماط تجلياتها. للوهلة الأولى يبدوان مختلفان بل متباينان: فالعدمية لدى نيتشه يمكن أن تلخّص في "أفول المتعالي" أوفي "تبخيس القيم العليا"، بينما بالنسبة لهيدغر فالكائن ينعدم بتحوّله إلى قيمة[9]. في التصور الهيدغري يوجد ما وراء ممكن للعدمية وهو مرغوب فيه، بينما في التصور النيتشوي لا مناص من تحقيق العدمية واكتمالها، إذ السير بها إلى حدودها القصوى هو كل ما يمكن انتظاره وتوسّله. إن التموقع داخل المنظور النيتشوي، يقتضي إدراج تصور هيدغر- بما هو محطة أساسية- في إطار تاريخ حدث تحقق العدمية المكتملة. ولن تكون العدمية في هذه الحالة غير الفكر مافوق الميتافيزيقي la pensée ultra-métaphysique الذي يعمل هيدغر  بدورهعلى تحقيقه. فما هي إذن الدلالة العميقة لهذا التقارب بين الدلالتين: أفول المتعالي واختزال الوجود إلى القيمة ؟. من وجهة نظر هيدغر تبدو العدمية بمثابة الادعاء غير المشروع بأن الكينونة فقدت ماهيتها كأساس، وصارت خاضعة لسلطة الذات بما هي المانحة للقيمة. فيصبح للوجود بموجب ذلك قيمة تبادلية. وهذا الفهم للعدمية يجعلها قريبة من معنى أفول المتعالي النيتشوي. فهذا المعنى الأخير يؤكد على أن الأفول موضوعه الأساسي هي القيم العليا المقدّسة وحدها، ولا يطال ذلك الأفول كل القيم. بمعنى أن الموجودات والكائنات لا تفتقد معانيها بصفة نهائية، وإنما بالأحرى تصبح معانيها متحرّرة من هيمنة القيم العليا بما هي المحددة، فتتحرّر طبيعة القيمة. ينجم عن هذا أن العدمية ليست سوى عملية صيرورة القيمة الاستعمالية قيمة تبادلية، وإحلال الثانية محل الأولى. ليست العدمية هي وقوع الوجود تحت سلطة الذات، ولكنها انحلال الوجود والموجودات في سيلان وجريان القيمة[10].  وهو السيلان الذي جعل الأشياء تفتقد قيمتها الأصلية، ومعانيها الكنهية، لتصير خالية من المعنى ومفتقرة إلى القيمة.
إذا حاولنا الآن-وبعد تحديدنا لموقف كل من نيتشه وهيدغر من العدمية وضرورة تجذيرها كأفق وحيد للخروج منها- أن نتساءل عن طبيعة الموقف الذي اتخذته الفلسفة المعاصرة من هذا الحدث ؟ وكيف واجهته ؟ فسنجد أن المشهد الفلسفي المعاصر يبدو ملتبسا: فالماركسية بمختلف تلويناتها النظرية، قد حلمت بإمكانية استرجاع القيمة الاستعمالية المستلبة، وذلك عبر خيار الممارسة السياسية. فالمجتمع الاشتراكي تتحدد هويته باعتباره المجتمع الذي يتحرر فيه الشغل من خصائصه المستلبة التي يجسّدها السوق الرأسمالي بقيمه التبادلية. بيد أن تحرير الشغل من الاستيلاب يمرّ –داخل الموقف الماركسي- عبر وسائط سياسية معقّدة تجعل من ذلك التحرر إشكالا لا يستطيع أن يتخلّص من الصورة المثالية للإنتاج الفني. وفي الحقيقة لقد ظلت نظرة الماركسية للممارسة الإنتاجية خاضعة لغواية وتوجيه النموذج الفني للممارسة. ويمكن للقارئ الوقوف على هذا بالرجوع إلى كتاب"الرأسمال".
هناك أيضا الموقف الذي يدافع عما يسمّى بالعلوم الروحية ضد العلوم الطبيعية. حيث تسعى الأولى إلى الدفاع عن كل ما له قيمة استعمالية، ضد التيار الجارف للعلوم الطبيعية المتمثّل في تحويل القيم الإنسانية إلى قيم تبادلية.
ثم هناك الهيرمنوطيقا المنحدرة من هيدغر والتي تمتد إلى غادامير، تحاول أن تبلور تصوّرات تكاد تجعل من العدمية الفرصة الوحيدة المتاحة أمام الفكر المعاصر للخروج من العدمية بما هي أزمة أسس [11].
وفي الفينومنولوجيا لا زالت تهيمن الحاجة إلى تجاوز القيمة التبادلية باتجاه القيمة الاستعمالية. ينطبق هذا على هوسرل كما ينطبق على هيدغر خاصة في مؤلفه "الوجود والزمن". وبصفة عامة فالمشهد الفكري المعاصر مضطرب، إذ توجد به عناصر ثقافية كثيرة تعمل بلغة نيتشه على مقاومة اكتمال وتحقق العدمية. غير أنه إلى جانب ذلك وربما ضده، توجد محاولات تسير في الاتجاه الذي يعمل على تسريع تفكك العدمية التي وصلت في بعض قطاعات الثقافة إلى أوجها واكتمالها. وهذا الحدث هو ما يتطلب من الفكر الانتباه إلى الآفاق الممكنة التي تفتتحها "العدمية المكتملة". فمن زاوية هذه العدمية، تبدو ثقافة القرن الحالي تشهد بداية انهيار المشاريع التي تروم التأصيل أو استعادة الأصولla réappropriation[12]. وهكذا فالمنظور القائم على ادعاء إعادة التملك والتأسيس-سواء اتخذ شكل الدفاع عن قطاع محرّر من القيمة التبادلية، أو شكل طموح إلى إعادة تأسيس الوجود الإنساني على أساس القيمة الاستعمالية-لم ينهار فحسب على مستوى الممارسة العملية(أفول التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي سابقا)، بل إن ذلك المنظور قد بدأ يفقد بشكل تدريجي دلالته المعيارية المثالية، تماما كما حدث للمتعالي مع نيتشه. لقد أفل ذلك المتعالي لأن المعرفة لم تعد في حاجة لكي تصعد إلى المبادئ الأولى والعلل النهائية. كما لم يعد الإنسان في حاجة إلى الاعتقاد في الخلود والخلاص. بل حتى لو افترضنا بأن المتعالي قد أفل باسم الحقيقة ذاتها التي سبق له أن رسخها كحقيقة نهائية ومطلقة، فمع أفول المتعالي فإن الحاجة إلى الحقيقة ذاتها لم يعد لها من معنى. وما ذلك إلا لأن شروط الحياة –في ظل التطور العلمي والتقني-أصبحت أقل اعتباطا وبالتالي أقل مرضا. ففي هذا التأكيد على سطحية القيم النهائية وتبخّر المعاني المؤسسة تتجذّر وتترسّخ "العدمية المكتملة"[13]. إذ انهيار المحكيات الكبرى les métarécits[14]وخسوف القيم المقدّسة ليس دعوة لإقامة ألواح قيم جديدة، إذ لا يتعلق الأمر بإعادة التملّك والتأسيس. لأن ما صار سطحيا ولا غيا هو فكرة الأساس ذاته."فوراء كل كهف يوجد كهف آخر يثوي خلفه أعمق من سابقه، وتحت كل سطح يوجد عالم خفي أرحب وأغنى وأغرب، وتحت كل الأعماق هناك ما هو أعمق"[15]. التجربة التي تنفتح أمام "العدمي المكتمل"، ليست تجربة الاكتمال، أو الامتلاء، أو الانتصار، تلك التي تستلهم القيم التي أبخستها الميتافيزيقا، فتعتبرها قيما عليا. والحقيقة أن ردّ الفعل كان يتخذ باستمرار هذه الصورة. ف"أفول المتعالي" و"خسوف القيم العليا" كان يدفع إلى المطالبة بقيم "أكثر عدلا وصدقا"، مثل قيم الثقافات المهمّشة، أو الثقافات الشعبية، أو الفنون..وليست هذه القيم بمنجى عن المرض والميتافيزيقا. إن "العالم الذي صارت فيه الحقيقة خرافة"[16] يجب أن يكون فضاء لتجربة ليست أكثر مصداقية أو أصالة من تلك التي أقامتها الميتافيزيقا، وذلك لأن الأصالة أو المعاصرة وإعادة التملك تسقط بدورها مع سقوط المتعالي. وهكذا فأفول المتعالي وخسوف الدلالات الكبرى الأخلاقية والسياسية والدينية لا تشكّل لحظات كارثية وانحطاطية فحسب، بل يجب الالتفات إلى تحدياتها، والإصغاء إلى نداءاتها بما هي مؤشرات على إمكان تجربة إنسانية جديدة. ونحن نزعم بأن فلسفة كل من نيتشه وهيدغر تشكّل أوراشا لإنماء مثل هذه التجربة، وبلورة "سياسة جديدة للفلسفة" تتخذ عند الأول صورة "فلسفة الصباح"أو "فلسفة المستقبل"، وتتخذ عند الثاني صورة "فلسفة الامتنان" أو "البدو الجديد"[17].
إن أول فيلسوف أثار قضية "تجاوز" الميتافيزيقا بما هي تجسّد فكر الحداثة بامتياز، باتجاه فكر ينقلنا إلى "ما بعد الحداثة" uberwindung هو نيتشه وليس هيدغر. هذا بالرغم من أن نيتشه لم يستخدم مفهوم ما بعد الحداثة، إلا أن مضمونه نشأ في أحضان فلسفته، وبالضبط في المسافة الفاصلة بين "اعتبارات في غير أوانها"، و"إنسان مسرف في إنسانيته" وباقي المؤلفات اللاحقة. ونحن نعتقد بأن هذه المسافة تسجّل بداية انعطاف جذري في مسيرة نيتشه الفلسفية. ففي "الاعتبارات الثانية" المتعلقة بالتاريخ، حاول نيتشه ولأول مرة أن يبلور إشكالية الفكر الحديث المرهق بداء تخمة الوعي بالتاريخ في القرن 19، والذي كان يعيق تجديد شروط الفعل التاريخي، ويقف حائلا دون القدرة على إبداع أسلوب أصيل خاص بعصر الحداثة، ومتحرر من العودة الحنينية إلى الماضي. ولقد كان نيتشه في هذه الحقبة من التفكير يعتقد بأن الغرب يستطيع الخروج من ذلك المرض عبر الاستنجاد بقوى "ما فوق تاريخية"، واستلهام الروح الدينية الديونيزية والفنية خاصة الموسيقى الفاغنيرية. و"إنسان مسرف في إنسانيته" سيسجّل انعطافا جديدا في فكر نيتشه بما هو بداية تصفية الحساب مع فاغنير، والتخلي عن تطلّعاته التنويرية وعن الاعتقاد في القوة الإصلاحية للفن. هذا المؤلف إذن هو الذي سيغيّر بعمق موقف نيتشه من "المرض التاريخي للعصر" بما هو أهمّ مؤشّر على مأزق الحداثة الغربية. وإذا كان هذا التغير لن يعثر على صورته الواضحة والناضجة إلا في آخر حياته، في شذرات متأخرة، وفي رسالته المشهورة إلى صديقه "بوركارد" التي يعلن في أحد مقاطعها بأنه صار في عمقه "متماهيا مع كل أسماء التاريخ"[18]. إلا أنه ابتداء من"إنسان مسرف في إنسانيته" سيطرأ تغير على نظرة نيتشه إلى مرض العصر بما هو انحطاط للحداثة، حيث لن يستنجد بالقوى المفارقة للتاريخ، بل سيعمل على تفكيك الحداثة عبر تعميق وتجذير الميولات العدمية التي تخترقها. فإذا كانت الحداثة تتحدد كعصر التجاوز والتجديد، أي كعصر لا يتوقف عن التجديد، حيث كل شيء جديد ما أن يحلّ إلا ويشيخ ويجد نفسه متجاوزا من قبل جديد آخر، وذلك وفقا لحركة تتكرر بشكل غير قابل للاستنفاذ. حركة لا تني عن بعث اليأس في جدوى الفعل التاريخي الخلاق، لأنها تحيله إلى ضرورة وتفرضه كصيغة أحادية للحياة[19]. إذا كان هذا هو حدّ الحداثة، فإن هذا سيجعل من المستحيل الخروج من مأزق الحداثة عبر حركة التجاوز والتصحيح، وهو المسار الذي سار فيه فلاسفة التنوير واليسار الهيجلي[20]. جدّة موقف نيتشه تتمثّل في البحث عن مسلك آخر متميّز غير التجاوز الجدلي، وذلك عبر تعميق التحلل والدفع بشروخات الحداثة إلى حدودها القصوى. وهذه العملية التفكيكية اتخذت في "إنسان مسرف في إنسانيته" صورة "التحليل الكيماوي" للقيم العليا للحضارة الغربية وذلك بتفتيتها إلى عناصرها الأولية بعيدا عن أي محاولة تروم التصعيد أو التجاوز. إن متابعة إنجاز برنامج التحليل الكيماوي يؤدي إلى اكتشاف أن الحقيقة التي تمنح المشروعية لذلك التحليل تصبح بدورها قيمة منحلّة ومفكّكة. فالاعتقاد في تفوّق الحقيقة على اللاحقيقة فرض نفسه في ظل ظروف وشروط حيوية معينة- مثل الشعور بانعدام الأمن- لم تعد الآن موجودة. كما أنها تتأسس على الاقتناع بأن الإنسان يمكن له أن يعرف "الأشياء في ذاتها". لكن التحليل الكيماوي لعملية المعرفة سيكشف بأن المعرفة ليست سوى سلسلة من الاستعارات، أي ليست سوى عملية استعارية تجعل ادعاء تملّك الحقيقة مجرّد ادعاء زائف وباطل. ذلك لأن الاستعارة بطبيعتها تنتقل من الشيء إلى الصورة الذهنية، ومن هذه إلى الكلمة التي تعبّر عن الحالة النفسية للفرد، ومنها إلى الكلمة المفروضة كصدق عبر الاصطلاحات الاجتماعية. وعبر هذا التحليل الكيماوي تتفكك الحقيقة بما هي مثل أعلى. ومع تفكك الحقيقة يلوح في الأفق إمكان الخروج من "مأزق الحداثة". ذلك لأن عدم الاعتقاد في الحقيقة، يؤدي بالضرورة إلى تقويض فكرة الأساس والتأسيس. أي سيجعل من المستحيل الخروج من مأزق الحداثة عبر التجاوز النقدي، أي عبر نقد الأسس القديمة وبناء أسس جديدة. وهذه هي لحظة نشأة "ما بعد الحداثة" في فلسفة نيتشه. وهو حدث مثله مثل حدث "أفول المتعالي" لا زلنا لم ننته بعد من تقدير كل دلالاته وأبعاده. وأحد نتائجه الأولى ظهرت معالمه الأولى في "العلم المرح"، وتمثّل ذلك في فكرة "العود الأبدي للمثل"[21]. وهي فكرة تدلّ من بين ما تدلّ عليه، على نهاية عصر النفي الجدلي والتجاوز، أي نهاية عهد الوجود المفكّر فيه بمصطلح الجدّة والتجديد. بل إن تيتشه في شذرات متأخرة، يعتبر فكرة العود الأبدي هي ما به يتم تعميق العدمية والخروج منها في الوقت ذاته[22].إنه ليس بفكر عادي وإنما هو بمثابة "فكر الأفكار". إنه الفكر الأكثر ثقلا ووزنا وقيمة، لهذا وجدناه يأتي في نهاية العدمية بما هو الشكل المسرف للعدمية المكتملة[23]. إنه بمثابة المعيار الجديد للتقويم، ليس للأشياء فحسب وإنما بالأحرى للإنسان. فقيمة الإنسان يتم اختبارها بمقدار القوة والحرية والحقيقة والسعادة التي يستطيعها[24]. تكتسي فكرة العود الأبدي لدى نيتشه ثلاثة أبعاد: البعد الأول أنطولوجي، إذ هي موجّهة ضد الغائية. فهي تضع موضع تساؤل التصور الميتافيزيقي للعالم حيث تسعى إلى تعريته من طابعه اللاهوتي والإنسي، وتأكيد طابعه الكاووسي كضرورة، وذلك عبر هجر فكرة القانون والاستقرار والدوام[25]. إنها تعني دمغ العالم بمسحة د

المزيد


إشكاليات فلسفية: نماذج من تصورات الفلسفة للمجال السياسي

سبتمبر 4th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية

          

 أ-الفلسفة القديمة:

  أ-1-التصور السفسطائي:

 لقد نشأت السفسطة داخل مجتمع يسوده النظام الديمقراطي ابتداء من القرن6.ق.م. وتعتبر نظرية بروتاغوراس السياسية أهم مساهمة في بناء النظرية الفلسفية في السياسة. لكن هذا الموقف لا تعرّف عليه إلا من خلال محاورة "بروتاغوراس" لأفلاطون.

السجال الذي يدور بين بروتاغوراس وسقراط - الناطق بلسان أفلاطون - في هذه المحاورة، يندرج ضمن السجال السياسي الإغريقي. مما يعني أن الفلسفة السفسطائية اكتشفت بشكل مبكّر التجربة السياسية كإشكال فكري تجلّى في تعدّد أشكال ممارسة السلطة. لقد أدركت هذه الفلسفة أن الفضاء السياسي هو فضاء الصراع من أجل السلطة، وذلك بحكم نزوع كل فرد داخل المدينة إلى إشباع رغباته المتنوعة والمتجدّدة. وهذا ما يجعل تلك الرغبات  هي رهان الصراع السياسي: إذ كل فرد يرغب في ذات الإمتيازات التي يرغب فيها الآخرون مثل:الثروة، الحظوة، المكانة…وهذه مصدر الصراعات المختلفة داخل المدينة.

الإشكال الفلسفي السياسي الذي كان مدار السجال بين بروتاغوراس وسقراط يمكن صياغته على النحو التالي: هل الولوج إلى السلطة السياسية يجب أن يكون حقا مشاعا بين مختلف أعضاء المدينة وبدون استثناء، أم أن هذا الحق هو خاص، وأن السلطة يجب أن تكون من اختصاص النخبة التي لها دراية بالمجال السياسي؟

لقد كان موقف بروتاغوراس يقوم على التأكيد على ضرورة المساواة بين المواطنين في الحقوق السياسية، بحيث يكون من حق كل فرد مواطن أن يشارك في اتخاذ القرار السياسي داخل المدينة. لهذا وجدناه يعارض موقف سقراط الذي يحصر السلطة في النخبة. وهذا الموقف هو الذي سيدافع عليه أفلاطون في الجمهورية. وهو موقف يقوم على تقريظ الفيلسوف باعتباره المؤهّل الشرعي لحكم المدينة، لأنه يجسّد في نظره، الأساس العقلاني الذي تقوم عليه المدينة. رهان السجال السياسي إذن، يتعلق بمدى كفاءة المواطنين السياسية. مما يعني أن السجال يضع موضع تساؤل الأساس الذي تتأسس عليه الديمقراطية الأثينية: هل من حق جميع المواطنين أن يتلقوا تربية وتنشئة تمكّنهم من المشاركة في تدبير الشأن العام للمدينة، أم أن هذا الحق أرستقراطي يجب أن يظل محصورا في ذوي الكفاءة؟ بتعبير آخر: ما هو النموذج الفكري والمعياري الذي يجب استلهامه في تدبير الشأن السياسي: هل هو النموذج التقني، الذي يقوم فيه التدبير والفكري في إيجاد الحلول لمشكل المدينة بالاحتكام إلى آراء ذوي الاختصاص والخبرة، أم أنه يجب أن نعتبر بأن كل فرد عاقل مسؤول وبالتالي فمسألة التدبير هي مسؤولية الجميع؟

في الجزء الثاني من المحاورة، يقدّم لنا بروتاغوراس موقفه النهائي من هذه المسألة. فكل المواطنين-في نظره- يجب أن يساهموا بطريقة كفأة ومسؤولة في تدبير شؤون المدينة، لأن الشأن العام مسألة تهم الجميع، إذ فيها يتم تقرير مصير الإنسان. ولأنه بدون مشاركة الجميع لن تكون هناك "المدينة" بما هي الفضاء الذي تسوده الروح المشتركة. فالمدينة في منظور بروتاغوراس السفسطائي، ليست مثالا لا يمكن بلوغه، وإنما هي نموذج في متناول الجميع، يمكن تعليمه وتلقينه وتنشئة الناس عليه. فالفضيلة السياسية ليست فطرية تولد لدى البعض دون الآخرين، إذ الإنسان لا يولد وهو حيوان سياسي، بل هو يكتسب الفضيلة السياسية وبالتالي فن التدبير المشترك للحياة العامة.

ب- 2-التصور السقراطي:

يعارض سقراط هذا التصور السفسطائي بالسؤال التالي: ما هي الغاية من الفعل السياسي؟ وهل السياسة يجب أن تتأسس على الرغبة؟ وإذا افترضنا بأن ذلك ممكنا، فهل تستطيع السياسة أن تؤدي إلى إشباع الرغبة الإنسانية؟

حسب سقراط فإن الموقف السفسطائي ينتهي إلى إقامة تماهي بين الإنسان والحيوان، وذلك حين يجعل من الرغبة غاية الفعل السياسي. فمن المعروف أن الحيوان يتحدد باعتباره الكائن الذي تحرّكه الرغبة. ثم إن السلطة السياسية كيف ما كان نوعها لا تستطيع أن تشبع الرغبة الإنسانية لأنها متناقضة من حيث طبيعتها، وبا

المزيد


إشكاليات فلسفية: إشكالية العلاقة بين الفلسفة والديموقراطية

سبتمبر 4th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية

 

 -  مفارقات الديمقراطية: محنة سقراط

إن تلك المفارقات الملازمة للديموقراطية هي التي تجعل العلاقة بينها وبين الفلسفة علاقة إشكالية. ويمكن صياغة ذلك الإشكال على النحو التالي: إذا كانت الديموقراطية هي الموطن الأصلي للفلسفة - على النحو الذي سنراه فيما بعد-، وهي الفضاء الوحيد الذي يصلح لإقامة الفلسفة، فهل العلاقة التي أقامتها الفلسفة بالديموقراطية هي علاقة تلاؤم وانسجام، أم أنها علاقة لا تخلو من توتر وتناقض وصراع؟

إن تاريخ العلاقة بين الفلسفة والديموقراطية تبين لنا بالملموس بأنها لم تكن علاقة تعايش وتوافق، بل كانت علاقة نقد وتوتر وصراع، تصل أحيانا إلى مستوى من العنف الحاد. وهذه العلاقة المتوترة والعنيفة، هي ما تشهد عليه تجربة الفيلسوف سقراط داخل المدينة الإغريقية التي كانت تمثّل آنذاك أول فضاء لاستنبات تجربة التدبير الديموقراطي للشأن السياسي. فهل استطاعت هذه المدينة الديموقراطية أن تحتضن الفيلسوف داخلها؟ وهل استطاع سقراط أن يستشعر بنوع من الرضى، وأن يحس بنوع من الحرية داخل الديموقراطية الإغريقية؟

إن مشكل سقراط، وشخصيته الفلسفية تطرح في الحقيقة على الفلسفة تحديا كبيرا، ومشكلا غريبا مليئا بالدلالات. فالسقراطية تهيمن على تاريخ الفلسفة إلى درجة التحكم فيه، ولكنها في الوقت ذاته تنفلت من ذلك التاريخ. بتعبير آخر، هناك لحظة تاريخية لسقراط، ولكن لا وجود لتاريخ لسقراط. إن تاريخ الفلسفة بكامله محكوم باسم سقراط، لأن ذلك التاريخ يتحدد انطلاقا من سقراط، فهو يشطره إلى شطرين: ما قبل سقراط وما بعد سقراط. وهذه الأهمية التي يحتلها سقراط راجعة لكونه محرّك ذلك التاريخ ومحوره، إذ مع سقراط سينتهي عصر وسيبتدئ عصر آخر جديد، سواء أخذنا هذه الطفرة أو هذا الانعطاف بمعناه الإيجابي لدىميرلبونتي أم أخذناه بمعناها  السلبي النيتشوي.

لكن ما هي طبيعة فكر سقراط؟ حينما نطرح هذا السؤال فنحن لا نستطيع العثور على جواب عنه. وما ذلك إلا لأن سقراط هو- كما يقول جاك دريدا- "الفيلسوف الذي لا يكتب". إذ كل ما نعرفه عنه قد وصل إلينا بطريقة غير مباشرة عبر تلامذته ومعاصريه. والمشكل الذي يواجه الباحث في فكر سقراط، يتمثل في كون أن الشهادات المتعلقة به، إما أنها تبالغ في رسم صورة سقراط، أو أنها متحاملة تحطّ من شأنه، وتقلّص من باعه. إن هذه الصعوبة المتعلقة بالإحاطة بماهية فلسفة سقراط ومواقفه، هي التي جعلتنا نؤكد على المفارقة الملازمة للظاهرة السقراطية: فسقراط "واقع تاريخي يفلت من التاريخ"، وتأثيره في تاريخ الفلسفة قد

المزيد


إشكاليات فلسفية:إشكالية الجسد بين المادة والروح

أغسطس 23rd, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية

 
إذا ما تتبعنا سلسلة الاستعارات وسيل الإيحاءات التي يوحي بها لفظ "الجسد"، سنلاحظ أنها وبشكل متزامن تحيلنا إلى الحياة والموت، وإلى المادة والروح. فالجسد يمكن أن يشير إلى الجثة الهامدة le corps inerte، كما يمكن أن يشير إلى "الحياة" من حيث ما تمثّله من "مبدأ تنظيم"، وما تبديه من "مقاومة" للعناصر المعادية ولقوى التشتّت والتحلّل. والتنظيم والمقاومة من بين الآليات التي تمكّن الجسد من الحفاظ على شكله ووحدته وعافيته، أي بكلمة واحدة على حياته. بهذا المعنى نقول بأنّ الجسد يشكّل "قوة للإدماج" تعمل على انتقاء وتجميع العناصر في "كلّية منظمة" تقيه من التفكك والتحلل. وهذا يعني أنّ الجسد يوحي لنا بفكرة "عضوية مفكّر فيها تبعا للنموذج الحي"[i]. 
 إنّ هذه المسألة يمكن الوقوف عليها من خلال الاستعارات التي يسمح بها الجسد: فنحن نتحدّث عن الجسد العسكري، أو الجسد الاجتماعي، أو الجسد السياسي، للإشارة دوما إلى مجموعة من العناصرالتي تتعالق فيما بينها بشكل بنيوي لا يخلو من تلاحم داخلي. كما أنّ الجسد بالطبع، وبشكل مباشر يحيلنا إلى "جسد الإنسان" من حيث أنه يدلّ وينطوي على فكرة " إدماج ديناميكي أعلى"[ii].
  إنّ الجسد، منظورا إليه من زاوية هذه الاستعارة الأخيرة، يشير إلى "سلطة الصورة" أو "الشكل" الذي يعمل على "تشكيل المادة" وتنظيمها.
نستنتج مما سبق أن "التقابل بين المادة والروح" بات تقابلا كلاسيكيا لا ينطبق إلاّ على "المادة الجامدة" أو "الروح الخالصة"، وهو يصير أكثر التباسا وغموضا حينما نسعى إلى جعله ينطبق بصفة خاصة على الجسد الإنساني، حيث تفتقد حدود التقابل الآنف الذكر دقّتها.
تقتضي إذن مقاربة الجسد مقاربة فلسفية تعليق "الثنائيات" الميتافيزيقية مثل ثنائية "المادة والروح"، أو ثنائية "النفس والجسد"، لأنّ الجسد يقاوم الاندراج تحت مقولة "المادة" وما يرتبط بها من خصائص مثل المحسوسية، والجاذبية، والامتداد، والتخارج المكاني، والتشتت والتشظّي. كما لا يتقوّم بمقوّمات "الروح" أو النفس مثل اللامحسوسية، والتجريد، والطهارة، والوجود الخالص. إنّ هذه التقابلات أضحت كلاسيكية غير قادرة على تأطير الجسد وإجلائه، لأنّها تعمل على اختزاله في بعد من أبعاده فتنتهي إلى إفقاره وتبسيط تعدّده، حينما تحيله إلى مجرّد "موضوع" من موضوعات المعرفة فتنتهي إلى "تشييئه".
 إنّ "مقولة المادة" إن كانت تنطبق على المادة الجامدة اللاعضوية، فهي تصبح أكثر التباسا حين تريد الانطباق على الجسد الحي، الجسد العضوي. ذات الشيء يقال عن "مقولة الروح" الميتافيزيقية التي لا تستقيم إلا بإفراغ الجسد الحي من كل مقوّماته الذاتية بما في ذلك حركته الذاتية.
 لنقل إذن بأنّه أمام الجسد، تفقد الثنائيات "الميتافيزيقية" دقّتها وقدرتها على التحديد والتسمية. وهذا الذي يفسّر لنا طبيعة الحكم "القاسي" الذي أصدره صاحب "جينيالوجيا الأخلاق" على "تاريخ الفلسفة"، حينما اعتبره بمثابة تاريخ "سوء فهم للجسد"[iii].
لكن إذا كان "الجسد" هو الوجه الآخر المقابل ل"العقل الميتافيزيقي"، إذا كانت سلطة "العقل" داخل الفلسفة قد شيّدت على أنقاض "الجسد" ومن خلال كبت وحجب رغباته، فما ذلك إلا لأنّ الجسد يشكّل فضيحة للميتافيزيقا ولكلّ ادّعاءاتها ومزاعمها المتعلّقة باليقين والتطابق والعقلنة والتحكّم  والخلود…إلخ. لهذا تقتضي مقاربة الجسد مقاربة فلسفية "جينيالوجية"، وكشرط أوّلي، تفكيك ثنائية "المادة والروح"، و"النفس والجسم". ذلك لأنّ الجسد هو قبل كلّ شيء "وحدة" المادة والروح، أو "وحدة" النفس والجسم. إنّ هذه المسألة تبيّن الطبيعة التكوينية والمحايثة للجسد، كما تجلي طبيعته "الديناميكية" حيث تجعل من تنظيمه وحركته وسيرورته مبدأ ذاتيا محايثا للجسد وليس مبدأ مفا

المزيد


أفول المتعالي وأزمة الحداثة الغربية: حلول العدمية

أغسطس 13th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية

مقدمة: 
يروم هذا المقال إبراز التعالق الموجود بين حدث "أفول المتعالي" –والذي يتمثّل في حلول العدمية وشمولها لمختلف مناحي الحضارة الغربية الحديثة المادية منها والفكرية- ودخول الحداثة الغربية في طور أزمة يبدو أنها على عكس مثيلاتها في التاريخ أزمة بنيوية عميقة تطال الأسس والأصول، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإن المقال محاولة للدفاع عن الفرضية التالية: وهي أن العدمية ليست فحسب علة للمرض العضال الذي أصاب الغرب، بل هي أيضا وبالأحرى تشكّل في الوقت ذاته الفرصة ربما الوحيدة المتاحة للغرب للشفاء من مرضه، والخروج من مأزقه. هكذا فالعدمية بقدر ما تمثّل انحطاطا للحضارة الغربية، فهي أيضا وبنفس القوة والدرجة تمثّل الأفق الممكن لتصعيد الحداثة لأزمتها وتجاوز شروخاتها.
إن التفكير في هذه الإشكالية، وصياغة فرضيتها بالكيفية التي أشرنا إليها، تطلّب منا القيام بمحاولة إعادة قراءة كل من فلسفة نيتشه وهيدغر- وهما من أهم الفلاسفة اللذان فكرا في إشكالية العدمية وأزمة الحداثة الغربية، وحاولا أن يبلورا بصددها طروحات وفرضيات تعتبر اليوم في الفلسفة المعاصرة وخاصة في إطار فلسفة "ما بعد الحداثة" من أهم الحلول المقترحة من حيث جدّتها وعمقها وأصالتها. بل يمكن القول مع"هابرماز" بأنها تمثّل المصادر الملهمة لكل التيارات الفكرية التي تروم اليوم تحرير إشكالية "نقد العقل"-وهي الإشكالية المحورية لفلسفة نيتشه وهيدغر حسب هابرماس[i]- من النموذج الأنواري الذي يعتبر ذاته حركة نقد ديالكتيكي[ii] في مقابل النقد ما بعد الحداثي الذي يعتبر نفسه نقدا جذريا للعقل. إن هذه القراءة ستمكّننا من تجاوز بعض الخلافات النظرية البنيوية الموجودة بينهما، باتجاه تأويل يسعى إلى التقريب بين الفيلسوفين خاصة فيما يتعلق بمفاهيم: العدمية، والقيمة،وأزمة الحداثة، وتجاوز الميتافيزيقا أو "ما بعد الحداثة" في الفلسفة. ولقد اقتضت منا عملية التأويل هذه القيام في مستوى أوّل، بنقد القراءة الهيدغرية لنيتشه والتي بموجبها تم تحرير فلسفة نيتشه من الصورة النسقية الدغمائية التي رسختها عنه القراءة السابقة[iii]. وفي مستوى ثان، إعادة قراءة هيدغر من خلال وعلى ضوء فلسفة نيتشه، مستلهمين في ذلك التأويل الذي انتهجه "فاتيمو" في مؤلفه "نهاية الحداثة"، وكذا القراءة التي اعتمدها "هابرماس" في كتابه "الخطاب الفلسفي للحداثة". وهي محاولة جعلتنا نقف على كثير من نقاط التقاطع بين نيتشه وهيدغر، واعتبار فلسفة الثاني استمرارا بل استكمالا وتعميقا للمشروع الجنيالوجي النيتشوي في الفلسفة[iv].
 
1- أفول المتعالي وحلول العدمية:
أفول المتعالي هو العبارة التي أطلقها نيتشه على أعظم وأخطر حدث عرفه الغرب. وهو متزامن في نشأته مع دخول الحداثة الغربية في طورأزمة تعرف ب"أزمة الأسس"أو ب"داء العدمية المزمن". ويعتبر نيتشه أول فيلسوف أدرك هذه الأزمة واستشرف مجيئها قبل حلولها. فهو يقول على لسان الرجل الأخرق الذي أعلن "أفول المتعالي":"لقد حللت قبل الأوان، إذ لم يحن أواني بعد. وهذا الحدث الضخم الذي ما يزال يسري ويسافر، لم يبلغ آذان الناس بعد"[v]. ولقد أذاع نيتشه سرّ خبر "أفول المتعالي" لأول مرة في الجزء الثالث من مؤلفه "العلم المرح"، حيث يقول على لسان الأخرق:"أين الإله ؟ أنا سأقول لكم ذلك !لقد قتلناه أنتم وأنا ! نحن كلنا قتلته ! لكن كيف فعلنا ذلك كله ؟ كيف استطعنا أن نفرغ البحر؟ من أعطانا الإسفنجة لمحو كل هذا الأفق؟ ماذا فعلنا بفصلنا الأرض عن شمسها ؟ إلى أين تقودها حركاتها، حركاتنا ؟ أبعيدا عن كل الشموس؟ ألم نندفع في منحدر لا قرار له ؟(…) أما يزال هناك أعلى وأسفل ؟ ألسنا نتيه صوب عدم لانهائي ؟"[vi].
إن القول بأفول المتعالي ليس تعبيرا عن موقف إلحادي لأنه بمعناه النيتشوي لا يعبّر عن الوضع السلبي المتمثّل "في عدم الاعتقاد في الإله المسيحي". كما أنه ليس عرضا من أعراض "الاختلال العقلي" لنيتشه. بل هو الصيغة التي تكثّف وتلخّص مصير تاريخ الغرب خلال الألفيتين الماضيتين[vii]. لهذا لا يمكن اختزاله في أفول المتعالي اللاهوتي، بل هو صيغة شاملة تفيد تدمير كل الأوهام والقيم العليا للثقافة الغربية التقليدية والحديثة. كما يعني نبذ الميتافيزيقا كعالم حق وكمنطق ثنائي القيم، وكشف الأقنعة عن العمق الأخلاقي للغرب الحديث. كما يعني أيضا إرادة تجاوز الذات والتعالي عليها. وهذا التعدد والتباين الدلالي الذي يكتسيه مفهوم "أفول المتعالي" داخل فلسفة نيتشه، يبين بأنه مفهوم لا يخلو من مفارقة وينطوي على كثير من المجازفة والمغامرة. فهو انحطاط وأفق، مرض ونقاهة، تيه وحرية، كارثة وفرصة. فهو بقدر ما ينطوي على اندحار رهيب، وفراغ قاتل، وليل موحش؛ يسمح في الوقت ذاته بولادة آمال كبرى، ويجعل باب الترقب مشرعا على جميع الاحتمالات. بهذا المعنى فإن "أفول المتعالي" إلغاء للحل الوسط واستحالة للموقف التوفيقي: فإما ربح تام أو خسارة كلّية. وبالنسبة لصاحب الجنيالوجيا، فإنه يفضي إلى بلورة رؤية أنطلوجية وتجربة وجودية تحدوهما رغبة قوية في الانفكاك من اللاهوت والميتافيزيقا. رؤية تريد أن تكون متحررة من الماوراء، ومخلصة لتجربة الهنا والآن بمعزل عن الخير والشر، وفيما وراء الصدق والكذب. يتعلق الأمر بتجربة محايثة للوجود، متحررة من ثنائيات الثقافة الغربية: كثنائيات المقدّس والمدنّس، الحلال والحرام، الروح والجسد، المعقول والمحسوس، الباطن والظاهر، العمق والسطح…ذلك لأن الجنيالوجي بحدسه الفائق، يدرك أنه وراء هذه الأقطاب المتعارضة والمتنابذة، توجد إرادة واحدة ارتكاسية في عمقها، هاجسها الأساسي تبخيس الحياة وتثمين عملية الهروب إلى الماوراء. إنها من حيث جذورها إرادة أفلاطونية-بما هي ميتافيزيقا للشعب- قصديتها الأساسية تسويغ القلق الناجم عن انقشاع الأوهام، عبر ادعاء طلب تحقيق الأمن والطمأنينة وراحة البال، و"الشعور بالرضى عن النفس".
يكتسي أيضا أفول المتعالي في فلسفة نيتشه وأيضا لدى هيدغر دلالة تجعله مرادفا للعدمية، لأنه يتحدد "كتيه نحو عدم مطلق لانهائي"[viii]. والعدم هنا يعني أفول عالم مافوق الحسي وفقدانه لسلطته السحرية والتجييشية. إن هذا الأفول هو بمثابة تحلل وتفكك للمعاني الكبرى والمثل العليا: كالخير، والحق، والسعادة، والتقدم، والرخاء… فكل هذه العناصر تفقد سلطتها أو قدرتها البنائية وتسقط في التبخيس والعدم. إذ لا يكفي للمرء أن يعلن انتماءه لعقيدة، أو انخراطه في ميتافيزيقا، أو تبنّيه لإيديولوجيا حتى ولو كانت ديمقراطية أو اشتراكية، لكي يكون خارج العدمية. والعكس صحيح أيضا، إذ ليس كل من يفكر في العدمية وفي ماهيتها عدمي بالضرورة. لكن من المشروع التساؤل مع نيتشه وهيدغر فيما إذا كانت العدمية لا تكتسي غير هذا المعنى السلبي. من هنا تطرح ضرورة تحديد مفهوم العدمية وإعادة تأويلها على ضوء فلسفتهما.
لقد قلنا بأن العدمية ليست مجرد رأي أو مذهب من المذاهب المعروفة في تاريخ الفكر الغربي: مثل اليهودية والمسيحية، أو الأنوار، أو النزعة الانسانية والتاريخية…بل هي حركة تاريخية، وصيرورة تشتغل في التاريخ الغربي مند قرون. لكنها لم تنقشع أمام الوعي إلا مؤخرا وبالتحديد ابتداء من القرن19، بما هو قرن الوعي بالعدمية من حيث هي ماهية الحداثة الغربية وأزمتها، وأيضا بما هي فرصتها وأفقها. وهذا ما يوضّحه لنا طبيعة المشروع النيتشوي. فهذا المشروع يتحدد بمهمتين أساسيتين: مهمة البلوغ بمأزق الحداثة إلى حدودها القصوى، ومهمة تجاوزها نحو ما بعدها. المهمة الأولى تضفي على العصر طابعا تراجيديا بما هو عصر الحرب المعلنة على العدمية. " إذ العدمية باستتارتها للتشاؤمية الأشد فتكا لتعمل في الوقت ذاته على انتقاء العنصر الأشد حيوية"[ix]والمهمة الثانية تضفي عليه صفة التيه والنقاهة، من حيث أن "ما بعد الحداثة" هو عهد محاولة الشفاء من العدمية ومخلّفاتها الناجمة عن "أفول المتعالي"[x]. بيد أن الأهمية الكبرى والعميقة للعدمية لا تنحصر فحسب في تقريرها لمصير الحضارة الغربية[xi]، إذ تتعدى بمفعولاتها العديدة الغرب، لتشمل الوجود البشري بصفة عامة.
يتخذ "أفول المتعالي"-في فلسفة نيتشه- ثلاثة مظاهر هي على التوالي: أفول المتعالي اللاهوتي، وأفول المتعالي الأخلاقي، وأفول المتعالي الميتافيزيقي.
يعتبر المتعالي اللاهوتي أحد العوامل التي عجّلت بحلول العدمية. فلقد أقام الدين للإنسان-في نظر نيتشه-عالما مواز للعالم الدنيوي، وجعل الإنسان يستند إلى هذا العالم ويستمد منه معناه. بل أكثر من ذلك، لقد أسقط على ذلك العالم كل الصفات التي كان يفتقر إليها: كالقوة، والقدرة، والكرامة، والعلم، والمعرفة، والحق، والخير…إلخ. لكن العصر الحديث سرعان ما أعلن "أفول المتعالي الديني"، مما جعل عالم القيم اللاهوتي ينقلب رأسا على عقب. ففقد الإنسان مركز ثقله، وصار لا يعلم إلى أي أمر يسلّم نفسه، ولا أين يتجه. لقد صار كائنا بدون هوية، أو بالأحرى أصبحت هويته هي التيه بعيدا عن المركز[xii]. وهكذا ما أن بدأ تأثير الدين في الغرب يتراجع حتى لاح الإنسان العدمي الذي يلقّبه نيتشه ب"الإنسان الأخير"[xiii]. لكن لا يجب أن يفهم من هذا بأن العدمية مرتبطة بالإلحاد، أو بعدم الاعتقاد في وجود الله. فالمسيحية تحمل في ثناياها العدمية، لأنها تتمحور أساسا حول تبخيس الحياة وإنكارها[xiv]. وليست العدمية في معناها القوي سوى تبخيس قيمة الحياة الدنيا. فالمفاهيم الأساسية التي تقوم عليها المسيحية مثل الحياة الحقة، والآخرة، والأبدية، والسعادة، والمحبة، والتسامح، مفاهيم ظاهرها الامتلاء والغنى وباطنها الفراغ والفقر.
وهناك تعالق قوي بين أفول القيم الدينية وأفول القيم الأخلاقية. لقد حاول الغرب الاستعاضة عن أفول اللاهوت الذي كان يمثّل سلطة مقدّسة، بالبحث عن سلطة أخرى تعوّضها. فوجد ضالته في سلطة الضمير والواجب الأخلاقي، الذي نصّبه مشرّعا لقيم أخلاقية تعويضية، لها قدرة على إصدار الأوامر وتحديد الغايات. وهو بعمله هذا اعتقد أنه أصبح بمنآى عن خطر العدمية الذي خلّفه أفول المقدّس الديني. لكن ما كان يخشاه هو ما وقع فيه بالذات. لأنه لم يكن يعلم أن البناء ينهار بانهيار الأساس الذي بني عليه. فالعالم عندما لم يعد له معنى، تهاوت الأخلاق بدورها بأفول فكرة المتعالي لأن كلاهما كان يسند الآخر. لقد صار الإنسان عدميا بسبب القيم التي جرّدها من ذاته وأصبغها على العالم والوجود باعتبارها قيما مقدّسة ومعان حقة. لكنه وبعد فوات الأوان، يكتشف زيف تلك القيم وكذب تلك المعاني. فلا يبقى له غير اتهام ذاته وإدانة الحياة من حوله. وهكذا فالإنسان الذي أسقط على العالم معنى أخلاقيا لحفظ بقائه وضمان استقراره، ينتهي به الأمر إلى الشك في أساس الأخلاق ذاتها. فما كان يعبّر في الأصل عن إرادة قوة وحفظ الحياة وعزاء ومسكّن ضد اليأس والإحباط والشعور بالعبث، ينتهي لفرط جموده ووهنه وهيمنة الطاب

المزيد


آليات التفكير الفلسفي: التساؤل الفلسفي

أغسطس 13th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية

1- وضعية مبحث الاستشكال أو السؤال في الفلسفة:
لقد بدأ هذا المبحث يفرض ذاته داخل الفلسفة منذ القرن التاسع عشر، وبالضبط في أعمال كل من ماركس وفرويد ونيتشه. لقد ساهم هؤلاء في تأزيم البراديغم القضوي داخل الفلسفة، حيث نقلوا الاهتمام إلى اللغة والخطاب. لقد أظهر هؤلاء المفكرين بأن الخطاب ناتج عن اللاشعور وخاضع للرغبة والمصلحة. فلم تعد الذات هي مركز التفكير ومصدره ومعياره، لقد تم إزاحتها عن المركز، مما حرر الفكر وجعله يهتم بما كان مستبعدا ومقصيا إلى الهامش. ويمكن القول بأن تفكيك "مبدأ الذاتية"، أو "ميتافيزيقا الذاتية والحضور" كما يسميها هايدغر، عمل على تفجير التصورات والمفاهيم السائدة في الفكر وداخل الثقافة، وفتح الباب على مصراعيه أمام الاستفهام والتساؤل، ليس بما هو إجراء أداتي، أو تقنية من تقنيات أخرى، بل باعتباره آلية استراتيجية في الفكر بصفة عامة، وفي الفلسفة بصفة خاصة.
وفي الحقيقة فإن النموذج الاستفهامي أو التساؤلي، ظل طوال قرون موضع كبت واستبعاد خلال تاريخ الفلسفة، وخاصة منذ نشأتها مع أفلاطون وتبلورها مع أرسطو. ولقد كان لتهميش آلية التساؤل والاستشكال داخل الفلسفة نتائج سلبية من أهمّها: هيمنة النموذج القضوي Le modèle propositionnel  أو النموذج العقلاني. وهو النموذج الذي أخذ يتبلور بشكل تدريجي مع أفلاطون ليأخذ صورته الناضجة والمكتملة مع أرسطو. لقد ظل هذا النموذج يستلهم المثال العلمي المتجسّد أساسا في النموذج الرياضي البرهاني[1]. يعمل هذا النموذج على تحويل الحلول والأجوبة الفلسفية التي تقدّم لإشكاليات الفلسفة، إلى قضايا مترابطة فيما بينها بروابط منطقية وبرهانية تشكّل تبريرا استدلاليا لمصداقية النتائج المعرفية المترتبة عنها. فينتهي هذا إلى بناء المفاهيم والتصورات في أنساق معرفية متلاحمة، يفترض في نتائجها أن تكون مستنبطة بطريقة برهانية، بحيث لا تنطوي على أي تناقض مع الأوليات أو المقدمات التي انطلقت منها. هكذا يتم تأسيس صحة المعارف بناء على مدى مطابقتها مع المنطق، أي مع مبادئ العقل، التي يفترض ضمنا أنها متطابقة بدورها مع قوانين الوجود.

لقد شكّل هذا النموذج القضوي عائقا أمام تطور الفكر الفلسفي، لأنه منعه من التفكير في ذاته انطلاقا من معايير مغايرة لمعايير النموذج العلمي. فحكم على الفلسفة أن تظل خاضعة لوصاية العلم، وأن تغترب عن ذاتها وخصوصيتها. فهناك فرادة وخصوصية تميّز الفلسفة عن المعرفة العلمية تقتضي، بل تحتّم ضرورة الفصل بينهما. فعلى سبيل المثال، نجد بأن الجواب في الفلسفة مرتبط أشدّ الارتباط بطبيعة الإشكال، وبالكيفية التي يتم بها صياغة السؤال. فلا وجود داخل الفلسفة لأجوبة منفصلة عن الكيفية التي يطرح بها كإشكال، فهذا الأخير هو الذي يحدّد أبعاد الجواب، والأفق الذي سيتبلور فيه.
إن هذا الفصل الاعتباطي بين السؤال في الفلسفة والجواب، جعل الفلسفة تدخل في تنافس انتحاري مع العلم، لأنها عجزت عن تحقيق تقدّم في إيجاد الحلول والأجوبة لأسئلتها-على غرار التقدّم الذي أحرزته المعرفة العلمية ونجح العلم في تحقيقه[2].
إن أوّل من سينتبه إلى هذه المسألة، ويطالب بتحرير الفلسفة من هيمنة النموذج العلمي هو الفيلسوف الألماني "إمانويل كانط"، وذلك في كتابه"نقد العقل الخالص". لكن هذه المسألة لن تصل إلى مرحلة الوعي بالذات، وتتحوّل إلى ثورة جذرية في الفلسفة، إلا في أعمال كل من ماركس، وفرويد، وبصفة خاصة نيتشه[3].
إن ما يميّز الفلسفة عن العلم، إنما هو تعدّد الأجوبة والحلول التي تقدّمها لإشكالياتها وتساؤلاتها. بحيث لا يمكن للأجوبة أن تستنفد الأسئلة، وأن تؤدي إلى إنهاء عملية التفكير. وهذا ما يفسّر التكرار الذي يمكن أن يلاحظ على القضايا التي ظلت الفلسفة تعالجها طوال تاريخ الفلسفة، إذ الزمان الذي تخضع له المسائل الفلسفية هو زمان العود الأبدي للمثل الذي تتحدّث عنه الجينيالوجيا، وليس هو زمان التقدم الخطي التدريجي الذي تتحدّث عنه الميتافيزيقا. إن كل جواب في الفلسفة يأتي لكي يلغي ذاته فاسحا مكانه لأجوبة أخرى. إن هذا راجع إلى كون أن الجواب في الفلسفة ليس حقيقة، وإنما هو استفهام وإشكال جديد. فالإشكالية الفلسفية تحمل في ثناياها اختلافها الضمني، إذ هي تقدّم مؤشّرات لما يمكن أن يكون جوابا على السؤال الذي تطرحه. فالحلول أو الأجوبة التي تقدّمها الأنساق والمحاولات الفلسفية للإشكاليات التي تعالجها، تتحدّد بالكيفية التي تتم بها صياغتها داخل تلك الأنساق والمحاولات[4]. وهذا ما يجعل الجواب في الفلسفة يتسم بطابع "سلبي"، لأنه على عكس الجواب العلمي، لا يعرف تقدّما ولا تراكما في المعرفة، لسبب بسيط هو أن الأجوبة الفلسفية أو القضايا التي تعالجها الفلسفة، غير قابلة أن تصاغ في قضايا نهائية، أي في خطابات تقول الحقيقة.
إن خاصية الجواب الفلسفي بما هو إشكالي، تتمثّل في كونه "يشقّ اللامفكر فيه داخل الفكر"elle fracture l’impensé à la pensée. فالجواب الفلسفي لا ينفي الإشكال ويوقف عملية التساؤل، بل هو يضيء أبعاد أخرى في الإشكال، فيصبح أساس لسؤال آخر، وهكذا دواليك.
إن الانفصال عن النموذج القضوي، يقتضي التحرر من فكرة الأساس ومقولة المبدأ الأول، وجعل الفلسفة تتساءل عن ذاتها، وعن أسس الأشياء وأصولها. إن تأسيس الفلسفة على أساس النموذج الإشكالي التساؤلي، يقتضي تحرير الفلسفة من الوضعية والميتافيزيقا. فبعد انهيار الإيديولوجيا وفقدان الفلسفة لأساسها الذي هو الذاتية، لم يبق للفلسفة سوى وظيفتها النقدية ونزعتها الريبية والتساؤلية. لكن الفلسفة ليست مجرد نقد وتساؤل، بل هي بالأحرى تساؤل جذري، إذ هي تتساءل حول كل شيء بما في ذلك التساؤل ذاته. وانعكاف الفكر على ذاته يعتبر أحد المبادئ الأساسية في الفلسفة، وربّما هي الخاصية المميّزة للفلسفة عن غيرها من أصناف التفكير. فما يميّزها ويمثّل فرادتها وأصالتها، هو أنها النمط الفكري الوحيد الذي يتخذ من ذاته موضوعا للتساؤل والتفكير. لهذا يتحدّد السؤال الفلسفي باعتباره ذلك السؤال الذي يقصد جذر الأشياء، ومن خلال هذه الجذرية تسعى الفلسفة إلى التحرر من كل الافتراضات القبلية.
 
2- دلالة وخصائص السؤال الفلسفي:
يشعر المرء الذي يوجّه إليه السؤال الفلسفي بالدهشة والحيرة، وخاصة إذا كان ذلك المرء من ال

المزيد


آليات التفكير الفلسفي: ماهية الفلسفة وشروط ظهورها

أغسطس 12th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية

1- مقدمة:
"أين تبتدئ الفلسفة؟ هناك طريقتان لفهم هذا السؤال: فبإمكاننا أن نتساءل، في البداية، أين نضع حدود الفلسفة، والهوامش التي تفصلها عما لم يبلغها وما ليست إياه بعد. كما في استطاعتنا أن نتساءل فيما بعد، أين ظهرت الفلسفة لأول مرة، وفي أي مكان بزغت؟ ولماذا في ذلك المكان وليس في مكان آخر؟ سؤال أول إذن يتعلق بهوية الفلسفة وآخر يتعلق بأصلها. وهما سؤالان مترابطان لا ينفصلان وحتى وإن بدا للمنطق الساذج أن الثاني يفترض أن الأول قد وجد جوابه. بحيث سيدّعي أنه، لإثبات موطن ميلاد الفلسفة وتاريخ ذلك الميلاد، لا بد من ضبط هويتها ومعرفة ماهي، والتمكن من تحديدها بغية تمييزها عن أشكال التفكير غير الفلسفية. ولكن ، من منا لا يرى على عكس هذا الرأي، أنه لا سبيل لتحديد الفلسفة بكيفية مجردة كما لو كانت ماهية خالدة؟فلكي نعرف ماهي الفلسفة ينبغي أن نفحص ظروف ظهورها، ونتابع الحركة التاريخية التي تكونت بفضلها عندما طرحت في أفق الحضارة اليونانية مسائل جديدة وأقامت الأدوات الذهنية الكفيلة بحلها، ففتحت بذلك مجالا للتفكير، ورسمت فضاء معرفيا لم يكن ليوجد فيما قبل حيث أقامت هي نفسها لكي تتقصّى أبعاده. وعند محاولة بناء شكل من المعقولية وإرساء نوع من الخطاب لم يكن معروفا حتى ذلك الوقت، بزغت الممارسة الفلسفية وظهرت شخصية الفيلسوف، فاتخذا طابعهما الخاص وانفصلا، على المستوى الاجتماعي والثقافي، عن الأنشطة الحرفية والوظائف السياسية والدينية التي كانت تعرفها المدينة اليونانية، فأرسيا بذلك تقليدا ثقافيا أصيلا لم ينفك عن التجذر في أصوله بالرغم من جميع ما عرفه من تحولات[i].
أ- شروط ظهور الفلسفة:
إن الفلسفة إذن لم تكن قائمة في جميع لحظات التاريخ، بل لها بداية في الزمان. كما أن صيغة وجودها في الزمان والمكان ليست هي الاتصال وإنما الانفصال، ليست هي الاستمرارية وإنما القطيعة واللاستمرارية. يفترض هذا إذا أن ظهور الفلسفة يتطلّب شروطا خاصة بها. والإجراءات التي تشترط الفلسفة هي إجراءات لها علاقة بالحقيقة. لكن هذه الإجراءات قلّما تواجدت مجتمعة داخل مجتمع واحد أو خلال فترة تاريخية محدّدة. فإذا كانت اليونان قد شهدت ميلاد الفلسفة واحتضنتها أرضها، فلأن اليونان انفردوا عن غيرهم من المجتمعات بكونهم أحدثوا القطيعة في حكاية الأصول حيث انتقلوا بالكلام من مستواه المرموز الأسطوري واللاهوتي إلى المستوى المعقلن التجريدي، أي حققوا قفزة نوعية في الفكر حيث نقلوه من الميتوس إلى اللوغوس.
 لقد واكب ميلاد الفلسفة تحوّليت ذهنيين عظيمين: ظهور فكر وضعي يتنافر وكل شكل من أشكال الخوارق، ويرفض التشبيه الضمني الذي تقيمه الأسطورة بين الظواهر الطبيعية والعوامل الخارقة للطبيعة؛ ثم ظهور فكر مجرّد يخلّص الواقع من قوة التغير التي كانت الأسطورة تفرضها فيه، كما يقضي على الصورة العتيقة لوحدة الأضداد ليقول بمبدأ الهوية[ii].
 كما أن الإغريق نظروا إلى المدينة باعتبارها سلطة مفتوحة، وفضاء مشرعا للنقاش الحرّ. وهذه المواكبة التي نلحظها بين ميلاد الفلسفة وحلول المواطن، ليست مما يثير اللبس، ذلك أن المدينة تحقق، على مستوى الأشكال الاجتماعية، ذلك الفصل بين الطبيعة والمجتمع. وهو فصل تفترضه ممارسة التفكير العقلاني على مستوى الأشكال الذهنية. فمع حلول المدينة انفصل النظام السياسي عن التنظيم الكوني، وظهر كمؤسسة بشرية تخضع لبحث دائب ونقاش حاد.
لقد تدخلت الفلسفة الناشئة في ذلك الجدال الذي لم يكن جدالا نظريا فحسب، بل كان جدالا يواجه بعنف بين الأطراف المتخاصمة. فالحكمة مكّنت الفيلسوف من أن يقترح إصلاحا للخلل الذي أحدثته إرهاصات اقتصاد تجاري. فكان ينتظر منه أن يحدد التوازن الجديد الذي من شأنه أن يستعيد الانسجام المفقود، وأن يعيد الوحدة والاستقرار الاجتماعيين، عن طريق الوفاق بين العناصر التي كان تعارضها يمزّق وحدة المدينة. ولقد باشر الإغريق امتياز الشعر إلى جانب مباشرتهم للعلمي الرياضي، حتى وإن لم يستعملوا الرياضيات لغزو الطبيعة، بحيث لم يقيموا علاقة بين الرياضة والفيزياء، ولا بين الحساب والتجربة، على غرار الحلقة التي استطاعت أن تربط الهندسة بالسياسة[iii].
 إن هذه الإجراءات الأربعة التي هي المقدّس، والشعر، والعلم، والصداقة، يمكن معاينتها في التشكيلات الفلسفية الإغريقية آنذاك حتى وإن كانت لا تحضر كلّها مجتمعة داخل نسق واحد، بل قد يحضر بعضها أو أحدها، على نحو ما نجد ذلك في فلسفة أفلاطون:
" لا يدخل علينا أحد هنا (يقصد الأكاديمية الفلسفية)إن لم يكن مهندسا". إن هذا الشعار يحدّد العلمي/ الرياضي باعتباره شرطا للفلسفة. وإذا كان أفلاطون قد طرد الشعراء من المدينة، فلأن الشعر في نظره يحاكي المثل بلغة حسية مما يعيق صعود الفكر نحوها. وحدها الهندسة أو الفكر الذي يستلهمها هو القادر على الجدل الصاعد. وأخيرا لقد جاء الحديث عن السياسي كما لو كان نسيجا للفكر: ففي نهاية الكتاب التاسع في الجمهورية يشير أفلاطون وبكلّ وضوح إلى أن المدينة المثالية ليست برنامجا ولا واقعا، ولكنه يتعلق بالسياسة باعتبارها شرطا للفكر بصفة عامة وللفلسفة بصفة خاصة.
هناك إذن أربعة شروط لبروز الفلسفة، بحيث أن غياب أحدها قد يسبّب في انحلال الفلسفة وانحطاطها. وهذه الشروط هي: المقدّس، الشعر، العلم، السياسة[iv]. وهذه الإجراءات لها علاقة بالحقيقة لأنها مولّدة لها: إذ ليس من حقيقة إلا وهي علمية، أو فنية، أو سياسية أو عشقية. الفلسفة إذن توجد حيث تتوفر مصادر الحقيقة، أو الشروط القادرة على إنتاجها.
 بيد إن القول بأن الفلسفة مرتبطة بإجراءات الحقيقة لا يعني البتة أن الفلسفة منتجة للحقيقة. لقد أوضح نيتشه بأن رهان الفلسفة ليس هو إرادة الحقيقة وإنما إرادة القوة، أو هو إرادة الحقيقة بما هي دعامة أساسية لإرادة القوة[v].
 إن هذه الإجراءات لا تصير شروطا مولدة للفلسفة إلا حينما ينضج في داخلها التساؤل ويصبح في حاجة ماسة للصياغة الإشكالية، وللبلورة المفهومية. فليست الفلسفة –كما يرى دولوز- سوى إبداع للمفاهيم، وليس المفهوم عنده غير محاولة لبلورة أحد الإشكالات التي تنطوي عليها تلك الإجراءات والتفكير في حلّها[vi]. لكن عقلنة هذه الشروط الأربعة ضمن التشكيل الفلسفي إنما ينبغي أن تستمدّ مما يمتلكه هذا التشكيل من عقلنة ذاتية. أو بعبارة أخرى، فإنه بالرغم من أن التفكير الفلسفي هو حصيلة للشروط التوليدية الأربعة المذكورة آنفا ، إلا أن المطلوب من التشكيل الفلسفي الجديد، هو أن يقدّم معقوليته من ذاته وليس استنادا إلى أي معقولية خارجية خاصة بهذا الإجراء التوليدي أو ذاك. والفلسفة تتعرّض للانحلال حينما لا تأتمر بمعقوليتها الخاصة، بل تصبح مستلبة وأ

المزيد


آليات المنهج الفينومينولوجي

أغسطس 12th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية

 

1- تحديد المفهوم:

لفظ الفينومينولوجيا لم يظهر مع هوسرل، بل لقد ظهر قبله في أعمال كانط وهيجل وهارتمان وغيرهم. ففي كتاب "فينومينولوجيا الروح" يستعمل هيجل لفظ الفينومينولوجيا للدلالة على التجليات المختلفة للروح، والتي تتخذ شكل فكرة مطلقة داخل الوجود. وفي تشمل عدة مستويات متدرّجة من المعرفة الحسية المباشرة إلى المعرفة العقلية الشاملة، مرورا بالمستويات المختلفة للفكرة المطلقة وما تشهده من تناقضات وصراعات وتطورات.

بعد هيجل استعمل هارتمان اللفظ بشكل متميز، بل إنه يقرن بالفينومينولوجيا لأنه اعتمد في دراساته الميتافيزيقية على النظرة الوصفية خصوصا فيما يتعلق بنظرية المعرفة. إذ راح يصف ظاهرة المعرفة انطلاقا من عنصرين: الذات والموضوع، مميزا كل عنصر وواصفا دور كل منهما في عملية المعرفة. تدلّ الفينومينولوجيا في هذا الاستعمال على عملية وصف المعرفة مع التخلي عن الأحكام المسبقة. إنها عودة إلى الأساس الأول الأنطولوجي للمعرفة، أي الأساس المؤسس للموجودات والمعرفة، وعدم اختزال الظواهر فيما يظهر بل الرجوع بها إلى الوجود الخفي الذي هو بمثابة الماهية الموجودة والحاضرة في كل الأشياء.

أما من الناحية الاشتقاقية، فإن لفظ الفينومينولوجيا يتكون من كلمتين: "فينومين"و"لوغوس"، ويعني حرفيا "علم الظواهر". والفينومين في أصله الإغريقي يفيد-حسب هيدغر-معنى الإبانة والظهور، كما يعني المنجلي أو الذي يحضر داخل شيء من الأشياء. كما يفيد الشيء الذي يبين عن نفسه. فالظاهرة هي إذن كل ما يمكن أن يظهر أو ينجلي إلى الضوء والنور، وهو إذ يظهر ويتجلى فهو يظهر على وجه مخصوص وعلى شاكلة معينة. لهذا فهو يشكّل ظهورا مقنّعا. أما اللوغوس فهو يفيد عنده الكلام وعملية إظهار ما يتكلم عنه الكلام وتمكينه من الانجلاء والظهور. اللوغوس إذن هو الكلام الذي يسمح بانجلاء ما يتحدث عنه فيتيح ملاقاته. وعليه فالفينومينولوجيا بمعناها المركّب تفيد جعل الموجود يظهر من تلقاء ذاته. مما يجعل  المنهج هنا وصفي، لأنه منهج للوصف والإبانة أو الإظهار وليس منهجا للبرهنة. فأن تمارس الفينومينولوجيا هو أن تساعد الشيء على الظهور وتمكينه من الإفصاح عن نفسه بغية إدراكه. وكأن الفينومين هو الشيء المنسحب والمختفي لأنه لا يتجلى بذاته. وهذا ما يجعله معرّضا للنسيان والتجاهل، لأنه لا يظهر إلا عبر لعبة الأقنعة المستعارة. الفينومين- في المنظور الهيدغري- ليس هذا الموجود أو ذاك، ولكنه وجود الموجود c’est l’être de l’étant . لهذا وجدنا المنهج الفينومينولوجي يستجيب لمطلب إظهار المستتر في كنهه، أي إظهار المنسحب أو المنسي أو المقنّع.  

2- المنهج الفينومينولوجي لدى هوسرل:

2-1 هدف المشروع الفينومنولوجي:

هناك سمتان طبعتا المسار الفكري لهوسرل: حرصه الشديد على الدفاع عن مواقفه وطروحاته في مواجهة نقاده وخصومه، ومن جهة أخرى ممارسته للنقد الذاتي واستعداده الدائم لمراجعة فكره وإعادة النظر في أفكاره عندما تبدو غير مؤسسة بشكل كاف. هاتان السمتان تجعل الخاصية الأساسية للفينومينولوجيا الهوسرلية هي الحركة الدائبة للهدم وإعادة البناء. وستبلغ هذه الحركة أوجها في كتاب هوسرل الأخير :"أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية". وهو الكتاب الذي سيعلن فيه عن الغاية من مشروعه الفينومينولوجي، بما هو الفلسفة القادرة على إخراج الفكر الغربي الحديث من "أزمة المعنى والتوجه". وهي أزمة يربطها بسيطرة العلوم الحديثة ذات النزعة الموضوعية. لقد أصبحت نظرة الإنسان الحديث إلى العالم ابتداء من النصف الثاني من القرن 19 تتحدد بكيفية شبه تامة من قبل الأسلوب الذي تتبعه تلك العلوم في تناول موضوعاتها ومعالجتها. ولقد نجم عن ذلك التخلي عن الأسئلة الحاسمة بالنسبة للإنسان واتخاذ موقف اللامبالاة منها. وهي في عمقها أسئلة مرتبطة بمصير الإنسان، وبمعنى وجوده، وبطبيعة علاقته بالمحيط، ودور العقل في الحياة. إن العلوم الطبيعية لا تهتم بهذه الأسئلة لأنها واقعة في أسر النزعة الموضوعية التي تقوم على استبعاد كل ما هو ذاتي من اهتماماته. إذ العلمية حسب المعيار العلمي السائد، تقتصر على ملاحظة الوقائع وتسجيلها، وهذا ما يؤدي إلى استبعاد الأسئلة الأساسية المتعلقة بالوجود الإنساني، ويجعل تلك العلوم عاجزة عن مساعدة الإنسان في إعطاء معنى لحياته وأفعاله وتوجيهها.

المظهر الثاني لأزمة العلوم الحديثة يتمثّل في افتقارها إلى الوحدة وإلى الرابط الموحّد بين مختلف تخصصاتها. وهذا المظهر الثاني يربطه هوسرل باستقلال العلوم عن الفلسفة، وهو يعكس في الوقت ذاته أزمة الفلسفة ذاتها والناجمة عن تخليها عن معناها الأصلي والدي يجعل منها معرفة صارمة ومؤسسة على منطلقات راسخة، معرفة تنفذ بعمق إلى كل أشكال الحياة الإنسانية وتطبع ميادينها، فتقوم بوظيفتها المتمثلة في توجيه حياة الإنسان وفقا لمعايير العقل وفي استقلال عن الأحكام المسبقة. إن فقدان الثقة في الفلسفة بما هي علم كلّي منذ عصر النهضة، هو الذي أدى إلى فقدان الثقة في العقل وفي قدرته التوجيهية للممارسة التاريخية للإنسان. وتحتد أزمة الفلسفة مع هيمنة النزعة الموضوعية على العلم ووضع الطابع العلمي والصارم للفكر الفلسفي موضع شك. وخطورة مثل هذا الموقف حسب هوسرل تتمثّل في كون أن التشكيك في علمية الفلسفة هذا يؤدي إلى الطعن في مصداقيتها مما يترتب عنه التخلي عن القضايا التي تنتمي إلى دائرة الفلسفة، وهو الذي يعني التخلي عن الأسئلة الكبرى للوجود البشري، أسئلة الحرية والمعنىوالتاريخ، والوقوع في أسر الحاجات اليومية للحياة العملية وآفاقها الضيقة. أزمة أوروبا إذن هي أزمة فقدان المعنى وتحديد الغاية، وهي في الوقت ذاته أزمة الفلسفة والعلم بما هما المبدأين المؤسسين للحضارة الغربية.

إن إثبات إمكانية تحقيق الفلسفة كعلم صارم، وإثبات ضرورتها في زمن سيادة العلم، تطلّب من هوسرل الكشف عن جذور النزعة الموضوعية التي تطبع العلوم الحديثة، والعمل على تعرية افتراضاتها غير المعلنة. تقوم هذه النزعة على تأويل خاطئ للعلم، مؤداه أن علم الفيزياء الرياضي الحديث هو النموذج الوحيد للعلمية، وهو صالح بل وملزم لجميع العلوم والمعارف بما في ذلك العلوم الإنسانية والفلسفة. وهذا ما جعل هوسرل يبرز حدود النموذج الرياضي الفيزيائي واستحالة تعميمه على كل المجالات، وذلك عبر القيام بتحليل فينومينولوجي تكويني عمل على التذكير بالإنجازات والحوافز الأصلية التي انبثقت عنها الفيزياء والتي تم نسيانها من قبلها. هذا الأساس المنسي للعلم والذي يوجد في أصل أزمته هو ما يسعى التحليل الفينومينولوجي إلى الكشف عنه  بجعله يتكلم ويفصح عن نفسه. فماضي العلم-منظورا إليه من زاوية فينومينولوجية- يعيش في حاضره على شكل ترسبات. ومنطلق التحليل الفينومينولوجي للعلم هي وحدات المعنى التي تم بناؤها في الوعي، حيث يجب استنطاقها ومساءلتها عن تكوينها وتاريخها وذلك عبر الصعود إلى الإنجازات والحوافز الأصلية التي انبثقت عنها تلك الوحدات الدالة والبداهات الأولى التي استندت إليها. ليس التحليل الفينومينولوجي إذن سوى محاولة تأويلية تريد النفاذ إلى القصدية الحية التي توجد في أساس علم ما، وتعرية للمسبقات وكشف للافتراضات الخفية التي تحملها قصدية العالم والتي تحدد مسار تفكيره وأبحاثه دون أن يكون واعيا بها.

          2- 2- دلالات وخطوات المنهج الفينومينولوجي:

يقدّم المنهج الفينومينولوجي ذاته باعتباره مجهودا لتجاوز الثنائيات الميتافيزيقية وفي مقدمتها ثنائية الذات والموضوع. ويقوم هذا المسعى من جهة على رفض النزعة الموضوعية التي تختزل المعنى في الموضوع المعطى، كما تقوم من جهة أخرى على رفض النزعة السيكولوجية التي تختزل المعنى في الذات. ولهذا فهي كمنهج تسعى إلى الربط بين الذات والموضوع بحيث المعنى لا يوجد في العالم بشكل مستقل عن الذات، كما أنه لا يوجد في الذات أو الوعي بشكل مستقل عن العالم. بل المعنى يتشكّل في انفتاح الذات عن العالم. هكذا فموضوعات الإدراك والتفكير والإحساس لا توجد بشكل موضوعي خالص، كما لا توجد بشكل ذاتي خالص، بل توجد كما يقول هوسرل في العلاقة التي يقيمها الإنسان مع العالم. وفي هذه العلاقة ومن خلالها يتم التفكير في المعنى، معنى الأشياء، ومعنى الحياة الإنسانية. وهي معاني يتم الولوج إليها عير إدراك الوجود والحياة في ماهيتهما السابقة على كل معرفة وإدراك. وهي معاني تعطى للإنسان في تجربته المعيشية اليومية. لهذا فالمسعى الفينومينولوجي من حيث دلالته العامة، يتحدد باعتباره مجهودا موجها كله نحو استرجاع الماهية الثاوية وراء الأشياء، ولكن الحاضرة في التجربة التي يكونها الإنسان عنها. لهذا كان المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه هذا المنهج، يتمثّل في الدعوة إلى"الرجوع إلى الأشياء ذاتها"، أي إلى حدوسها الأصلية. وتعني هذه العودة رفض كل ادعاء بامتلاك الحقيقة أو العلم، ورفض اختزال الإنسان إلى أي حقيقة كيفما كانت بيولوجية أم سيكولوجية أم سوسيولوجية؛ لأن كل ما يعرفه الإنسان عن الحياة والوجود يتم انطلاقا من منظور معين، وزاوية خاصة، وتجربة فريدة. وأساس المعرفة والعلم هو عالم العيش هذا، أو عالم التجربة المعيشية الأولى. العودة إلى الأشياء ذاتها هي عودة إلى هذه التجربة التي هي بمثابة ماهية قبلية حيث كل معرفة وكل علم يكون لاحقا وتابعا لها على غرار تبعية علم الجغرافيا إلى تجربة المشهد أو المنظر، حيث معاني الغابة والسهل والجبال والوديان يتلقاها الإنسان في تجربته المعيشية قبل العلم بها بواسطة الجغرافية. يدعونا مبدأ العودة إلى الأشياء في ذاتها إلى الإخلاص لتجربة الإنسان في الحياة ومحاولة وصفها دون البحث عما يجعلها ممكنة أو حقيقية. فالعالم ليس هو ما أفكر فيه أو ما أدركه، وإنما هو الفضاء الذي أعيش فيه وأحياه في الوقت نفسه. فأنا منفتح على العالم وأتواصل معه لكنّي لا أمتلكه لأنه غير قابل للاستنفاد. فمعنى الأشياء والعالم يخترق لغاتنا وخطاباتنا ومواقفنا، ويجب أن نعرف كيف نلتقط هذا المعنى. المنهج الفينومينولوجي إذن هو دراسة للمعاني، أي للماهيات. والماهية توجد كإمكانية، أي أنها مجال لبناء المعنى انطلاقا من تعدد المظاهر التي يقدّمها لنا الشيء موضوع الإدراك. والقول بأن الماهية هي بمثابة إمكانية الهدف منه هو نزع عنها صفة الوجود الموضوعي الخالص، وإثبات لها صفة الوجود القبلي أو البينذاتي الذي يجعلها لا تنكشف إلا في علاقة الموضوع بالذات. إنها أشبه بعقل أو لوغوس محايث للوجود، أو هو أشبه بالمعنى القبلي الذي تسعى الذات أن تدخل في إطاره الوجود. وعليه فالماهية لا توجد منفصلة عن الموضوع أو الظاهرة ولكنها تؤسسه وتشرطه وتسبقه. ولتحديد الماهية ووصفها، يلتجئ هوسرل إلى أحد المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها المنهج الفينومينولوجي والذي استعاره من برنطانو وهو مفهوم القصدية. ويفيد هذا المفهوم في الاستعمال الهوسرلي أن الوعي هو دوما وعي بشيء ما toute conscience est une conscience de quelque chose ، فمن غير الممكن دراسة الوعي بشكل مستقل عن الموضوع ولا دراسة الأشياء في استقلال عن الوعي، إذ الموضوع يستمد معناه من الوعي الذي يقصده. وعليه تصبح الماهية مرتبطة بانفتاح الوعي على الموضوع ولا وجود لها خارج ذلك الوعي. وهذا ما يجعل الفينومينولوجيا تحدث خلخلة

جذرية في مطرح السؤال الفلسفي حيث تنقله من سؤال الماهية إلى سؤال القصدية. لكن الماهية التي يقصدها التحليل الفينومينولوجي ليست ثابتة بل تتميز بطابع دينامي، فهي ليست مستقلة عن الوعي الذي يقصدها ولا عن الموضوع الذي تؤسسه. فهي تقتضي إذن الإقرار بوجود تلازم بين الذات والموضوع، وهذا التلازم هو الذي تطلق عليه الفينومينولوجيا "القصدية الأصلية". وللولوج إلى هذه القصدية يوظف هوسرل مفهوما آخر أساسيا هو مفهوم "الاختزال الفينومينولوجي". فانفتاح الوع

المزيد


نيتشه ونقد الحداثة

أغسطس 11th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية

 لا يكفي للمرء أن يعلن انتماءه إلى الحداثة أو دفاعه عن عصر الأنوار حتى يكون حداثويا أو تنويريا ، فالحداثة قد تستعمل بصورة إيديولوجية غرضها التبرير أو الدفاع عن الذات : تبرير الموقف أو الرأي ، أو الدفاع عن المؤسسة وترسيخ مكتسباتها . وهكذا فالإنحياز لأنوار القرن الثامن عشر ، قد ينقلب ضد التنوير ذاته ، فيغدو محافظة وتقليدا ، لا تجديدا وتنويرا . وما ذلك إلا لأن الحداثة أو الأنوار تجربة تاريخية ، وشكل من أشكال المعقولية لا تستنفد العقل بالكلية ، ولا تقطع بصورة مطلقة مع التجارب الإنسانية الماضية ؛ وأنّ أي محاولة تتعامل معهما كنموذج مكتمل للعقلانية ، أو كشكل وحيد وواحد للمعقولية والتجربة؛ مآلها إلى الانغلاق وفقدان القدرة على التواصل والتطور .
ونستطيع أن نجزم بأن هذا الفهم يشكّل جوهر النقد الذي يوجهه نيتشه إلى الحداثة الغربية. ففي نصه الجنيالوجي يبيّن بأن "عبادة المعقولية" le culte de la rationalité - هذا الذي استولى على العقل الحداثوي لأزيد من ثلاث قرون - يعدّ أحد العوامل الرئيسية لأزمة الحداثة الغربية ، ومظهرا أساسيا من مظاهر الانحطاط الثقافي للغرب la décadence . فالحداثة تقوم على أساس إضفاء صفة المطلق على هيأتها الحاضرة ، بما هي انقطاع جذري عن الأصل ، وبما هي انغراس كلّي في الحاضر (1). أوليس هذا هو عمق مفهوم الحداثة كما تبلور عند روادها ومنظريها ؟ بلى ، إنه عين التصور . وهذا ما يمكن الوقوف عليه وإثباته بالرجوع إلى النص الكانطي أو النص الهيجلي .
فكون الحداثة تقيم تطابقا بينها وبين الحاضر إلى درجة التماهي معه ، فهذا ما نستشفه من كلام صاحب كتاب " الحداثة وما بعد الحداثة " ، حيث يقول :
" يتميز زمن الحداثة بأنه زمن كثيف ، ضاغط ، ومتسارع الأحداث ، فهو يعاش كمادة فريدة تتمركز حول حاضر مشرئبّ إلى الآتي . وهذا الحاضر ، الذي تمثّله في نظر هيجل الأنوار والثورة الفرنسية ، يمثّل " البزوغ الرائع للشمش " الذي يقطع مع العالم القديم وينشئ عالما جديدا كليا " (2).
أما كون الحداثة تعتبر ذاتها قطيعة مع الأصل ، وتحررا نهائيا من الماضي ، فهذا ما نستشفه من خلال مفهوم الحداثة عند كل من كانط وهيجل ، بما هما الممثلان البارزان للحداثة . الأول معه يبتدئ الوعي بالحداثة وبالتالي فهو يشكّل عتبتها  حتى وإن كانت ديناميتها قد انطلقت قبله بثلاثة قرون - ، والثاني معه تكتمل الحداثة وتأخذ صورتها الناضجة والنهائية . هذا إذا اعتبرنا أنه مع نيتشه ، سيبتدئ طور جديد وتجربة جديدة ، يطلق عليه البعض طور "ما بعد الحداثة" (3).
مفهوم كانط للحداثة نطّلع عليه من خلال نصه الشهير الذي يفتتحه بالتساؤل عما هو عصر التنوير . ولقد لاحظ فوكو في معرض دراسته لهذا النص ، أنّ التساؤل الكانطي ليس تساؤلا تاريخيا ، ولا معرفيا ؛ وإنما هو سؤال الراهنية والحاضر .
يجيب كانط عن سؤاله ذاك : بأن الأنوار تمثّل العصر الذي يخرج فيه الإنسان من حالة الوصاية وحجر الماضي إلى حالة الثقة والاعتماد على العقل ؛ وبصفة عامة فهي تشكّل ثورة الحاضر على الماضي ، وثورة الجديد على التقليد .
ذات التصور نجده عند هيجل ، حيث يرى بأن الحداثة هي "فترة تحاول أن تستمد مشروعيتها من ذاتها عبر تأكيدها على القطيعة التي تفصلها جذريا عن الماضي" (4) .
هكذا فالحداثة عند كلاهما ، ليست مجرد حقبة أخرى من حقب التاريخ ، بل هي تمثّل عصرا جديدا كل الجدة ، ويختلف اختلافا نوعيا وجذريا عما سواه . فما يميزها ، هو تحررها من جميع النماذج ، واتخادها من ذاتها مرجعا وحيدا لها .
ولا شك أن هذا التصور للحداثة ، هو عين التصور الذي يستهدفه نيتشه بالنقد، والذي جعله يصل إلى الاستنتاج التالي : وهو أن "الحداثة" عبارة عن وهم ، وميتافيزيقا جديدة أتت لتسدّ الفراغ الذي خلّفه خسوف الميتافيزيقا التقليدية ، وغياب معانيها الكبرى ، وغاياتها النهائية . فليست "الحداثة" في المنظور النيتشوي غير هذا البعد الوهمي للحاضر الغربي ، غير هذا الوهم بأن الحاضر عبارة عن حضور خالص ومطلق .
إن حاضر الغرب هو بمثابة وهم ، لأنه يخفي ويحجب حضور الماضي فيه ؛ وهو في تقدير نيتشه حضور ثقيل ، ويلقي بظلاله الكثيفة على الحاضر ، مما يجعله مجرد وهم حضور ، أو حضور واهم . يتمثّل إذن هذا الوهم في الاعتقاد في "الحداثة" ، أي في اعتبار أن الحاضر جديد في كلّيته مقارنة مع الماضي ، وأنه يمثّل قطيعة جذرية مع الأصول . وهذا ما جعل نيتشه يقرّر بإنّ الحداثة  شأنها في ذلك شأن العقلانية التي أنجبتها تقيم علاقة غير معقولة مع ماضيها ، وهي علاقة أساسها الكبت والإبعاد . فالحداثة تحجب وجود الإنسان الراهن ، بإضفاء صفة المطلق على هيئته الحاضرة . وهي إذ تعلن بخجل عن "موت الله" ، فلكي "تؤلّه الهيئة الحاضرة للإنسان" (5).
خطاب الحداثة إذن خطاب مخاتل ومخادع ، لأنه كله مساحيق وأقنعة . فهو يعاني من تناقض صارخ بين قصديته وما يسكت عنه : فما يقوله الخطاب هو أن الحداثة عقلانية ظافرة ، وتحرر جذري ، وذاتية شفافة مطابقة لذاتها ؛ وما يحجبه الخطاب هو لامعقولية مجتمع طافح بوعود العقلانية والحرية والحقيقة ، بعقلانية كلّية وشمولية ، وبحرية استبدادية ، وبذاتية مركزية متعالية . وهذا يعني في المنظور
الجنيالوجي ، أن لتجربة الحداثة مناطقها المعتمة وأوجهها المظلمة ، ما دامت تتستر عن علاقتها الميتافيزيقية والاستبدادية ، التي أقامتها مع ذاتها ومع العقل والتاريخ . ولهذا يرى نيتشه بأن هذه الحداثة ، أو العقلانية الحداثوية ، قد بلغت منتهاها سواء على صعيد الفهم والنظر ، أو على صعيد الممارسة والعمل .
فعلى الصعيد الأول فإن التشخيص الجنيالوجي لأعراض الثقافة الغربية الحديثة ، وخاصة في مظهرها الفلسفي والعلمي والأخلاقي ، قد أماط اللثام عن كثير من الوهن والضعف والهشاشة التي بدأت تتسرب إلى جسدها

المزيد


نقد القراءة الهيدغرية لنيتشه

أغسطس 11th, 2007 كتبها محمد أندلسي نشر في , قضايا فلسفية

 
    1.      التأويل الهيدغري لفلسفة نيتشه :
يرى هيدغر بأن هيمنة مفهوم القيمة على فلسفة نيتشه ، وصياغته لقضايا الفلسفة والوجود صياغة قيمية/أخلاقية ، يعتبر أبرز دليل على طابعها الميتافيزيقي ، واندراجها ضمن تاريخ الميتافيزيقا بما هو تاريخ لنسيان الوجود . ففلسفة نيتشه بالرغم من نقدها للميتافيزيقا ، وقلبها للأفلاطونية ؛ إلا أنها في منظور القراءة الهيدغرية تنتمي إلى الميتافيزيقا وتندرج ضمن إشكاليتها ، ألا وهي إشكالية " نسيان الوجود " ، وهي الإشكالية المحددة لماهية الميتافيزيقا عند هيدغر . وذلك من خلال الأولوية والصدارة التي منحها نيتشه لمفهوم القيمة داخل فلسفته مقابل غياب بل وانمحاء كلّي لمفهوم الوجود لديه ؛ ومن خلال مفهوم إرادة القوة الذي يجسّد عودة إلى مفهوم الذات وترسيخ لمركزيته وسلطته داخل الفلسفة ؛ ومن خلال تمجيده للإنسان الأرقى ؛ وأخيرا من خلال اللامفكر فيه الميتافيزيقي المتحكم في كامل فلسفته ؛ من خلال كل هذا اعتبر هيدغر بأن فلسفة نيتشه تعدّ تتويجا لمسيرة الميتافيزيقا وختما لها . إنها تمثّل اكتمال الميتافيزيقا وأوجها ونهايتها في الوقت ذاته .
إن التساؤل عن أصل مفهوم القيمة في فلسفة نيتشه ، هو في نظر هيدغر جزء لا يتجزأ من التساؤل عن ماهية الميتافيزيقا في تلك الفلسفة . وطرح هذا السؤال يجعلنا في نظر هيدغر نقف على الترابط القوي الذي يقيمه نيتشه بين تأسيس القيم وإرادة القوة . لأن أصل اعتقاد الإنسان في القيم الكونية والشمولية مرتبط برغبته وإرادته الملحّة في أن يتحمّل قيمته وأن يضطلع بها بذاته ، في عالم صار "بعد موت الله "- فاقدا للقيمة ، وخال من المعنى والحقيقة ، وبدون غاية . ولهذا تعتبر إرادة القوة هي المرجع الأساسي في قلب القيم، ووضع لوحة جديدة للقيم . فالقيم كلها مؤسسة على إرادة القوة ، وبحكم ذلك فهي شروط لإمكانية الحياة .
يلخّص هيدغر هذا التداخل بين القيمة والمنظور وإرادة القوة على النحو التالي : " كل هذه القيم ، بما هي قيم ، عبارة عن بعض وجهات النظر ، لبعض حقول الرؤية ، لنموذج من إرادة القوة " [1]. وبما أن إرادة القوة هي التي تغدق على الأشياء معناها وقيمتها ، فإن كل ظاهرة أو موجود هو عبارة عن منظور ، أو هو من حيث ماهيته منظوري . مما يعني في آخر المطاف أن الواقع ذاته ليس سوى نتاج لمنظور معين . إنه من جهة محدد من قبل إرادة قوة ، ومن جهة أخرى يشكّل تشابكا للمنظورات والتقويمات . فالطابع التركيبي لتقويمات الواقع ، يعكس بدوره الطابع التركيبي لإرادة القوة ، من حيث أن هذه الأخيرة هي مركّب من قوى متصارعة ومتنازعة ؛ منها قوى ارتكاسية تنزع إلى المحافظة على الذات والإبقاء عليها حتى ولو كان ثمن ذلك التشبث بالأوهام ، ومنها قوى فاعلة تنزع إلى التوكيد والإبداع والتجاوز الذاتي [2] . إذن فالقيمة هي أساسا وجهة نظر ، تفيد في الزيادة في الهيمنة وتوسيع نطاقها ، أو في الحد منها واختزالها . وعليه فالدين والأخلاق والفلسفة والعلم والفن ، ومؤسسات المجتمع كالدولة وغيرها ، تقوم كلها مقام القيم ، بما هي شروط ضرورية لتنظيم حياة الجماعة والتحكم في الصيرورة ومفاجآت الزمن .
هيمنة مفهوم القيمة داخل الفلسفة بصفة عامة ، وترجيحه في ميتافيزيقا إرادة القوة بشكل خاص ، سيمكّن الفلسفة حسب التأويل الهيدغري من أداء وظيفتها المتمثّلة في قلب جميع القيم هذا من جهة أولى . ومن جهة ثانية ، سيجعلها تتحول إلى نوع من المرآة يتجلى فيها بوضوح تاريخ الميتافيزيقا ، بما هو تاريخ لتحقيق مقولات العقل الأساسية : كالكلية ، والوحدة ، والحقيقة ، وهي التي تتخد في فلسفة نيتشه حسب هيدغر شكل المقولات العليا . هكذا فمع نظرية القيمة النيتشوية ، سيصير تاريخ الفلسفة تاريخا لتأسيس القيم وتحقيقها [3]. ومن جهة ثالثة ، فإن التأويل النيتشوي لمفهوم القيمة ، وصياغته لمشكلات الفلسفة والكينونة صياغة قيمية ، سيجعل الميتافيزيقا أكثر قابلية للفهم مما كانت عليه سابقا . إنه سيمكّن الميتافيزيقا من وعي ذاتها ، لأنه سيلهمها القدرة لكي تقول ما عجزت عن قوله ، وعن التفكير فيما لم يتم التفكير فيه بعد . وهكذا فتكريس سيادة المنظور القيمي أو القراءة القيمية داخل الفلسفة ، سيكشف القناع عما هو مسكوت عنه وظل متواريا في الظل ، مشكّلا بذلك كما يرى هيدغر نوعا من اللامفكر فيه في تاريخ الميتافيزيقا . وإذا كان الأمر كذلك ، فيجب أن ننظر كما يقول هيدغر- إلى تصور نيتشه لمقولات العقل بما هي تجسيد للقيم العليا للغرب ، باعتبارها كمحاولة لتحرير القيم الميتافيزيقية واسترجاعها لمحتواها الخلاق ؛ وهو المحتوى الذي ظل في غياهب اللاوعي . لقد صارت الميتافيزيقا بعد أن أخضعت من قبل نيتشه للقراءة القيمية ، بمثابة تأويل للوجود في كلّيته من حيث هو إرادة قوة[4].
لكن إذا كانت الميتافيزيقا هي هيمنة لإرادة قوة ، فإنها ستكون خاضعة للإرادة الأخلاقية ؛ وستصير على حد تعبير هيدغر " أنطولوجيا أخلاقية أو أخلاقا أنطولوجية " [5]؛ وبالتالي سيكون أساس الميتافيزيقا هو الأخلاق . وبحكم الطابع الأخلاقي لهذه الإرادة ، فستكون ارتكاسية عاجزة عن ممارسة القوة ، أي عاجزة عن وضع وتحديد غايات وتحقيقها ؛ وهذا ما يجعلها تقوم بعملية إسقاط خارج ذاتها وفي عالم ما فوق حسي لنسق من التقديرات والتقويمات المتعلقة بما ينبغي أن يكون ، وتتخذ منه مقياسا للأشياء . ويرى هيدغر بأن هذا المعنى الذي يعطيه نيتشه للميتافيزيقا ، هو ذاته المعنى الذي يعطيه للأخلاق؛ فهي تتحدد أيضا باعتبارها منظومة من التقويمات التي تتخد من العالم المفارق معيارا لكل شيء [6].
هكذا يتمثّل نيتشه في تأويل هيدغر- الميتافيزيقا بكيفية أخلاقية ، مادام يتعامل معها كنسق من تقديرات القيم  [7] . وبهذا يصبح كل تأويل للعالم هو بمثابة تأسيس لقيم معينة لتنظيم العالم وتشكيله تبعا لإرادة القوة ، أي تبعا لصورة معينة للإنسان . فتصير الميتافيزيقا مع نيتشه عبارة عن نزعة أنتروبمورفية ، أي بمثابة إدراك للعالم وفقا لصورة الإنسان . وهذا ما يجعل هيدغر يصل إلى الخلاصة التالية : وهي أن ميتافيزيقا إرادة القوة ، والتي يتأسس عليها مذهب الإنسان الأرقى ، تجعل من الإنسان مركزا للوجود ، ومقياسا مطلقا ووحيدا للأشياء . وهذا ما لم تستطع إنجازه وتحقيقه كل الميتافيزيقا السابقة على نيتشه ، والممتدة من أفلاطون إلى هيجل [8].
وإذن فإن فلسفة نيتشه حسب التأويل الهيدغري تضرب بجذورها في أرض الميتافيزيقا، لأنها ترتد في آخر المطاف ، إلى التأويل الميتافيزيقي الأصلي كما مارسه ووضع أسسه أفلاطون ، الذي اعتبر بأن الفكرة l’idée ، هي نموذج وماهية للوجود ، ومقياس لأشيائه وظواهره . وهذه الفكرة الأفلاطونية هي التي ستتبلور في عصر النهضة مع ديكارت ، وستتخد صورة الإدراك الواضح والمتميز للكوجيطو ؛ كما ستتخد مع ليبنتز شكل التمثّل la représentation  ؛ إلى أن تعثر في فلسفة كانط على صورتها الناضجة والمتمثّلة في شروط الإمكان . وبهذا التأويل صار الطريق معبّدا وحرّا لتبلور مفهوم القيمة في الميتافيزيقا النيتشوية ، أي لتصبح الخاصية الأساسية للوجود والموجودات هي القيمة ، أي إرادة القوة [9].
والخلاصة هي أنّ التأويل الهيدغري لفلسفة نيتشه بصفة خاصة ، ولمفهومه للقيمة على الأخص ، يجعله لا يخرج عن الخط الفكري الذي رسمته الميتافيزيقا عبر مختلف مراحل تطورها ؛ مما يجعلها تتماهى مع مختلف أشكال الميتافيزيقا ، حتى وإن كان نيتشه ذاته يصرّ على اعتبار فلسفته بمثابة "قلب للأفلاطونية" التي تشكّل في نظره ميتافيزيقا للشعب .
هذه الإعتبارات هي التي جعلت هيدغر يعتبر الخط الفكري بين كانط ونيتشه هو خط موحّد بصدد مفهوم القيمة ، بعد أن بيّن وحدة تفكير نيتشه وديكارت بصدد مفهوم الذات . يقوم هذا الخط على النظر إلى الإنسان ، باعتباره خاضعا لسلطة إرادة القيم التي تشكّل "عالما موضوعيا" ؛ يتميز بالقبلية apriori ؛ ويشكّل مقياسا لتقويم الكائنات والأشياء . وهو خط يقوم في جوهره وعمقه على أساس أفلاطوني ، يزعم أنه من داخل عالم القيم يمكن تقرير مصير الكائن ، وتحديد شروط إمكان الحياة . وهو الخط ذاته الذي سيصبح فيه "الإنسان الأرقى" ، هو المعنى الأخير والقيمة العليا التي لم يكن لها على الإطلاق وجود من قبل. وبهذا تكون الميتافيزيقا قد بلغت أقصى درجة العقلانية وسيطرة القيم، ووصلت إلى منتهاها مع قلب جميع القيم  transvaluation[10].
وهكذا ففلسفة نيتشه التي تظل في نظر الكثير من الباحثين المعاصرين تمثّل فجر ما بعد الحداثة الفلسفية [11]، بما حققته من زحزحة جذرية للسؤال الفلسفي حيث نقلته من المستوى الماهوي الميتافيزيقي إلى المستوى القيمي والحياتي ؛ وباستحداثها لآليات جديدة في قراءة الخطابات وتأويل النصوص تعتمد أساسا على التحليل الجنيالوجي ؛ وببلورة تصور جديد للفلسفة والتفلسف ، وإرساء منحى جديدا لمسألة الحقيقة في الفلسفة ..إلخ .
وعلى النقيض تماما من هذه الصورة ، ظل نيتشه في التأويل الهيدغري يفكر من داخل أسوار الميتافيزيقا وثنائياتها المطلقة : كالحقيقة والخطأ ، والخير والشر ، والعمق والسطح ، والمعقول والمحسوس ، والباطن والظاهر ..إلخ ؛ ولم يستطع الخروج على الأساس العام الذي اتخدته الميتافيزيقا منطلقا لقول الحقيقة وإصدار الأحكام ، ألا وهو مبدأ الذاتية أو مفهوم الذات [12].
صحيح أنّ "ميتافيزيقا إرادة القوة" وهو العنوان الجديد الذي وضعه هيدغر لفلسفة نيتشه عملت على الحطّ من قيمة المنطق والعقل من حيث هما السبيل الوحيد المؤدي إلى حقيقة الوجود ؛ إلا أنّ هذا النقد الموجه لهما ، ظل تبعا للمنظور الهيدغري ، نقدا لم يبارح أرض الميتافيزيقا ؛ لأنه بقي محكوما بتصور آخر للذات من حيث هي إرادة قوة [13].
صحيح أنّ نيتشه انتقد أساس الميتافيزيقا الذي هو الذات أو العقل ، والمنطق وإرادة الحقيقة، ودعا إلى إقامة أساس مغاير يردّ إليه المعنى والحقيقة ؛ غير أنّ نيتشه حسب هيدغر لم يخرج عن ذلك الأساس الميتافيزيقي الذي هو مفهوم الإنسان ، والذي كان وراء خلق عالم من الأفكار المفارقة التي فقدت كل صلتها بالواقع الحي ؛ فلم يستطع تجاوز المفارقة التي تحكمت في نظرة الميتافيزيقا إلى الإنسان ، وكرّست ثنائيته كحيوان وككائن عاقل .
وصحيح أيضا أنّ نيتشه ينتقد بشدة النزوع العقلاني المتطرف للذات الذي يتخد صورة المثل الأعلى الزهدي l’idéal ascétique ، ويجعلها أكثر ارتباطا بواقعها الفعلي ؛ إلا أنّ هذا النقد ظل بدوره سجينا للقسمة الأفلاطونية ، وظل يفكر من داخل ثنائياتها : كثنائية الفوق والتحت ، أو المعقول والمحسوس . يقول هيدغر : " إنّ النتيجة المترتبة عن القلب النيتشوي للأفلاطونية ، تتمثّل في كون أنّ أشياء العالم المحسوس تصبح هي عالم الحق ، ويصير عالم ما فوق الحس في مجمله عالما وهميا " [14].
عدم قدرة نيتشه على تجاوز الميتافيزيقا ، يربطها هيدغر بهيمنة مفهوم القيمة على فلسفته . وهو مفهوم شكّل عائقا وحال دون استعادة الوجود الضائع والمنسي ؛ وذلك لأنه يتخذ من الإنسان مركزا للكون ، ومقياسا لقيمة العالم والأشياء ؛ وذلك من خلال ما يتمتع به من قدرة على وضع بناء شامخ من القيم ، يشكّل بموجبه منظورا ، و يحدد من خلاله صورة العالم . وهذا ما جعل فلسفته تتحول إلى أنتروبولوجيا ، ونزعة إنسانية ميتافيزيقية . بعد هذا كله يتساءل هيدغر عن الفرق الموجود بين إنسان نيتشه (الإنسان الأرقى) الذي هو مقياس كل حقيقة وكل معنى ، وبين الكوجيطو الديكارتي الذي يتخد من الذات المفكرة مقياسا للحقيقة ، وأساسا لليقين .
إن مفهوم القيمة هو ما جعل الذاتية تبلغ في فلسفة نيتشه أوجها وتمامها ، بعد أن استنفدت عقب المشروع الهيجلي كل إمكاناتها . فإذا كانت الميتافيزيقا قد بلغت مع هيجل أقصى مداها حين أرجعت أساس الحقيقة إلى العقل الكلّي ، وإلى الذات المطلقة ؛ فإنها مع " ميتافيزيقا إرادة القوة" قد بلغت نهايتها ، حين انقلب الأساس من العقل أو الذات أو الروح ، إلى الطبيعة ، ممثّلة في الجسد وأهوائه وقوى غرائزه ، أو إرادة القوة بما هي قيمة القيم . وهذا ما جعل الميتافيزيقا تستنفد ماهيتها وإمكاناتها مع فلسفة الذاتية المطلقة (الهيجلية) ، ومع ميتافيزيقا إرادة القوة . وهذا ما جعلها تعيش نهايتها ليس بناء على قرار هيجلي أو نيتشوي ، بل بناء على قرار تاريخي ، " ذلك لأن الفكر الذي يفكر في حقيقة الوجود ، مرغم على أن يتجاوز الميتافيزيقا " [15] .
كان هذا مجمل تأويل هيدغر لفلسفة نيتشه بصفة عامة ، ولمفهوم القيمة لديه بصفة خاصة من حيث هو المفهوم المحوري في فلسفته . ولقد توخينا تفصيل القول شيئا ما في ذلك التأويل ، وذلك لاعتبارين أساسيين : أولهما نظرا لكونه يشكّل بدون منازع أهم ما كتب إلى حد الآن حول نظرية القيمة عند نيتشه ، من حيث هو الخيط الناظم لفلسفته . وثانيهما نظرا لما للتأويل الهيدغري لفلسفة نيتشه من سلطة وتأثير على كل قراءة ممكنة لنيتشه ؛ بحيث نستطيع أن نؤكد بأن أية محاولة تروم خلخلة علاقة نيتشه بالميتافيزيقا ، إلا ويجب أن تبتدئ بوضع موضع تساؤل جذري الصورة الملتبسة لنيتشه في القراءة الهيدغرية. وهذا ما سنحاول القيام به .
  

المزيد


التالي